تراهن إيران على قدرتها على الصمود أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس عسكريا، وإنما من خلال تحويل الحرب إلى صراع قاس يصعب تحمله. واستراتيجيتها لتحقيق ذلك واضحة: إطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ وقطع طرق الطاقة الحيوية وزعزعة الأسواق العالمية بقوة كافية لإجبار واشنطن على التراجع أولا.
الثلاثاء، تعهد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأن يكون اليوم هو “الأكثر كثافة” من حيث الضربات الأميركية ضد إيران منذ بدء الحرب.
وخلال مؤتمر صحفي عقده في البنتاغون، قال هيغسيث إن “أكبر عدد من المقاتلات وأكبر عدد من القاذفات” سيُستخدم يوم الثلاثاء، مشيرا إلى أن الجيش الأميركي يمنح الرئيس دونالد ترامب “أقصى قدر من الخيارات” لإدارة الحرب.
وكان هيغسيث قال الأسبوع الماضي إن الصراع قد يستمر من ثلاثة إلى ثمانية أسابيع، لكنه أوضح أن تقدير ما إذا كانت الحرب في بدايتها أو منتصفها أو نهايتها يعود إلى ترامب.
وقال عن الرئيس الأميركي: “هو من يتحكم في مستوى التصعيد”، في إشارة إلى ترامب الذي قال الاثنين إن الحرب قد تنتهي “قريبا جدا”، قبل أن يحذر من اتخاذ إجراءات أكثر شدة إذا واصل القادة الإيرانيون عرقلة حركة ناقلات النفط.
وتعد هذه التصريحات من بين مؤشرات عدة على أن الأطراف الرئيسية في الحرب لا تزال متمسكة بمواقفها، في ظل غياب أي حديث عن جهود دبلوماسية لإنهاء الصراع الذي أدى إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية.
وقال فواز جرجس من كلية لندن للاقتصاد “إن الإيرانيين يخوضون معركة وجود. هذه حرب شاملة”. وأضاف “إنهم يعتقدون أن بقاءهم على المحك. إنهم مستعدون لتدمير المعبد على رؤوس الجميع”. وأضاف أليكس فاتانكا، وهو باحث كبير بمعهد الشرق الأوسط وخبير في السياسة الإيرانية، “إنهم مثل حيوان ينزف – مصاب بجروح، ولكنه لذلك أكثر خطورة من أي وقت مضى”.
وهذه العقلية الحربية الشاملة هي السبب وراء تصعيد إيران ضرباتها عبر الخليج، مستهدفة مراكز الطاقة من قطر إلى السعودية لرفع الاضطراب الاقتصادي لأقصى حد في محاولة محسوبة لزيادة التكاليف على جيرانها وأوروبا والولايات المتحدة واختبار إرادة واشنطن السياسية.
وقال ترامب للمشرعين الجمهوريين، الاثنين، إن الحرب ستستمر حتى “هزيمة إيران هزيمة كاملة وحاسمة”، لكنه توقع أن تنتهي قريبا.
وأضاف أنه بمجرد انتهاء الولايات المتحدة من العملية العسكرية على إيران، فلن يكون لدى طهران أي أسلحة تستخدمها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاء واشنطن لفترة طويلة.
ويقول عالمون ببواطن الأمور في إيران إن هذا التصعيد كان متوقعا قبل وقت طويل من بدء الحرب قبل 11 يوما. وافترض المخططون الإيرانيون أن المواجهة مع واشنطن وإسرائيل أمر لا مفر منها، وأعدوا استراتيجية متعددة المستويات منسقة عبر شبكات الحرس الثوري العسكرية المترامية الأطراف وقوات بالوكالة.
والآن، ومع قلة ما يمكن أن تخسره، تنفذ إيران تلك الخطة وتحول الصراع إلى حرب استنزاف طاحنة تهدف إلى إرهاق خصومها سياسيا واقتصاديا.
وبدأت العواقب تظهر بالفعل في الداخل.
ويقول العالمون ببواطن الأمور إن اختيار مجتبى خامنئي زعيما أعلى يثبت هيمنة الحرس الثوري “كصانع الملوك”. ويشيرون إلى أن ميزان القوى قد تغير. وعلى الرغم من اختيار زعيم أعلى جديد، فإن مستقبل الجمهورية الإسلامية وسلطة المؤسسة الدينية نفسها يعتمدان الآن على قدرة الحرس الثوري على الصمود في وجه العاصفة التي أطلقتها الحملة الأميركية الإسرائيلية.
إلى متى؟
لكن أحد العوامل المجهولة الحاسمة في الحرب، مثلما يقول مهند حاج علي الباحث الكبير في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، هو المدة التي يمكن للحرس الثوري أن يستمر فيها بحملته الصاروخية، التي تشكل العمود الفقري لاستراتيجيته ضد أعدائه.
ويقول مسؤولون أميركيون إن جزءا كبيرا من ترسانة إيران قد دُمر بالفعل، لكن مصادر إقليمية تقول إن طهران قد لا تزال تحتفظ بأكثر من نصف مخزونها قبل الحرب. وإذا صحت هذه التقديرات، فإن إيران يمكن أن تستمر في إطلاق الصواريخ لعدة أسابيع أخرى، وهو إطار زمني قد يكون مهما لواشنطن مع تزايد الضغوط الاقتصادية في الداخل والخارج.
ويمتد نفوذ الحرس الثوري أيضا إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة، حيث يعيد تشكيل الحياة اليومية. وقال مراقب إيراني إن البضائع التي كانت تظل لأسابيع في الموانئ يتم الآن تخليصها على الفور. وتأتي الإجراءات الورقية لاحقا.
ووصف المسؤولون ذلك بأنه استعداد لاقتصاد حرب، لضمان استمرار خطوط الإمداد تحت الضغط، مع تعزيز سيطرة الحرس الثوري على الدولة وتأكيد استمرار الحكم.
وللاستقرار الداخلي القدر نفسه من الأهمية. وأفاد مراقبون ومصادر داخل إيران بأنه لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على احتجاجات أو انشقاقات في صفوف النخبة أو انقسامات داخل المؤسسة.
ووصف أحد العالمين ببواطن الأمور في طهران المدينة بأنها تتعرض للقصف لكنها لا تزال تعمل. وقال “تهتز النوافذ ليلا ونهارا، لكن الحياة تستمر”. ولا تزال المتاجر والبنوك مفتوحة والإمدادات متوفرة ولم يفر معظم السكان من العاصمة.
وفي الوقت الحالي، قد يمنح هذا الشعور القيادة مزيدا من الوقت. وأضاف المصدر “لا أعرف ما إذا كان النظام سيبقى على المدى الطويل. لكنه لن ينهار خلال الأسبوعين المقبلين”.
وبالنسبة للخبراء الاستراتيجيين من كلا الجانبين، تتحدد الحرب على نحو متزايد من خلال اختبارين متوازيين للقدرة على التحمل: الأول ما إذا كان بإمكان إيران الاستمرار في إطلاق الصواريخ والثاني ما إذا كان بوسع الولايات المتحدة وإسرائيل تحمل التكاليف الاقتصادية والعسكرية والسياسية لوقفها.
وقال جرجس “السؤال الكبير هو من سيتراجع أولا في هذه الحرب الشاملة، دونالد ترامب أم قادة إيران؟”.
ومن خلال رفع أسعار الطاقة وجعل الاقتصادات الغربية تئن تحت وطأة المعاناة المالية، تأمل طهران أن يؤدي الضغط إلى إجبار الولايات المتحدة على التراجع.
وتشير المؤشرات الأولية إلى أن الآثار بدأت تظهر بالفعل. فأسعار النفط ترتفع وتكاليف الغاز تزداد والاضطراب السياسي يتزايد في واشنطن مع تداخل التداعيات الاقتصادية مع انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وقال جرجس إن ترامب قد يسعى في النهاية تحت هذا الضغط إلى الخروج من المأزق بإعلان النصر، مستشهدا بقتل الزعيم الأعلى الإيراني وتدمير قدرات إيران النووية والصاروخية وبنيتها التحتية العسكرية الرئيسية.
غير أنه بالنسبة لطهران، سيكون البقاء وحده كافيا.
وحتى لو دُمر معظم بنيتها التحتية الاستراتيجية، يمكن للقيادة الإيرانية أن تعلن الانتصار والبقاء في مواجهة واحد من أكبر الأساطيل العسكرية في التاريخ.
وقد تخرج إيران جريحة، لكنها في هذا الوضع قد تكون بالخطورة نفسها – وربما أكثر تقلبا وغموضا- من المؤسسة التي دخلت هذا الصراع.
رويترز



