أنا وصديقتي رُبى نعرف بعضنا منذ الطفولة. تشاركنا مقاعد الدراسة، والأسرار، وانكسارات القلب، وتلك الألفة الغريبة التي لا تنشأ إلا بين أشخاص شهد كلٌّ منهم نسخًا متعددة من الآخر وهو يكبر ويتبدل. ولسنوات طويلة، كنت أرى اختلافاتنا السياسية شيئًا يكاد يكون ساحرًا، دليلًا حيًا على أن اللبنانيين قادرون على «الاتفاق على الاختلاف»، كما تقول العبارة المأثورة. كنا نتحاور بحرارة، ونتبادل نظرات التبرم أحيانًا، ثم نطلب كأسًا أخرى من النبيذ ونمضي في حديثنا. كانت الصداقة، في ظني، أوسع من الأيديولوجيا.
أو هكذا كنت أعتقد.
غيّرت الحرب الأخيرة شيئًا في داخلي. لا لأن رُبى أصبحت شخصًا آخر، بل على العكس تمامًا. المشكلة أنها بقيت كما كانت دائمًا، بينما كنت أنا من تبدّل. لم أعد قادرة على مواصلة التسامح ذاته مع تراكم التناقضات في مواقفها، ولا على تقبّل دفاعها عن أحدث مغامرات حزب الله، رغم ما جرّته من نتائج كارثية.
على مدى السنوات الماضية، راقبت كثيرين يشبهون رُبى يحتلون موقعًا غريبًا داخل ما تبقى من اليسار اللبناني. أناسًا أذكياء، متعلمين، مثقفين، وغالبًا ما يكونون صادقين أيضًا. لكنهم يبدون، شيئًا فشيئًا، منفصلين عن المبادئ نفسها التي يعلنون الدفاع عنها. وما أنهكني في النهاية لم يكن تناقضًا عابرًا، بل رؤية من يصفون أنفسهم بأنهم تقدميون علمانيون يعودون مرة أخرى إلى الاصطفاف خلف حزب الله، في لحظة كان الدمار المحيط بنا يستدعي الحد الأدنى من النزاهة السياسية، والشجاعة اللازمة للقول: هذه المرة، على الأقل، لقد أخطأتم خطأً كارثيًا.
جادلت رُبى في هذا الأمر سنوات طويلة. ولم يتوقف الأمر عن إدهاشي: كيف لحركةٍ طالما ادّعت الدفاع عن العلمانية، وحرية الفكر، والحريات الفردية، والمساواة بين الجنسين، والتعددية الديمقراطية، ومقاومة البنى السلطوية، أن تجد دائمًا أعذارًا لحزب ديني مسلح تتناقض رؤيته للعالم بصورة مباشرة مع معظم هذه القيم؟
الجواب، في الغالب، يكون كلمة واحدة: فلسطين.
ظلّ دعم القضية الفلسطينية، لعقود طويلة، في صميم الوعي الأخلاقي والسياسي لليسار العربي، وهذا أمر طبيعي. فالقضية الفلسطينية تمثل واحدة من أعظم المظالم في عصرنا، ولا يشترط أن يكون الإنسان يساريًا حتى يعترف بهذه الحقيقة.
فلسطين بوصفها الحجة المقدسة
أما ما يصعب فهمه حقًا، فهو الكيفية التي تحولت بها التضامن مع الفلسطينيين تدريجيًا إلى آلية تسمح بتجاهل أخطاء فادحة، بل وبالتغاضي عنها أحيانًا. ففي مرحلة ما، توقف جزء كبير من اليسار اللبناني عن النظر إلى فلسطين بوصفها قضية عادلة، وبدأ يتعامل معها بوصفها حجة مقدسة ينبغي الركوع أمامها.
وكانت النتائج مدمرة.
فالأسئلة التي تُعد مشروعة في أي نقاش سياسي باتت فجأة موضع شبهة. والنقد أصبح خيانة. والاعتراض صار تآمرًا. أما التعقيد، فتحول إلى تعاون مع العدو.
حدث انقلاب غريب: أولئك الذين طالما تباهوا بامتلاك العقل النقدي صاروا يطالبون بالطاعة الفكرية. والذين كانوا ينددون، بحق، بتدخل رجال الدين في السياسة، اكتشفوا فجأة احتياطيات لا تنضب من التبريرات والمرونة عندما صار النفوذ الديني يخدم قضية جيوسياسية يؤيدونها.
وغالبًا ما يسير المنطق على النحو نفسه: نعم، حزب الله حزب شديد التدين. نعم، يحمل نزعة سلطوية. نعم، يمتلك جهازًا عسكريًا يعمل خارج مؤسسات الدولة. نعم، يرتبط بقوة إقليمية تسعى وراء مصالحها الجيوسياسية الخاصة. ونعم، يمارس أشكالًا من السيطرة السياسية والاجتماعية تتعارض جذريًا مع قيم الديمقراطية العلمانية.
ولكن…
إنه يدعم فلسطين. ولديّ، على الأقل، اعتراضان على هذا المنطق.
الأول: منذ متى كانت صحة موقف واحد كافية لإلغاء كل الأسئلة الأخرى؟ ومتى تحوّل دعم الفلسطينيين إلى قوة سحرية تجعل المحافظة الدينية تقدمية، والبنى السلطوية حركات تحرر، والنفوذ الإيراني شكلًا من أشكال مقاومة الإمبريالية؟
أما الاعتراض الثاني فهو أكثر بساطة وربما أكثر إلحاحًا: كيف، تحديدًا، ساعد حزب الله الفلسطينيين؟
هل عبر دعمه نظام الأسد بينما كان يقتل السوريين؟ أم عبر خوض حرب أخرى في اليمن؟ أم عبر تهجير مئات آلاف اللبنانيين من الجنوب؟ أم عبر ترسيخ محور إقليمي أثبتت أولوياته، مرة بعد أخرى، أنها جيوسياسية أكثر منها فلسطينية؟ كيف قرّب أيٌّ من ذلك القدس؟ وكيف أنقذ غزة من الدمار؟
المفارقة هنا تكاد تكون مذهلة. فمن الصعب ألا نستنتج أن ما يجري الدفاع عنه ليس المبدأ، بل الولاء. فالموقف الحقيقي المناهض للاستبداد لا ينبغي أن يتغير تبعًا لهوية المستبد. والموقف الحقيقي الرافض للنفوذ الخارجي لا ينبغي أن يتبدل بحسب هوية القوة المتدخلة.
ولطالما حيّرني أن أسمع بعض اليساريين اللبنانيين يتحدثون بحماسة ضد النفوذ الأميركي، ثم يصيبهم ارتباك غريب كلما ذُكر النفوذ الإيراني. فالمبدأ يبدو شديد الوضوح حين يُطبَّق على إمبراطورية، لكنه يصبح معقدًا بصورة مدهشة حين يتعلق بأخرى.
والنتيجة هي مشهد سياسي مرتبك، ينفق فيه من يفترض أنهم مفكرون راديكاليون طاقة هائلة في التنديد بالهيمنة القادمة من واشنطن، بينما يُظهرون عزوفًا يكاد يكون صوفيًا عن مناقشة الهيمنة القادمة من طهران.
ومع ذلك، تبقى الهيمنة هي الهيمنة، مهما اختلفت اللغة التي تتحدث بها. ويبقى الخضوع خضوعًا، مهما كان العلم الذي يسير تحته. ويبقى الارتهان ارتهانًا، مهما تكن الجهة التي تموله.
كيف يصبح القمع غير مرئي
هذه الظاهرة ليست لبنانية خالصة. ففي قطاعات واسعة من اليسار العالمي، تحوّلت معارضة النفوذ الغربي تدريجيًا إلى العدسة الأخلاقية الوحيدة التي يُنظر من خلالها إلى العالم. وعندما يحدث ذلك، تصبح أشكال كاملة من الاضطهاد غير مرئية.
فالديكتاتورية تكفّ عن أن تكون ديكتاتورية إذا كانت تناصب واشنطن العداء. وانتهاكات حقوق الإنسان تصبح مجرد تفاصيل مؤسفة. والسلطوية الدينية تتحول إلى خصوصية ثقافية ينبغي تفهمها. وعدوّ عدوي يصبح صديقي. ثم حليفي. ثم مبرري. ثم، في نهاية المطاف، نقطتي العمياء.
في لحظة ما، لم يعد السؤال: من يمارس السلطة؟ بل أصبح: أيُّ طرف يمارسها؟ ويبدو أن اليسار اللبناني أعاد إنتاج، بدرجة تكاد تكون كاملة، كثيرًا من العلل التي أصابت اليسار في أنحاء واسعة من العالم.
لبنان ينهار. الدولة بالكاد تؤدي وظائفها. المؤسسات العامة تتفكك. أجيال كاملة تغادر البلاد. عائلات تبيع حليّها لتبقى على قيد الحياة.
ومع ذلك، ينخرط اليسار اللبناني في خطاب سياسي يبدو وكأنه مستورد مباشرة من الحروب الثقافية الدائرة في الجامعات الأميركية، كما لو أن بيروت ليست سوى فرع جامعي تابع لبروكلين. إذا بدا كلامي قاسيًا، فلأن خيبة الأمل دائمًا أشد مرارة من الخصومة.
أنا لا أنتظر اتساق المواقف والآراء من اليمين اللبناني.
فاليمين، هنا كما في أماكن أخرى، لم يخفِ تناقضاته يومًا. نادرًا ما ادعى امتلاك رؤية أخلاقية كونية. وانعكاساته الطائفية والعنصرية، وأحكامه الطبقية المسبقة، وذاكرته الانتقائية، ونزعاته المتكررة نحو السلطوية، ليست سرا على أحد. أما اليسار، فهو مختلف. أو هكذا يُفترض أن يكون.
فمن تقليد سياسي بنى هويته على النقد، ومساءلة الذات، والصرامة الفكرية، ورفض الدوغمائية، يحق للمرء أن ينتظر أكثر. ومن أشخاص يصرّون على تقديم أنفسهم بوصفهم حرّاس التعقيد والدقة الفكرية، يحق للمرء أن يطالب بمستوى أعلى من النزاهة. وثمة تناقض آخر يبعث في نفسي قدرًا كبيرًا من القلق. فكثير من المتحمسين لليسار اللبناني ينتمون إلى طبقات اجتماعية محمية إلى حد بعيد من النتائج الفعلية لتمجيد الثورات التي انتهت إلى الفشل.
ورُبى، على سبيل المثال لا الحصر، تنتمي إلى عائلة ميسورة. تلقت تعليمًا ممتازًا في الجامعة الأميركية في بيروت، وسافرت كثيرًا، وتتحدث لغة الامتياز الاجتماعي بطلاقة كاملة، وحظيت بفرص لا يستطيع معظم اللبنانيين إلا أن يحلموا بها. ولا عيب في شيء من ذلك، بالطبع. فالامتياز ليس إنجازًا شخصيًا، كما أن الفقر ليس خطيئة. لكن المشكلة تبدأ حين يتنكر الامتياز في هيئة تمرد. حين يبدأ الرفاه بالتحدث باسم المعاناة.
وحين تصبح الهوية السياسية أقل ارتباطًا بفهم الواقع، وأكثر ارتباطًا بأداء الفضيلة أمام الآخرين. بل إن بعض أكثر أشكال الخطاب السياسي استعلاءً تنبع تحديدًا من هذا الموقع.
فالفقراء يتحولون إلى رموز.
والعمال إلى أفكار مجردة.
ومجتمعات بأكملها تصبح مجرد ديكور في مسرحية يبقى بطلها الحقيقي هو الناشط المتنور.
وفي كثير من الأحيان، يبدو الأشخاص الذين يُقال إنهم موضع الدفاع أقل حضورًا بكثير من أولئك الذين يتولون الدفاع عنهم. أما الطبقات العاملة الحقيقية في لبنان، فقد غدت غائبة بصورة لافتة عن حركة ادعت تاريخيًا أنها تمثلها.
النادل الذي يقدم المشروبات.
ومعلمة المدرسة الرسمية.
والممرضة التي تعمل مناوبتين متتاليتين.
وسائق التاكسي الذي يحاول النجاة وسط انهيار الأجور.
والموظف المتقاعد الذي يشاهد مدخرات عمره تتبخر أمام عينيه.
الجميع يتحدث باسم هؤلاء. وقليلون جدًا من يكلفون أنفسهم عناء الإصغاء إليهم.
السياسة بوصفها علامة تجارية شخصية
بعض تجليات اليسار اللبناني المعاصر تبدو أقرب إلى أنماط حياة منها إلى حركات سياسية. فإذا أمضيت وقتًا كافيًا في بعض الأوساط، ستلاحظ كيف أصبحت الهويات السياسية تُبنى، على نحو متزايد، حول الشكل أكثر من المضمون. صار للسياسة زيّها الخاص، وموسيقاها الخاصة، ومفرداتها الخاصة، وجغرافيتها الاجتماعية الخاصة.
والصورة مألوفة على الفور: كوفية على الكتف. حقيبة قماشية. جعة مصنّعة محليا. وبساطة مصقولة بعناية. وتدور النقاشات بلا انقطاع حول إنهاء الاستعمار، والتقاطعية، والنيوليبرالية، والنظام الأبوي، والرأسمالية؛ كمٌّ من المصطلحات السياسية يكفي لملء أطروحة دكتوراه كاملة.
ويبدو الجميع وكأنهم يعيشون ثورة دائمة… لا تصل إلى منتهاها أبدًا.
ومع ذلك، يصعب تجاهل ذلك الشعور الخفي بالذنب الكامن تحت الخطاب، كأن النضال السياسي أصبح وسيلة لتطهير الذات من امتيازات موروثة. لكن الذنب ليس برنامجًا سياسيًا. وجلْد الذات ليس تضامنًا. كان اليسار القديم يريد تغيير العالم. أما اليسار الجديد، فيبدو أحيانًا مكتفيًا بصناعة شخصية عامة متقنة. كان اليسار القديم يُنتج مفكرين. أما اليسار الجديد، فينتج، على نحو متزايد، مدعين عامين أخلاقيين.
ليس أشخاصًا يبحثون عن الفهم، بل أشخاصًا يوزعون شهادات التفوق الأخلاقي. لقد كاد يتوقف عن سؤال: كيف تعمل السلطة؟ وأصبح يسأل بدلًا من ذلك: أي الهويات تمتلك السلطة الأخلاقية الأكبر؟ وهكذا تحولت السياسة تدريجيًا إلى منافسة على الضحية الأكبر. وصارت المعاناة عملة اجتماعية.
أن تكون يساريًا اليوم يبدو، في كثير من الأحيان، أقل شبهًا بالانتماء إلى تقليد سياسي، وأكثر شبهًا بالانتماء إلى طائفة مغلقة. لم يعد السؤال ما إذا كانت الفكرة مقنعة. بل ما إذا كانت تثبت انتماء صاحبها إلى الجماعة. وتتحول الهوية السياسية إلى علامة تجارية اجتماعية. والأسوأ من ذلك كله أن مساءلة أي من هذه المسلمات تكاد تصبح مستحيلة.
فكل سؤال يُفسر على أنه هجوم.
وكل مساحة رمادية تُعد خيانة.
وكل محاولة لتعقيد السردية تُستقبل بوصفها محاولة لهدمها.
ولهذا أجد نفسي أعود، مرة بعد أخرى، إلى رُبى.
ما استنزفني حقًا خلال الحرب لم يكن خلافًا سياسيًا.
بل استحالة الحوار بشكل لافت.
في لحظة ما، أدركت أن ما يفصل بيننا لم يعد مجرد اختلاف في الرأي. بل علاقة مختلفة تمامًا مع الشك نفسه. فالشك واحد من أنبل الأدوات وأكثرها ضرورة مما يملكه الإنسان.
ليس التشاؤم.
ولا النسبية المطلقة.
ولا التردد.
بل الشك بمعناه الحقيقي: الاستعداد لمساءلة يقينك الشخصي بالصرامة نفسها التي تمارسها على يقين خصومك. والاستعداد للبقاء هشًا فكريًا. والاستعداد لاكتشاف أنك ربما كنت مخطئًا. فمن دون تلك الهشاشة، تتحول السياسة إلى لاهوت. وأهم من ذلك كله، أؤمن بأن أي قضية، مهما بلغت عدالتها، لا ينبغي أن تُعفى من المساءلة. فحين يصبح أي تيار سياسي عاجزًا عن نقد ذاته، لا يعود مهمًا إن كان يساريًا أو يمينيًا، ثوريًا أو وطنيًا، مقاومًا أو تقدميًا، دينيًا أو علمانيًا، قوميًا أو أمميًا.
في تلك اللحظة، يتوقف عن أن يكون بحثًا عن الحقيقة. ويتحول إلى قبيلة. والقبائل، على عكس الأفكار، لا تسأل إن كانت على حق. إنها تسأل فقط: من ينتمي إليها؟
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).