قبل أيام قليلة، بدأ مقطع فيديو قصير بالانتشار على الإنترنت. كان يُظهر لبنانيين يتناولون العشاء ويضحكون ويتبادلون الأنخاب في مطاعم ونوادٍ في منطقة النقّاش، على بُعد بضع كيلومترات شمال بيروت. وكان واضحاً أن الهدف من الفيديو هو إيصال رسالة لبنانية مألوفة — بل ومثيرة للغثيان بالنسبة إلى كثيرين اليوم: الصمود. الحياة مستمرة. نرفض أن نتخلى عن الفرح، حتى عندما يهددنا ما في السماء فوقنا.
في غضون دقائق، تحوّل قسم التعليقات إلى ساحة معركة.
أدان الناس الفيديو واعتبروه غير حساس، وغير لائق، بل وغير إنساني. كيف يمكن لأي شخص أن يحتفل فيما ينام لبنانيون آخرون في الشوارع، مهجّرين بفعل القصف في الجنوب أو في ضواحي بيروت؟ كيف يمكن للموسيقى أن تعلو بينما تبحث عائلات عن مأوى؟
وسرعان ما اكتسبت الانتقادات نبرة مختلفة. فقد صُوِّر الفيديو في منطقة ذات غالبية مسيحية. وبالنسبة لكثير من المعلّقين، لم يعد الأمر مجرد حياة ليلية. بل أصبح دليلاً — حقيقياً أو متخيَّلاً — على انقسام أعمق: الاتهام القديم بأن بعض اللبنانيين يعيشون “بشكل طبيعي”، بينما يدفع آخرون ثمن الحرب.
فجأة، لم يعد المقطع مثالاً ملهِماً على قدرة اللبنانيين على التكيّف، بل تحوّل إلى شيء أثقل: استعارة قاسية عن لبنان نفسه، بلد نسي، طوعاً أو كرهاً، كيف يرى نفسه جسداً واحداً.
وراء هذا الغضب يكمن سؤال نادراً ما نطرحه بصدق: ماذا يُفترض بالناس أن يفعلوا عندما تندلع الحرب في جزء واحد فقط من بلد ممزّق؟ لقد عاش لبنان داخل هذه المعضلة الأخلاقية لعقود. حروبنا نادراً ما تكون شاملة. تأتي بشكل غير متكافئ، انتقائية جغرافياً وسياسياً وطائفياً. حيّ يحترق بينما يبقى آخر سالماً. عائلة تهرب بينما أخرى تتابع عشاءها. يتأرجح البلد بين اتهامين: انعدام الحس من جهة، وفرض الوصاية الأخلاقية من جهة أخرى. وكلا الردّين ينبع من ألم حقيقي.
إحاطة إيران من MBN
متابعة أسبوعية وتحليلات يقدّمها أندريس إلفِس حول ما يجري في إيران وانعكاساته الإقليمية والدولية.
أولئك الذين تهجّروا، أو يعيش أقاربهم تحت هدير الطائرات المسيّرة، يرون — بشكل واضح — مشاهد الحياة المرحة والخفيفة كنوع من الخيانة. ليس لأنهم يحسدون الآخرين على فرحهم، بل لأن المعاناة تعزل. تولّد شعوراً مهيناً بأن ألمك يخصك وحدك، وأنه لا يهم بالقدر الكافي ليولّد تعاطفاً.
وفي الوقت نفسه، فإن الأشخاص الجالسين في تلك المطاعم لا يحتفلون بالضرورة ببؤس الآخرين. كثير منهم أنهكته سنوات الانهيار، والكوارث المالية، والترقب الدائم للكارثة. إنهم يتمسكون بالحياة الطبيعية كما يتمسك الغريق بالهواء.
هذا ليس تبريراً. بل مجرد ملاحظة. ففي لبنان، غالباً ما يرتدي الصمود والإنكار الوجه نفسه.
لكن التعليقات تحت الفيديو، أكثر من المقطع نفسه، كانت الأكثر دلالة. كان التنقل بينها أشبه بمشاهدة بلد يتشظى جملةً بعد جملة. أفراد وجماعات يتبادلون الاتهامات. أحقاد طائفية قديمة تعود إلى السطح بسرعة مخيفة. تعاطف يتبخر تحت ضغط الغضب. مواقف متطرفة تتصادم دون أي قدرة على وضع النفس مكان الآخر. من الصعب تخيّل كيف يمكن ردم الهوة بين خطاب أم تقول: “ليمُت جميع أبنائي في هذه المعركة المقدسة!”، وبين صرخة مباشرة تقول: “فلنعقد السلام مع إسرائيل فوراً!”
كل حرب تبدو وكأنها تثبت الحقيقة نفسها: أننا، نحن اللبنانيين، لسنا شعباً واحداً فعلاً، بل مجرد جيران عالقين في الجغرافيا نفسها المرهقة.
المقطع المذكور ليس حالة معزولة. تابع أي نقاش تقريباً على وسائل التواصل هذه الأيام، وستشهد المشهد نفسه: لبنان يتجادل مع نفسه. بالنسبة للبعض، حزب الله ليس مجرد حزب أو ميليشيا، بل درع. قد يكون غير كامل أو مثيراً للجدل، لكنه درع على أي حال. كثير ممن يرون الأمور بهذه الطريقة ينحدرون من الجنوب، أو من الضاحية الجنوبية لبيروت، أو لديهم عائلات هناك. يعرفون صوت الطائرات المسيّرة كما يعرف آخرون صوت المطر. يتذكرون الحروب لا كأحداث جيوسياسية، بل كبيوت مدمّرة، وجنازات سريعة، وأطفال تعلّموا مبكراً جغرافيا الملاجئ.
الأسبوع الماضي، تحدثتُ إلى عبد، صديق من النبطية. تضرر منزل عائلته ثلاث مرات، في ثلاث حروب مختلفة. قال بهدوء: “عندما يطلب الناس من حزب الله أن ينزع سلاحه، أريد أن أسألهم: من سيحمينا إذاً؟” لكن عندما سألته: “إذا كان منزلك قد دُمّر ثلاث مرات، فكيف حماك حزب الله فعلياً؟”، عجز عن الإجابة. بالنسبة له، الحزب ليس أيديولوجيا. إنه، رغم كل شيء وضد كل منطق، “تأمين” — ربما التأمين الوحيد المتاح له في دولة فشلت مراراً في حمايته وحماية أمثاله. حتى الحكومة الحالية برئاسة نواف سلام، التي أعادت الأمل لكثير من اللبنانيين، لم تتمكن حتى الآن من تحويل الجيش اللبناني إلى ما كان ينبغي أن يكون عليه منذ زمن: الحامي الشرعي الوحيد للبلاد.
لكن ليس كل أبناء الجنوب أو سكان الضاحية يشاركون هذا الشعور.
هناك عدد متزايد يشعر ببساطة أنه قد اكتفى. حتى أولئك الذين كانوا يخشون، أو يترددون، في التعبير عن ذلك علناً في الحروب السابقة، بدأوا يتحدثون بصراحة أكبر. كثير من الشيعة الذين كانوا يوماً من أشد مؤيدي حزب الله لجأوا إلى وسائل التواصل للتعبير عن غضبهم وخيبة أملهم وإحباطهم. وكأن الخوف القديم من الانتقام، الذي كان يكبت الانتقادات داخل المجتمع بل داخل المنزل، همساً بالكاد يُسمع، بدأ يتآكل. كان الناس يتحدثون عن “قبل السحسوح وبعد السحسوح” — أي قبل الضرب وبعده — كاختصار للخطوط الحمراء غير المعلنة التي كانت تُسكت انتقاد حزب الله. أما اليوم، فيبدو أن بعض تلك الأصوات أقل استعداداً للصمت، وكأن ثقل الحروب والخسائر المتكررة بدأ يفوق الخوف الذي كان يكبّلها.
“لماذا نكون نحن دائماً ساحة المعركة؟” صرخت مريم، وهي شابة شيعية، على الإنترنت، ووجهها مكشوف بالكامل، غير آبهة بردود الفعل العنيفة من مجتمعها وحتى من عائلتها. “لماذا يجب أن ندفع ثمن حروب ليست لنا؟ من قال إنني أريد أن أموت من أجل خامنئي؟” تعيش مريم في الضاحية، وتدير مشروعاً صغيراً بالكاد نجا من الانهيار المالي ومن حرب 2024. بالنسبة لها، كل تصعيد يعني، في أفضل الأحوال، زبائن أقل، وخوفاً أكبر، ومسماراً إضافياً في نعش بلد يكافح أصلاً ليتنفس. عندما تسمع أن حزب الله قد يفتح جبهة جديدة أو يعمّق انخراطه، لم تعد تفكر في المقاومة أو الكرامة، بل في التهجير، والإذلال، والإفلاس، وصيف آخر مدمَّر، وجيل آخر يُجبر على الرحيل. وغضبها ليس حالة معزولة. كثير من اللبنانيين، عبر مختلف الطوائف، يجدون أنفسهم فيه.
بين من يصرّون على أن حزب الله هو حاميهم الوحيد، ومن اكتفوا ببساطة، بين عبد ومريم، تمتد هوّة تبدو مستحيلة الردم. الغضب حقيقي لدى الطرفين، وكذلك الإرهاق.
أخبرتني صديقة أنها اضطرت إلى التوقف عن قراءة التعليقات تحت الأخبار لأنها كانت تُشعرها بالغثيان جسدياً. قالت: “لم يعد الأمر مجرد خلاف سياسي. إنه كراهية. كراهية صافية.” بالفعل، تبدو التعليقات أقل شبهاً بالنقاش وأكثر شبهاً ببروفات لحرب أهلية جديدة. كلمات مثل خائن، جبان، عميل، متطرف، تتطاير بسهولة مخيفة. يتحدث الناس كما لو كانوا أعداء، لا جيراناً ومواطنين في البلد نفسه. في مثل هذه اللحظات، يبدو لبنان كبيت توقف سكانه عن التعرّف إلى بعضهم البعض.
ومع ذلك، تختبئ تحت هذا الصراخ الإلكتروني مخاوف متشابهة على نحو لافت.
أنصار حزب الله يخشون الهجر، والهشاشة، وإمكانية فقدان كل شيء — منازلهم، أراضيهم، هوياتهم — إذا غابت المقاومة المسلحة، حتى لو كانوا يرفضون الاعتراف بأن الكثير قد فُقد بالفعل. أما معارضوه فيخشون شيئاً وجودياً مماثلاً: أن يبقى لبنان رهينة دائمة لحروب إقليمية وصراعات أيديولوجية لم يخترها.
خوفان. سرديتان. كلاهما متجذر في تجربة حقيقية. وما يكاد يكون قد اختفى هو الحوار بينهما.
وسائل التواصل، التي وُعدت يوماً بأنها وسيلة للتواصل، باتت تضخّم أسوأ غرائز مجتمع منقسم. تختفي الدقة. ينهار التعاطف. ينتشر الغضب بفظاظة واضحة. اقرأ ما يكفي من التعليقات، وستتسلل فكرة باردة: ربما المأساة الأعمق ليست الحرب وحدها، بل الطريقة التي تكشف بها مدى هشاشة فكرة الهوية اللبنانية المشتركة. لا يمكن لأي بلد أن يعيش إلى الأبد كمجموعة من الوقائع المتوازية.
ومع ذلك، يظهر أحياناً لبنان آخر: سائق “أوبر” من الجنوب قال لي إنه سئم من أن يُقال له إن مخاوفه غير مشروعة، لكنه أيضاً سئم الحروب، وسئم البدء من جديد مراراً. صاحب متجر في الأشرفية يعارض حزب الله، لكنه يرسل البطانيات والطعام إلى العائلات المهجّرة. مجموعة من الطلاب يتجادلون بشدة حول السياسة، ثم يجلسون معاً لشرب القهوة.
هذه اللحظات صغيرة. هشة. تكاد تكون غير مرئية وسط الضجيج والعداء. لكنها مهمة. تذكّرنا بأن خلف الشعارات والاتهامات يوجد بشر يحاولون، بطرقهم الناقصة والخائفة، حماية ما يحبون. وربما تكمن مأساة لبنان في هذا: الجميع يدّعي الدفاع عن البلد، لكن لا أحد يتفق على كيفية إنقاذه.
وهكذا تستمر النقاشات، تتدفق بلا نهاية عبر شاشاتنا، أمة تتحدث بصوت عالٍ، وغاضب، ويائس إلى نفسها، لا تزال تبحث عن لغة يمكن أن تتحدث بها يوماً كشعب واحد.
ما يتطلبه هذا اللحظة هو أمر بسيط، لكنه نادر إلى حد لا نهائي: القدرة على احتواء حقيقتين في آنٍ واحد. الاعتراف بأن الفرح في مكان لا يلغي المعاناة في مكان آخر، وأن المعاناة في أي بقعة من هذا البلد يجب أن توقظ التضامن في كل بقعة.
ليست الإدانة، ولاالتخوين، ولا التنافس على من يتألم أكثر أو يدفع ثمناً أعلى، بل التضامن.
فليست الفظاعة الحقيقية أن يقضي بعض اللبنانيين وقتهم في الترفيه والنقاش بينما يبيت آخرون في الشوارع.
إن الفظاعة الحقيقية تكمن في أن نفقد الإحساس بأن هذين الواقعين يخصّان البلد ذاته.
هذا المقال منقول عن الإنجليزية.

جمانة حداد
جمانة حداد هي كاتبة وصحفية وناشطة من لبنان


