إن بروز باكستان المفاجئ كوسيط دبلوماسي في أزمة إيران ليس مصادفة. كما أنه ليس مجرد نتيجة للجغرافيا أو العلاقات الشخصية أو الضرورات الدبلوماسية. بل يعكس شيئًا أعمق: غريزة واقعية اكتسبتها باكستان بشق الأنفس، رغم كل صعوباتها، عبر عقود من الحروب والتطرف والهشاشة الاستراتيجية.
في وقت أدت فيه النزعة الثورية لإيران إلى عزلتها بشكل أعمق وإلى انخراطها في صراعات عسكرية، تجد باكستان نفسها في موقع مختلف. فهي تحافظ على علاقات مع إيران، وتنمّي روابط قوية مع السعودية ودول الخليج، وتظل مهمة بالنسبة للصين، وتحافظ في الوقت ذاته على قنوات اتصال مع واشنطن. وقد عانت باكستان من ضعف المؤسسات المدنية، وتراجع الأداء الاقتصادي، والحكم العسكري، وخيارات السياسة الخارجية المعقدة. لكن هذه الضغوط نفسها علمتها أيضًا مزايا المرونة الاستراتيجية ومخاطر المبالغة في الاعتماد على الأيديولوجيا.
لا ينبغي المبالغة في دور باكستان. فهي لن تحل بمفردها أحد أخطر النزاعات في العالم. لكن بروزها كوسيط دبلوماسي أمر مهم. فهو يُظهر أن الدولة، رغم أزماتها، قادرة على اكتساب ثقل دبلوماسي عندما تمتلك ثلاثة عناصر تفتقر إليها إيران بشكل متزايد: علاقات مع قوى تنتمي إلى معسكرات متخاصمة؛ ووعيًا بمخاطر الأيديولوجيا؛ والانضباط المؤسسي الذي يضمن ألّا تصبح المشاعر الدينية وقوداً مستقلاً للحرب.
أطرح هذه الحجة ليس كمحلل سياسي، بل كباحث ديني مهتم بكيفية تأثير الأفكار الدينية في السلوك السياسي والحرب والسلام. لم تحسم باكستان بعد العلاقة بين الدين والسياسة، لكنها تعلمت عبر المعاناة أن الشعارات الدينية، عندما تُعسْكَر، لا تبقى تحت سيطرة أحد.
بين عامي 2009 و2016 تقريبًا، واجهت باكستان واحدة من أكثر موجات العنف المسلح قسوة في تاريخها. فقد هاجمت حركة طالبان باكستان وشبكات متطرفة متحالفة معها المدن والمساجد والمدارس والمنشآت العسكرية والمدنيين. واضطرت الدولة إلى خوض حملات عسكرية كبرى في سوات وخيبر ووزيرستان وغيرها، لتتعلم أن التطرف الديني، إذا تم تشجيعه أو التسامح معه، يمكن أن ينقلب إلى الداخل، ويدمر المجتمع، ويتحدى الدولة نفسها.
بالنسبة للقيادة العسكرية والسياسية في باكستان، كان ذلك لحظة حاسمة. فقد فرضت الحرب ضد طالبان باكستان مراجعة مؤسسية عميقة. لم تعد الجماعات المتطرفة مجرد أدوات نفوذ أو حلفاء أيديولوجيين بعيدين، بل أصبحت تهديدًا وجوديًا داخليًا. واكتشفت باكستان أن الدولة لا يمكنها أن تتسامح إلى ما لا نهاية مع خطاب التطرف الديني، وتتوقع في الوقت نفسه الحفاظ على الاستقرار في الداخل.
وقد عمّق استيلاء طالبان على السلطة في أفغانستان عام 2021 هذا الدرس. إذ اعتقد كثيرون في باكستان أن وجود حكومة صديقة أو قريبة أيديولوجيًا في كابول سيخفف من المشكلة الأمنية على حدودها الغربية. لكن العكس هو ما حدث. فقد اكتسبت طالبان باكستان ثقة أكبر، وتصاعدت التوترات عبر الحدود، وواجهت باكستان حقيقة مريرة: القرب الأيديولوجي لا يضمن التعاون بين الدول.
دفعت هذه التجربة باكستان إلى استنتاج واقعي: الحفاظ على قوة الدولة يكون أفضل عبر العمل ضمن هياكل القوة العالمية، لا بالوقوف خارجها في حالة تحدٍ دائم. يمكن للدولة أن تتعامل مع القوى الكبرى، وتوازن بين الضغوط المتنافسة، وتدافع عن مصالحها. لكنها لا تستطيع استبدال الاستراتيجية بالشعارات، أو بناء الأمن على التعبئة العاطفية وحدها.
وهنا تبرز أهمية قائد الجيش الباكستاني، المشير سيد عاصم منير. يجب فهم دور الجيش الباكستاني بحذر، دون تمجيد سطحي أو تقليل من شأنه. فتاريخه السياسي يتضمن علاقة مضطربة بين المؤسسات المدنية والمؤسسة الأمنية. ومع ذلك، فقد ساعد الاستمرار المؤسسي في لحظات الأزمات على الحفاظ على الانضباط والتركيز الاستراتيجي.
في السنوات الأخيرة، يبدو أن باكستان دخلت مرحلة براغماتية، وإن كانت غير مثالية، من التوافق بين المدنيين والعسكريين. هذا ليس نموذجًا دستوريًا مثاليًا، ولا ينبغي تمجيده، لكنه منح الدولة درجة من الوضوح العملياتي في مجالات الأمن والدبلوماسية والاقتصاد، كانت تفتقر إليها في كثير من الأحيان.
تصريحات منير العلنية بشأن الجهاد، التي شددت على أن سلطة إعلانه تعود حصريًا إلى الدولة وليس إلى الجماعات الخاصة، يجب فهمها في هذا السياق. تكمن أهميتها ليس في شخص الجنرال نفسه، بل في جهد أوسع من الدولة لاستعادة السيطرة على الدين والحرب والأمن القومي. غالبًا ما يتحدث منير بلغة دينية ويستشهد بأفكار قرآنية، لكن هذا تحديدًا ما يجعل التمييز مهمًا. فهو لا يرفض الدين كقيمة أخلاقية عامة، بل يبدو أنه يقاوم استيلاء الجماعات غير الحكومية أو الحركات الطائفية أو رجال الدين عليه.
إصراره على سيادة الدولة في مسائل الجهاد يعكس مبدأً حاسمًا: لا يمكن اختزال الجهاد إلى شعار أو مشروع ميليشياوي أو أداة عاطفية بيد فاعلين دينيين نصّبوا أنفسهم أوصياء على الآخرين. في تجربة باكستان، كلما انهار هذا التمييز، لم تكن النتيجة تحررًا أو كرامة، بل عنفًا واضطرابًا داخليًا وسفك دماء.
وهذا مهم لأن باكستان تظل مجتمعًا متدينًا بعمق. وقد استمد جيشها ومجتمعها كثيرًا من الطاقة الأخلاقية من لغة الجهاد والتضحية والدفاع عن الأمة. لم يكن التحدي هو محو الشعور الديني من الحياة الوطنية، بل ضبطه وتأطيره دستوريًا، بحيث تخدم العاطفة الأخلاقية مسؤولية الدولة بدل المغامرة المسلحة. وينطبق المبدأ ذاته على علاقة باكستان الدفاعية مع السعودية. فبالنسبة لكثير من الباكستانيين، يحمل الدفاع عن الأماكن المقدسة في مكة والمدينة أهمية دينية طبيعية. لكن إذا ما تم الاضطلاع بهذه المسؤولية، فإنها تكون ضمن سياسة الدولة الرسمية والتزاماتها الدفاعية، لا عبر ميليشيات خاصة.
هذا ليس دفاعًا عن الحكم العسكري، بل دعوة إلى تماسك الدولة. لا تزال المؤسسات الديمقراطية في باكستان بحاجة إلى تعزيز. لكن في لحظات الأزمات، تحتاج الدول إلى القدرة على الفعل، والتحدث بصوت موحد نسبيًا، ومنع القوى الأيديولوجية من جرّ السياسات الوطنية إلى الفوضى.
تمثل إيران المسار المعاكس. فمنذ عام 1979، تعاملت إيران في كثير من الأحيان مع سياستها الخارجية ليس فقط كمسألة أمن قومي، بل كمهمة ثورية ودينية. وتحولت صراعاتها إلى جزء من صراع حضاري أوسع. وقدمت الجمهورية الإسلامية نفسها كطليعة للمقاومة، ومدافعة عن المستضعفين، ومركزًا لمشروع أيديولوجي يمتد إلى ما وراء حدودها.
لفترة من الزمن، حققت هذه الاستراتيجية نفوذًا. فقد بنت إيران شبكات عبر لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها، وطورت ميليشيات وحلفاء أيديولوجيين. لكنها في الوقت نفسه خلقت خوفًا واسعًا في المنطقة. وبدأت الدول العربية تنظر إلى إيران ليس فقط كجار، بل كقوة ثورية تسعى إلى اختراق مجتمعاتها وإعادة تشكيل نظامها السياسي.
وكان لهذا الخوف تبعات. فقد عمّقت دول الخليج علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة. وأصبح الوجود العسكري الغربي في المنطقة، بالنسبة لكثير من الحكومات، ليس مجرد فرض خارجي بل ضرورة داخلية. هذا لا يبرئ واشنطن أو القوى الكبرى الأخرى من النفاق أو التدخل، لكنه يعقّد الرواية التقليدية: فقد استمر النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط جزئيًا لأن دول المنطقة، التي شعرت بالتهديد من إيران الثورية ووكلائها، سعت إلى حماية خارجية.
بودكاست إحاطة إيران من MBN
حوارات معمّقة مع خبراء تستعرض أحدث التطورات في إيران وتداعياتها على الأمن وأسواق الطاقة والجغرافيا السياسية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.
وهذا أحد أكبر الإخفاقات الاستراتيجية لإيران. فمحاولتها إخراج الولايات المتحدة من المنطقة عبر المواجهة الأيديولوجية ساهمت في خلق ظروف جعلت العديد من جيرانها يشعرون بأنهم بحاجة أكبر إلى أميركا.
الإخفاق الثاني لإيران كان الخلط بين التحدي والاستراتيجية. فقد وفرت شعارات مثل “الموت لأميركا” و“الموت لإسرائيل” وضوحًا عاطفيًا ومفردات بطولية. لكن الشعارات لا تغيّر ميزان القوى، ولا تبني اقتصادًا حديثًا، ولا تصلح المؤسسات، ولا تطور التكنولوجيا، ولا تحمي العملة. وبعد ما يقرب من نصف قرن، لم تختفِ أميركا، ولم تختفِ إسرائيل. أما إيران، فقد عانت من العقوبات والعزلة والقمع والضغوط الاقتصادية والهشاشة.
سجل باكستان ليس خاليًا من العيوب. فقد استخدمت هي أيضًا الدين سياسيًا، وارتكبت أخطاء جسيمة في أفغانستان، وعانت من هيمنة عسكرية وضعف المؤسسات المدنية وتجاوزات استراتيجية. لكن الفارق الجوهري هو أن باكستان لم تُضفِ طابعاً مقدساً بالكامل على صراعها مع العالم. لم تحوّل سياستها الخارجية إلى عقيدة قائمة على المواجهة الدائمة. بل بقيت، وإن بصورة مرتبكة أحياناً، ضمن إطار النظام الدولي.
فّرت هذه الواقعية لباكستان القدرة على موازنة مصالحها الأمنية مع متطلبات الدبلوماسية. فقد طورت برنامجها النووي في ظل ضغوط هائلة عبر استراتيجية هادئة وطويلة الأمد تقودها الدولة، لا من خلال شعارات ثورية، ما أتاح لها امتلاك قوة ردع رغم قيودها الاقتصادية. كما حافظت على علاقاتها مع الصين من دون خسارة صلاتها بالولايات المتحدة، وبنت علاقات قوية مع السعودية والخليج مع إبقاء قنواتها مفتوحة مع إيران. ورغم انتقادها للسياسات الغربية أحياناً، فإنها لم تجعل من معاداة الغرب محور سياستها الخارجية.
لهذا تستطيع باكستان الآن أن تلعب دورًا لا تستطيع إيران لعبه. فإيران تستطيع حشد الحلفاء وأن تهدد بالرد. أما باكستان، فيمكنها استضافة المحادثات. تستطيع إيران أن تُجسّد المقاومة، بينما تستطيع باكستان أن تتحدث، وإن بشكل غير كامل، إلى عواصم متعددة. وفي السياسة الدولية، هذا شكل من أشكال القوة.
الدرس الأعمق ليس أن باكستان نجحت حيث فشلت إيران. فأزمات باكستان من العمق بمكان لا يتيح لها الإحساس بالانتصار. الدرس أكثر تواضعًا وأهمية: الدول تبقى عبر فهم حدودها. تُكتسب الكرامة ليس بالصراخ في وجه الواقع، بل بالتفاوض معه. وتحمي الدول شعوبها ليس بتحويل كل صراع إلى ساحة مقدسة، بل بمعرفة متى تقاتل، ومتى تفاوض، ومتى تحافظ على مساحة للغد.
مأساة إيران أنها تمتلك إرث حضارة عظيمة، وشعبًا متعلمًا، وعمقًا استراتيجيًا هائلًا، لكنها أخضعت هذه الأصول كثيرًا لأساطير ثورية. أما فرصة باكستان، فهي أن تجربتها المؤلمة مع التطرف ربما علمتها درسًا مختلفًا: أن الإيمان لا يمكن أن يحل محل إدارة الدولة، وأن العاطفة لا يمكن أن تحل محل القوة.
إذا كانت باكستان حكيمة، فلن تتعامل مع أهميتها الدبلوماسية الجديدة كمدعاة للغرور، بل كاختبار. فلديها الآن فرصة لإثبات أن دولة ذات أغلبية مسلمة، واعية بدينها وتاريخها، يمكنها أن تتصرف بواقعية وضبط وذكاء دبلوماسي.
هذا هو الدرس الذي تحتاجه المنطقة، وليس حربًا مقدسة أخرى، ولا شعارًا بطوليًا آخر، ولا وهم انتصار حضاري. لقد شهد الشرق الأوسط ما يكفي من ذلك. ما يحتاجه الآن هو دول قادرة على التحدث عبر الانقسامات، وكبح المبالغات الأيديولوجية، وتحويل موقعها الاستراتيجي إلى سلام.
ولعل باكستان، هذه المرة، في موقع يمكّنها من القيام بذلك تمامًا.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

محمد حسان إلياس
محمد حسن إلياس هو مدير الأبحاث في مركز "غامدي" (Ghamidi Center) في دالاس، تكساس.


