كشف الهجوم الحوثي الأخير على مطار الملك خالد الدولي في الرياض عن تحديات تواجه الدفاعات الجوية السعودية، رغم امتلاك المملكة منظومات عسكرية متطورة.
وبينما تحقق السلطات في أسباب عدم رصد الهجوم مبكرا، يشير خبراء إلى عوامل عدة قد تفسر وصول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أهدافها.
وفي تصريح يعكس تأثير تلك التطورات، قال وزير الطاقة السعودي، عبد العزيز بن سلمان، الاثنين، خلال مؤتمر البترول العالمي في الرياض: “إن أحداث الأسابيع الأخيرة خطيرة، ويجب أن يكون ردنا عليها بنفس القدر من الجدية”.
وأظهرت تحقيقات سعودية أولية، وفقا لما نقلته وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين إقليميين، أن الحوثيين أطلقوا طائرات مسيرة قبل استخدام مزيج من صواريخ كروز وصواريخ باليستية باتجاه مطار الملك خالد الدولي، السبت الماضي، في هجوم دام، أسفر عن مقتل 12 شخصا.
وهذا الأسلوب، إذا تأكدت تفاصيله، يعني أن الهدف لم يكن مجرد إطلاق مقذوفات باتجاه منشأة محددة، بل ممارسة ضغط متزامن على منظومة الرصد والاعتراض، وتشتيت انتباهها، وتقليص الوقت المتاح للتعامل مع التهديدات الأكثر خطورة.
وفي تصريحات لـ”الحرة”، توضح أليسون ماينر، مديرة مشروع التكامل في الشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي، أن الحوثيين طوروا تكتيكات تهدف إلى إرهاق الدفاعات السعودية باستخدام موجات مكثفة من الطائرات المسيرة تسبق الهجمات الصاروخية.
وبات الجمع بين الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة بعيدة المدى تحديا متزايدا للمنظومات الدفاعية بشكل عام.
وتزداد صعوبة المواجهة مع اختلاف خصائص هذه الأسلحة، فصواريخ كروز تحلق على ارتفاعات منخفضة، ما يجعل اكتشافها وتتبعها أكثر تعقيدا، بينما يمكن لبعض الصواريخ الباليستية الحديثة المناورة أثناء الطيران، الأمر الذي يصعّب عملية اعتراضها، وهي قدرات طورتها جماعة الحوثي.
ووفق معهد دراسات الحرب، سبق أن استخدم الحوثيون أسلوب إغراق الدفاعات بالصواريخ من قبل في مايو 2025 ضد إسرائيل.
وفي تصريحات لـ”الحرة”، يؤكد الأكاديمي السعودي، خالد باطرفي، أنه لا توجد منظومة دفاع جوي تضمن اعتراض جميع التهديدات بنسبة 100 في المئة.
ويوضح أن الأهداف المحدودة والمنخفضة يصعب اكتشافها مبكرا بسبب محدودية الأفق الراداري والتضاريس، فيما يؤدي تزامن الهجمات وتنوعها إلى زيادة الضغط على منظومات الرصد والاعتراض.
الإنفاق لا يكفي
تثير الاختراقات الأخيرة تساؤلات أيضا عن مدى فاعلية الإنفاق العسكري السعودي، خصوصًا أن المملكة تمتلك منظومات متطورة عالية التكلفة، بينها “باتريوت” و”ثاد”، إلى جانب مقاتلات أميركية الصنع وأنظمة أسلحة أوروبية.
وبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق الدفاعي السعودي 83 مليار دولار العام الماضي، ما يضع المملكة ضمن الدول الأعلى إنفاقًا عسكريًا في العالم.
غير أن امتلاك أسلحة متقدمة لا يعني القدرة على اعتراض كل هجوم، خاصة حين تتعدد مصادر التهديد.
ويرى سالم اليامي، المستشار السابق في وزارة الخارجية السعودية في تصريحات لـ”الحرة”، أن الحوثيين يتبعون أساليب تجعل التصدي لجميع المقذوفات أمرا بالغ الصعوبة. ويشير إلى احتمال وجود عشرات، وربما مئات، من محاولات الهجوم التي تصدت لها الدفاعات السعودية ولم يُعلن عنها.
استنزاف الذخائر
ويقول محللون أيضا إن السعودية استهلكت كميات كبيرة من ذخائرها الدفاعية المتقدمة خلال التصعيد مع إيران، ما قد يضيف ضغطا على قدرتها على مواجهة هجمات متكررة ومكثفة.
وتواجه المملكة تهديدات من 3 جهات.، فمن الشرق، أطلقت إيران نحو ألف صاروخ وطائرة مسيرة نحو أهداف سعودية خلال ذروة الصراع هذا العام، وفق تقدير “سي أن أن”.
ومن الشمال، أطلقت ميليشيات مدعومة من إيران في العراق طائرات مسيرة لمهاجمة خط أنابيب النفط الحيوي الممتد من الشرق إلى الغرب في المملكة.
ومن الجنوب، يطلق الحوثيون، المدرجون على قوائم الإرهاب الأميركية، صواريخ على المملكة انطلاقا من مخابئ ومنصات إطلاق متحركة في جبال اليمن.
كما يمثل الدعم العسكري الخارجي، خاصة من إيران، أيضا عاملا هاما.
وأشار تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة، قبل نحو عامين، إلى أن “حجم وطبيعة ونطاق نقل المعدات والتقنيات العسكرية إلى الحوثيين من مصادر خارجية، بما في ذلك الدعم المالي والتدريب، كان غير مسبوق”.
ولا يستبعد اللواء الركن الطيار المتقاعد من الجيش السعودي، عبدالله غانم القحطاني، أن يكون الحوثيون حصلوا على أسلحة جديدة أو استخدموا تكتيكات مختلفة، مثل إطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة على ارتفاعات منخفضة للغاية.
اتساع رقعة التهديد
يمثل اتساع مساحة المملكة تحديًا إضافيًا أمام الدفاعات الجوية. فالسعودية تمتد على نحو 2.2 مليون كيلومتر مربع، وتضم عشرات المدن والمطارات والمنشآت النفطية والبنى التحتية الحيوية التي تتطلب الحماية.
ويشير محللون عسكريون إلى أن إنشاء مظلة دفاعية محكمة فوق دولة بهذه المساحة أمر بالغ التعقيد، حتى مع استخدام منظومات متعددة الطبقات تشمل الصواريخ الاعتراضية والطائرات المقاتلة وأجهزة الرصد المتقدمة.
وتوضح ماينر أن اتساع المملكة وكثرة منشآتها الحيوية يجعلان تأمينها أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تأتي الهجمات من اتجاهات متعددة، مثل الهجوم الذي استهدف خط أنابيب “شرق–غرب” في سبتمبر الماضي، وجاء من العراق.
ويقول القحطاني، إن السعودية ليست مدينة صغيرة يسهل تأمينها، بل دولة مترامية الأطراف تضم عددًا كبيرًا من المرافق الحيوية، كما أن تقييم كفاءة الدفاعات ينبغي أن يأخذ في الاعتبار كمية المقذوفات التي جرى اعتراضها، لا تلك التي وصلت إلى أهدافها فقط.
ويبرز تساؤل آخر يتعلق بعدم توفير إنذار مبكر كافٍ قبل بعض الهجمات.
وبحسب “أسوشيتد برس”، تتضمن التحقيقات السعودية معرفة أسباب عدم توفير أنظمة الدفاع الجوي إنذارًا مبكرًا بشأن الهجوم الذي قطعت خلاله الصواريخ والطائرات المسيّرة مسافة تجاوزت ألف كيلومتر للوصول إلى الرياض.
وقالت وكالة “رويترز” إن السلطات السعودية لم تطلق تحذيرات عامة من هجمات مرتقبة قبل سلسلة الضربات التي استهدفت مطار العاصمة، مشيرة إلى أن الحكومة لم توضح سبب غياب التحذيرات.
وقال 4 مسؤولين غربيين وعرب في المنطقة، ومحللون سياسيون للوكالة إن عدم إصدار تلك التحذيرات خلال الهجمات على المطار أثار تساؤلات بشأن مدى هشاشة الدفاعات السعودية أمام الهجمات، وقدرتها على حماية السكان والزوار.