“بعد وقف إطلاق النار في أبريل الماضي، خرجت من قاعدتي العسكرية في ضواحي طهران بحجة مرض ابني ولم أعد إليها مجددا،” يقول ضابط، برتبة رائد، في الحرس الثوري الإيراني في حوار مع “الحرة”.
يشير الضابط مراد (اسم مستعار)، وهو من أصول أذرية إلى أنه هرب قبل نحو أسبوعين مع عائلته برا إلى أذربيجان. وهو ضمن آلاف من عناصر الحرس الثوري، الذين يتركون مواقعهم ضمن قوات الحرس يوميا منذ انطلاقة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
وطلب مراد عدم ذكر اسمه الحقيقي حفاظا على سلامته وسلامة عائلته.
يقول “قادة الحرس والضباط الكبار يختبئون في مناطق آمنة بعيدا عن القصف هم وعائلاتهم ويزجون بنا نحن الضباط ذوي الرتب الدنيا والمراتب في النار داخل قواعد يعلمون أنها ستتعرض للقصف، لكنهم يستخدموننا كدروع بشرية، ولا يقفون عن هذا، بل يعتقلون الضباط والجنود الذين ينتقدون خطواتهم، بعد تلفيق تهم التجسس لهم،” يتابع.
وتمكنت “الحرة” من الحديث مع مراد هاتفيا بعد محاولات عديدة للتواصل مع، شارك فيها أربعة وسطاء محليين وقياديان اثنان من المعارضة الإيرانية.
يشير مراد إلى أن خوفه من الاعتقال ازداد خلال الأيام الأخيرة قبل هروبه من قاعدته العسكرية، عندما اعتقلت قوة من استخبارات الحرس الثوري 20 ضابطا وجنديا من زملائه بتهمة التعاون والتخابر مع الموساد وقادتهم إلى مكان مجهول، لافتا إلى أن المعتقلين كانوا قد طالبون بتحسين وجبات الطعام المقدمة في القاعدة ومراعاة الأوضاع التي يعيشها الضباط والمراتب خلال الحرب وتحت الغارات المكثفة.
“حاليا أعيش مع أقارب أبي في أذربيجان، أوضاعي النفسية غير مستقرة، وأخشى من ملاحقة فيلق القدس والمخابرات الإيرانية لي هنا، أتمنى أن ينتهي النظام الحاكم في إيران، كي أتمكن مجددا من العودة،” يضيف.
تواصلت “الحرة”، مع ضابط آخر برتبة عقيد في الحرس الثوري، هرب هو الآخر الشهر الماضي من إيران برا إلى تركيا، ورغم الاتفاق على إجراء مقابلة، تراجع واعتذر في اللحظات الأخيرة خوفا من اكتشاف فيلق القدس لموقعه في تركيا.
وقالت مصادر قيادية في المعارضة الإيرانية لـ “الحرة” إن آلافا من الضباط والجنود انشقوا منذ مطلع العام الحالي عن الحرس الثوري والباسيج لأسباب عديدة، منها معارضتهم قرارات الحرس الثوري إطلاق الرصاص على المتظاهرين، ورفضهم المشاركة في أي عمليات ميدانية في المناطق الكردية وفي الأحواز وبلوشستان.
وفر آخرون خوفا من أن يكونوا عرضة للغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية، بعد مقتل غالبية قادة الحرس القدامى وقادته الحاليين، إلى جانب عدد آخر منهم انشق لانخفاض الرواتب وتراجع الامتيازات التي كانت ممنوحة لهم في السابق.
وتؤكد المصادر ذاتها أن المنشقين الذين يخرجون من إيران يستقرون بشكل مؤقت في دول الجوار، لكن أكثر الدول التي انتقل إليها هؤلاء هي أذربيجان وأرمينيا وأفغانستان وتركيا. ومنهم من هرب عبر أفغانستان إلى أوزبكستان وطاجيكستان، ومنهم من يختبئ داخل إيران.
ويؤكد جميل أحمدي، وهو ناشط سياسي كردي معارض يقيم في أوروبا، على أن أعداد المنشقين كبيرة جدا، لكن قطع السلطات للإنترنت منذ أكثر شهرين وحالة العسكرة التي تشهدها إيران تمنع وصول المعلومات الكاملة عن هذه الانشقاقات إلى الخارج.
“المنشقون من الحرس الثوري والباسيج هم من الجيلين، القديم ذي الرتب العالية من مقدم فما فوق، والجديد من الرتب الدنيا ومن المراتب والجنود وهم الأكثر انشقاقا حتى الآن، ومعظمهم انشقوا هربا من التعرض للمساءلة بسبب عدم تنفيذهم الأوامر أو الواجبات الملقاة على عاتقهم خلال الحرب، خاصة تنفيذ العمليات المتعلقة بالقمع الداخلي،” يقول أحمدي لـ”الحرة”.
ولجأ كثير من المنشقين الذي يستطيعوا الخروج من إيران، وفق أحمدي، إلى مناطق ومدن غير مدنهم، خوفا من الملاحقة الأمنية.
الحرس الثوري، قوات عقائدية موازية للجيش الإيراني مهامها حماية النظام الحاكم و”تصدير الثورة للخارج”، قرر روح الله الخميني تأسيس هذه القوات بعد ثلاثة أشهر من وصوله إلى السلطة في إيران عام 1979.
وعلى مدى أكثر من 47 عاما من حكم نظام ولي الفقيه الحالي في إيران، نما الحرس الثوري من قوة صغيرة إلى شبكة معقدة استخباراتية تجمع العقيدة والسلاح والسياسة والاقتصاد. ولا يقتصر عملها في إيران فحسب، بل تشمل عملياته وأذرعه الشرق الأوسط، وأفريقيا وأميركا الجنوبية وأوروبا.
ويمتلك الحرس الثوري قوات برية وأخرى بحرية وجوية، وقوات جوفضائية تشرف وتتحكم بالبرنامج الصاروخي الإيراني، ويخضع له البرنامج النووي الإيراني أيضا.
وحافظ الحرس الثوري على صفوفه من الانشقاقات خلال السنوات الماضية، لكن مع تفاقم الصراعات الداخلية بين أطراف النظام الإيراني وداخل الحرس مؤخرا وسيطرة التيار المتشدد الذي يؤمن بإنهاء الصراعات بالقوة على قيادة الحرس، انطلقت، وفق معلومات أدلى بها ناشطون إيرانيون من الداخل لـ”الحرة”، حملات تصفية واعتقالات يقودها التيار المتشدد ضد الأجنحة الأخرى المنافسة، لذلك اضطر كثيرون في تلك الأجنحة إلى الخروج من إيران خوفا من التعرض للتصفية.
“تزامنا مع بدء الانشقاقات تعرض العديد من الضباط إلى الاعتقال، ومن ضمنهم الذين تركوا مواقعهم العسكرية، وآخرون اعتقلوا أثناء محاولتهم الهرب من البلاد. وبدأت استخبارات الحرس، لاسيما جناحه المتشدد، تحقيقات واسعة مع الضباط المعتقلين، وأعدمتهم خفية، واعتقلت العديد من عائلات المنشقين”، يبين عضو قيادة الجبهة العربية لتحرير الأحواز، قاسم عبد لـ”الحرة”.
ويلفت عبد الى أن نظام الجمهورية الإسلامية المتطرف، يواجه جملة من الأزمات العميقة التي تضعه أمام تصدع يمس المؤسسة الصلبة التي قام عليها نظام ولي الفقيه على مدى أكثر من أربعة عقود.
ويرى عبد أن الضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت إيران خلال الشهرين الماضيين، لم تترك أثرا ماديا فقط، بل أحدثت صدمة نفسية داخل المنظومة الأمنية. فحين تُستهدف مواقع حساسة، وتُخترق تحصينات يُفترض أنها محمية، تبدأ الأسئلة القاسية داخل الصفوف: من سرّب؟ من فشل؟ من أصبح مكشوفا؟ ومن سيكون التالي؟ وفق تعبيره.
ومنذ تأسيس الحرس الثوري ارتبطت قيادته العليا بالمرشد الإيراني، فالخميني هو مؤسس الحرس، وبعد وفاته انتقلت القيادة إلى علي خامنئي، الذي أعلن عن مقتله في هجوم أميركي إسرائيلي مشترك على موقع في طهران مطلع مارس الحالي.
لذلك يعتقد مختصون ومراقبون للشأن الإيراني، تحدثوا لـ”الحرة”، أن غياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي عن المشهد قد يكون هو الآخر سببا رئيسيا من أسباب الانشقاقات التي يشهدها الحرس، خاصة في ظل حالة ارتباك عسكري وسياسي تشهدها إيران، إثر الضربات الجوية والصاروخية المكثفة التي تعرضت لها من الولايات المتحدة وإسرائيل على مدى أربعين يوما من الحرب التي اندلعت في 28 فبراير الماضي.



