في منطقة الشعب شمالي بغداد، وأمام باب منزلها الذي طالما فتحته ليكون ملاذاً للمتعبات والناجيات من سطوة العنف، انتهت رحلة ينار محمد إحدى أبرز الناشطات النسويات في العراق.
في الثاني من مارس الجاري، توقفت دراجة نارية يستقلها مسلحان، وبدم بارد أطلق أحدهما النار من مسدس كاتم للصوت.
رصاصتان فقط كانتا كفيلتين بقتل رئيسة منظمة حرية المرأة في العراق (OWFI) وإغلاق فصل من فصول الشجاعة النسوية في البلاد.
ولدت ينار في قلب بغداد عام 1960، وحملت شهادة الماجستير في الهندسة المعمارية عام 1993، لكن هندستها الحقيقية تجلت بعد عام 2003.
لم تبنِ ينار أبراجاً من الإسمنت، بل شيدت “بيوت الأمان” لتحمي النساء من مقصلة العنف العشائري، وجرائم “الشرف”، والاتجار بالبشر.
نضالها الذي نال تقديراً دولياً بجائزتي “غروبر” عام 2008 و”رافتو” عام 2016، وضعها في مواجهة مباشرة مع القوى التي ترى في استقلال المرأة “خطراً وجودياً”.
حمت ينار المئات وربما الآلاف من الهاربات من العنف الأسري، وتمكنت من تمكين العديد منهن لبدء حياة جديدة، لكنها تعرضت للشيطنة على مدى سنوات.
لم يكن طريقها مفروشاً بالورود، فقد دخلت منظمة ينار في صدامات قانونية وسياسية حادة مع جهات رسمية. ولعل أبرز نتائج هذه الصدامات تتمثّل في الدعوى التي رفعها ضدها الأمين العام لمجلس الوزراء، حميد الغزي، عام 2020، واتهمها فيها بإيواء نساء “هاربات”، وهي الدعوى التي كسبتها ينار لاحقاً.
يصف الناشط أحمد العامري، عضو تحالف الدفاع عن حرية التعبير، هذه الفاجعة بأنها “خسارة جسيمة لا يمكن تعويضها للحركة المدنية”.
ويرى العامري، في حديثه لـ”الحرة”، أن الاستهداف الذي وقع فور عودتها من السفر يعكس “ترصداً مسبقاً دقيقاً”.
لكن الرصاصة لم تكن البداية، فقبل القتل الجسدي، تعرضت ينار لسنوات من “الاغتيال المعنوي” عبر حملات تشويه ممنهجة على منصات التواصل الاجتماعي، قادتها حسابات تابعة لفصائل مسلحة.
هذه الحملات، بحسب العامري، تمثل “ضوءاً أخضر” وتفويضاً صريحاً للمنفذين على الأرض.
يقول عضو تحالف الدفاع عن حرية التعبير إن “ربط النشاط الحقوقي بالأجندات الخارجية وتشويه صورة المدافعات عن الحقوق في وسائل الإعلام، خلق بيئة مشحونة بالكراهية، جعلت من تصفية ينار أمراً مستساغاً في أوساط التحريض”.
في اليوم نفسه، وجه وزير الداخلية العراقي عبد الأمير الشمري بتشكيل لجنة تحقيقية للتحقيق في ملف اغتيال ينار، إلا أن النتائج لم تُعلن بعد.
ويسود رعب في صفوف نشطاء المجتمع المدني العراق اليوم من أن يكون اغتيال ينار بداية لعودة عمليات الاغتيال المنظمة التي طالت سابقاً رموزاً مدنية مثل الخبير الأمني هشام الهاشمي.
تخشى الأوساط الحقوقية أن تتحول هذه التصفيات إلى “أداة معتادة” لإسكات الأصوات الجريئة، خاصة في ظل استغلال الأزمات السياسية لتنفيذ “قوائم تصفية” جديدة تستهدف ما تبقى من حراك نسوي ومدني.
وفقاً لمصدر أمني في وزارة الداخلية العراقية تحدث لـ”الحرة”: فإن “تقريراً أمنياً حذر قبل أيام من احتمالية تعرض بعض النشطاء والصحافيين إلى عمليات اغتيال”.
ويربط المصدر ذلك بالأوضاع في المنطقة، في إشارة إلى الحرب على إيران.
الناشطة النسوية رؤى خلف تتحدث بمرارة لـ “الحرة” عن هذا المشهد، وترى أن استهداف شخصية بوزن ينار هو اعتداء صارخ على حرية التعبير.
تقول خلف: “كان وضحاً لدى الجميع خطاب الكراهية ضد المنظمات النسوية بالعموم وضد المغدورة ينار بشكل خاص وبكل منصات مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا سياق يستخدم للتسقيط والشيطنة وهو سلوك يسبق الاغتيال”.
وبحسب خلف، فإن العراق دائماً ما يشهد في فترات التوتر حملات تصفية لشخصيات “وطنية”، وهو سياق تكرر منذ احتجاجات تشرين 2019.
يتهم البعض في مواقع التواصل الاجتماعي الجماعات المسلحة التي تتحرك في مساحة “اللادولة”، وتستغل نفوذها لفرض رؤيتها الأيديولوجية بالقوة. ترى هذه القوى في الناشطات “خطراً” يفكك منظومة السيطرة التقليدية والعشائرية التي تتغذى عليها.
ويرى حقوقيون أن استمرار هذه الفصائل في استهداف النشطاء يعكس سعياً لإبقاء لغة السلاح مسيطرة على المشهد في البلاد.
المحامية والناشطة نور الشرع ترى أن “المناخ العام الذي واجهته ينار من مضايقات دون محاسبة، هو ما يهدد سلامة الجميع. جميع النشطاء مهددون بذات المصير”.
تخشى الشرع في حديثها لـ”الحرة” عودة الاغتيالات التي تطال الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان”.



