واشنطن العاصمة 02:35 PM

بناء الجيش السوري.. قوة دفاعية أم تهديد لإسرائيل؟

الرئيس السوري يجعل إعادة بناء القوات المسلحة أولوية له. فهل يسعى فقط إلى إحكام قبضته الأمنية في الداخل، أم يعمل على تطوير تهديد عسكري جديد لإسرائيل؟

اقرأ بـ English
· 6 دقيقة قراءة
Syrian President Ahmed al-Sharaa speaks during the opening ceremony of the Damascus International Fair in Damascus, Syria, August 26, 2026. REUTERS/Khalil Ashawi
Syrian President Ahmed al-Sharaa speaks during the opening ceremony of the Damascus International Fair in Damascus, Syria, August 26, 2026. REUTERS/Khalil Ashawi

يعمل الرئيس السوري أحمد الشرع علنا على إعادة بناء جيش بلاده. ويرى محللون أن هذه الخطوة تندرج في نمط مألوف في تاريخ سوريا، إذ يسعى القادة الذين يصلون إلى السلطة بالقوة إلى ضمان ولاء الضباط وترسيخ نفوذهم داخل المؤسسة العسكرية. غير أن هذه الجهود أثارت مخاوف في إسرائيل من ظهور تهديد عسكري جديد، وهو ما دفعها إلى تنفيذ عمليات عسكرية عديدة في الأشهر الأخيرة.

خصصت سوريا نحو 4.3 مليارات دولار للدفاع والأمن في موازنة عام 2026، أي ما يعادل نحو 41 في المئة من إجمالي موازنتها البالغة 10.5 مليارات دولار. وكانت البلاد قد أنفقت نحو 3.45 مليارات دولار على موازنة الحكومة بأكملها في عام 2025.

وتأتي مرتفعات الجولان في صدارة مصادر القلق الإسرائيلي. فهذه المنطقة الجبلية الاستراتيجية تحتلها إسرائيل وتديرها منذ عام 1967. ويعتبر غالبية المجتمع الدولي الجولان أرضا سورية واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعترف، خلال ولايته الأولى، بسيادة إسرائيل عليها. وفي حديث إلى المجلس الأطلسي قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، روى الشرع كيف جلس إلى جانب ترامب، وقال له مازحا إنه بدلا من منح إسرائيل مرتفعات الجولان، كان عليه أن يمنحها شيئا تملكه الولايات المتحدة بالفعل، مثل ولاية نيوجيرسي.

وقال الشرع في اليوم التالي، خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: “سيبقى الجولان أرضا سورية”. أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فردّ على الشرع من نفس المنصة قائلا: “لقد عاش اليهود في مرتفعات الجولان منذ أيام موسى”.

وأبدت إسرائيل أيضا قلقا أكبر بشأن نفوذ تركيا داخل حكومة الشرع ودورها في تنامي القدرات العسكرية السورية. ففي منتصف أغسطس، شنّت طائرات إسرائيلية غارات على قاعدة أبو الظهور الجوية شمالي سوريا، عقب ورود معلومات استخباراتية تفيد بأن تركيا تعتزم إنشاء محطة رادار في الموقع. وشكّل الهجوم استعراضا واضحا لحرية الحركة التي تتمتع بها إسرائيل في أجواء جارتها الواقعة إلى الشمال الشرقي.

وفي هذا السياق، يختلف المحللون بشأن ما إذا كانت إعادة الشرع بناء الجيش السوري تهدف أساسا إلى استعادة سيطرة الدولة بعد حرب أهلية مدمرة، أم أنها تمهد لتبني نهج أكثر تشددا في مواجهة الخصوم الخارجيين، بمن فيهم إسرائيل.

جيش في مرحلة انتقالية

منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، عمل الشرع وحكومته الانتقالية على النأي بسوريا عن ماضيها وإظهار توجه جديد للبلاد. وأسهمت هذه الجهود في تمهيد الطريق أمام الولايات المتحدة لرفع العقوبات المفروضة عليها، وشطب هيئة تحرير الشام، الجماعة المسلحة التي كان الشرع يقودها والتي حُلّت الآن، من قائمة التنظيمات الإرهابية المصنفة لديها، ثم رفع سوريا، في أحدث خطوة، من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

لكن انتزاع القبول الدولي ليس سوى جزء من مساعي الشرع لإعادة بناء سوريا. فهناك مهمة أخرى أكثر صعوبة، تتمثل في تحويل مجموعة متباينة من الفصائل المتمردة السابقة إلى قوة موحدة قادرة على بسط سيطرة الدولة وحمايتها.

وقد أثارت مساعي سوريا لتقوية جيشها، مخاوف أمنية في إسرائيل. ولا يقتصر اهتمام المسؤولين الإسرائيليين على هوية الشرع في الوقت الراهن، بل يمتد إلى ما قد تصبح عليه سوريا إذا امتلكت قدرات أكبر. ويستند هؤلاء، ضمن أسباب أخرى تدعو إلى الحذر، إلى ماضي الرئيس في التنظيمات المسلحة وإلى تمركز قوات معادية بالقرب من الحدود الإسرائيلية.

ما الذي يقلق إسرائيل؟

تقول دانا بولاك، الباحثة في مركز ألما للأبحاث والتعليم، وهو مركز إسرائيلي غير ربحي يركز على القضايا الأمنية في شمال إسرائيل إن “قلق إسرائيل لا ينبع من مجرد حقيقة أن سوريا تعيد بناء جيشها، بل من طبيعة القوة التي يجري تشكيلها”.

وأشارت بولاك إلى أن هيكل القيادة العليا لا يزال يضم أعضاء سابقين في هيئة تحرير الشام وآخرين من خلفيات جهادية، فضلا عن الدور المتنامي الذي تضطلع به تركيا في تدريب القوات وتجهيزها.

وقالت إن بناء قوات لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، وتأمين الحدود، واستعادة سيطرة الدولة، “جزء طبيعي من إعادة بناء دولة قادرة على أداء وظائفها”. لكنها أوضحت أن الصورة ستتغير إذا سعت سوريا إلى امتلاك قدرات تتجاوز احتياجات الأمن الداخلي، مثل أنظمة الدفاع الجوي المتطورة، والصواريخ بعيدة المدى، والطائرات المسيّرة الهجومية، والمدفعية الثقيلة.

وأعربت بولاك أيضا عن قلقها إزاء تعزيز سوريا قواتها في مناطق قريبة من إسرائيل ومرتفعات الجولان. وقالت: “إن الحشد العسكري في درعا والقنيطرة يختلف عن الحشد العسكري في شرق سوريا”.

أما بشأن نوايا سوريا، فقالت الباحثة إنها لا تزال غير واضحة. ففي المدى القريب، تتمثل مهمة الجيش في “تحقيق الاستقرار في سوريا، وإرساء سيطرة الحكومة المركزية، ومواجهة الجماعات المسلحة”. وأضافت أن الشرع يحتاج حاليا إلى الشرعية الدولية، ولديه كل المصلحة في تجنب المواجهة.

لكن بولاك قالت إن إسرائيل تعلمت، منذ السابع من أكتوبر، ألا تعتمد حصرا على تقديرات نوايا خصومها. وأوضحت أن القدرات العسكرية هي ما يمكن تتبعه وقياسه، وهي “أحد أهم المؤشرات لفهم المسار الذي قد تسلكه سوريا في المستقبل”.

نمط مألوف

قال جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، إن هذه المخاوف في غير محلها في الوقت الراهن.

وأضاف: “إن الميل إلى تفسير البناء السريع للجيش باعتباره دليلا على طموحات خارجية ينطوي على سوء فهم لما مثّلته عمليات التطوير هذه عادة في التاريخ السياسي السوري”.

وأوضح لانديس أن القادة الذين يصلون إلى السلطة بالقوة يعطون الأولوية لكسب ولاء الضباط، باعتباره “خطوة أولى في إدارة الحكم، لا تمهيدا للحرب”. واستشهد في ذلك بالزعيم العسكري السوري حسني الزعيم، عقب انقلابه عام 1949، وبحافظ الأسد بعد وصوله إلى السلطة عام 1970.

وقال المحلل إن الطموح الذي يعلنه الشرع، والمتمثل في إنهاء الوجود العسكري الأجنبي واستعادة السيادة السورية على القواعد العسكرية، يعكس دوافع داخلية أكثر مما يعكس توجها خارجيا.

وبصرف النظر عن النوايا، يرى لانديس أن سوريا لا تمتلك أي قدرة على تهديد إسرائيل. وقال إن البلاد أثبتت أنها “عاجزة عن الدفاع عن نفسها، سواء في مواجهة التوغلات الإسرائيلية المتواصلة أو الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية”.

معضلة التسلح

قال لانديس إن الشرع يواجه، في مسعاه إلى إعادة بناء الجيش، مشكلة واجهت كل رئيس سوري منذ قيام إسرائيل، وهي أن “القوى الغربية لن تبيع سوريا أنظمة عسكرية متطورة يمكن استخدامها ضد إسرائيل”.

وهذا يترك أمام الرئيس السوري خيار اللجوء إلى قوى أقل نفوذا، وفي مقدمتها تركيا في الوقت الراهن، إذ يتجنب الشرع، “لأسباب واضحة”، التعامل مع روسيا التي دعمت الأسد وتستضيفه الآن.

ويتوقع لانديس أن تواصل إسرائيل استهداف المواقع العسكرية السورية، في إطار ما يُعرف باستراتيجية “جز العشب”، بهدف إبقاء الجيش السوري ضعيفا وإبطاء عمليات إعادة إمداده بالأسلحة والمعدات التركية.

وكثفت إسرائيل أنشطتها العسكرية في سوريا خلال الأشهر الماضية، من خلال عمليات توغل في المنطقة الحدودية وقصف الأراضي الزراعية بالمدفعية، وهي عمليات أدانتها دمشق في كل مرة.

ويرى لانديس أن الشرع يجد نفسه محاصرا في هذه المسألة. فإدانة الضربات الإسرائيلية أمر ضروري، لكن القيام بذلك قد يفتح الباب أمام مزيد منها. وقال: “إذا اضطرت الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى الاختيار بين إسرائيل وسوريا، فإنها ستختار إسرائيل”. وأضاف أن ترامب لن يدعم الشرع “إلا ما دامت سوريا تبدي خضوعا لموقف إسرائيل وتقبل بسيادتها على الجولان”. وبالنسبة إلى لانديس، لا تزال سوريا دولة منشغلة بتأمين مقومات بقائها الأساسية أكثر من انشغالها بالمواجهة. أما بولاك، فترى أن “النوايا يمكن أن تتغير بوتيرة أسرع من تغير القدرات”.

ولا يتعارض الرأيان بالضرورة تعارضا كاملا؛ فالجيش الذي يُبنى في البداية لحماية دولة هشة وترسيخ سلطتها قد يُكلَّف، مع مرور الوقت، بمهام أخرى.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة