في الثلاثين من سبتمبر الفائت، يوم اكتمال انسحاب القوات الأميركية القليلة المتبقية، احتفلت الدولة العراقية والإطار التنسيقي الحاكم، والفصائل المسلحة المتحالفة مع إيران بـ”نيل” العراق سيادته.
أعلنت الحكومة عطلة رسمية لثلاثة أيام واحتفلت المؤسسات الرسمية بهذه المناسبة التي وصفها رئيس الحكومة علي الزيدي بأنها “منجز وطني عظيم يفتخر به العراقيون جميعاً”.
وهذه هي المرة الرابعة التي تعلن فيها حكومة عراقية “نيل” السيادة، وتحتفي بالأمر رسمياً.
المرة الأولى، وهي الوحيدة الحقيقية، كانت بنهاية الاحتلال العسكري الأميركي للعراق، في 28 يونيو 2004 ونقل الحاكم المدني الأميركي بول بريمر السيادة إلى أول حكومة عراقية تشكلت بعد إطاحة نظام صدام بزعامة إياد علاوي.
طلبت هذه الحكومة من الأمم المتحدة بقاء القوات الأميركية ليس بوصفها قوة احتلال كما كانت سابقاً، بل كقوة متعددة الجنسيات يحتاج العراق مساعدتها لتحقيق الأمن، وذلك على أساس القرار الدولي رقم 1546 في يونيو 2004.
ومنذ ذلك الانتقال، أصبح للعراقيين كلمة مسموعة أكثر في إدارة بلادهم، مع نفوذ أميركي قوي ناتج من وجود أكثر من مئة ألف عسكري أميركي كانوا يحمون النظام الناشئ ويقاتلون التنظيمات الإرهابية.
تراجع هذا النفوذ على نحو مضطرد مع استتباب الأمن والانسحاب التدريجي الأميركي، وأعلنت الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي حينها، الثلاثين من يونيو 2009، يوم انسحاب القوات الأميركية من المدن العراقية إلى معسكرات خارجها “يوم السيادة الوطنية”، ونُظمت احتفالات عامة بالسيادة للمرة الثانية.
وصف المالكي هذا الانسحاب الجزئي بأنه “عيد وطني” مؤكداً فيه التطلع “لتحقيق الاستحقاق الأكبر في نهاية عام 2011، الذي سنشهد فيه الانسحاب النهائي للقوات الأجنبية من العراق”.
كان الانتهاء من ذلك الانسحاب في 31 ديسمبر من ذلك العام مناسبة ثالثة لاحتفاء رسمي عراقي بالسيادة أطلقت عليه الحكومة “يوم العراق”، ووصفه المالكي مخاطباً الجمهور المحتشد أمامه في بغداد “أنه عيد العراقيين جميعاً، فجر يوم جديد.. العراق أصبح حراً وأنتم أسياد”.
وتعكس هذه المبالغة العراقية أمرين اثنين: الأول شحة الإنجازات الحقيقية في ميادين الاقتصاد والخدمات وبناء المؤسسات ما يدفع النخبة الحاكمة العراقية إلى التركيز على “إنجازات” رمزية قائمة على الأوهام الإيديولوجية وليس الوقائع المادية الإيجابية.
والثاني هو التأثير المتزايد للخطاب السياسي الإيراني الذي تروج له الفصائل المسلحة العراقية في سياق ما يبدو هيمنة هذه الفصائل على الحيزين السياسي والعام في العراق.
في ظاهره، يبدو الانسحاب الأخير للقوات الأميركية من البلد انتصاراً للفصائل المسلحة وبالتالي لإيران، لكن واقع الحال يشير إلى أن هذا الانتصار المزعوم مؤقت ويمكن أن يقوض هيمنة الفصائل نفسها، إذ يضع هذا الانسحاب على الطاولة للمرة الأولى وعلى نحو جدي تفكيك الفصائل.
وعلى الرغم من أن البرامج الوزارية المُصادق عليها برلمانياً لأربع حكومات متعاقبة، منذ عام 2018، احتوت فقرات واضحة بضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وهي العبارة الرسمية والمهذبة التي تعني تفكيك الفصائل، لم يتحقق أي شيء من هذا الحصر.
كان ما حصل هو العكس بالضبط، إذ تصاعدت قوة الفصائل وامتدت إلى الاقتصاد والسياسة بضمنها تأثيرها في اختيار رئيس الوزراء، وصولاً إلى تأزيم علاقات العراق الخارجية كما حدث مع دول الخليج التي تعرضت منشآتها النفطية لقصف الفصائل نيابةً عن إيران الساعية لتقليل المعروض من النفط في السوق العالمي للضغط على واشنطن.
ودفع هذا التمدد الإقليمي الواسع للفصائل وتأثيرها المحسوس على إمدادات الطاقة العالمية واشنطن إلى اتخاذ موقف حاسم بخصوص نزع سلاحها، في ظل ضغوط خليجية بهذا الاتجاه ايضاً.
وفي مواجهة مفتوحة وخالية من القيود، لدى واشنطن ما يكفي من أدوات عسكرية ومالية لتفكيك هذه الفصائل، لكن الإدارة الأميركية لا تمتلك رفاهية الاستخدام الحر والمباشر لهذه الأدوات بسبب الطبيعة الهجينة لهذه الفصائل،
فهي من جانب جزء من الدولة العراقية (عبر الحشد الشعبي الذي يوفر غطاءً رسمياً لها) وهي الدولة التي تعتبرها واشنطن صديقة ولا تريد أن تفقدها لصالح إيران، ومن جانب آخر هي أداة مهمة بيد الجمهورية الإسلامية، العدو الإقليمي الشرس للولايات المتحدة، تستهدف عبرها أميركا وحلفائها الآخرين في المنطقة.
وبإزاء عجز الدولة العراقية التي رعتها وحمتها واشنطن بعد 2003 عن فك التداخل بين المصالح العراقية والإيرانية المتناقضة، تجد واشنطن نفسها مقيدة نسبياً بخصوص الضغوط التي تستطيع ممارستها في العراق.
ودفعت هذه القيود واشنطن إلى القبول بتمديد تفكيك الفصائل 9 أشهر أخرى، ليتحول الموعد الجديد إلى يونيو 2027، بدلاً من نهاية سبتمبر بعد الانسحاب الأميركي مباشرةً، كما وعد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أثناء زيارته للبيت الأبيض في يوليو الماضي.
لكن هل يستطيع الزيدي، حليف واشنطن المُستَنِد كثيراً على دعمها، أن ينجز في يونيو المقبل ما عجز عن إنجازه في أكتوبر الحالي؟
على الأغلب، لن يستطيع إذا ظل على المسار الحالي العقيم: التفاوض مع الفصائل نفسها لإبرام صفقة ما مقبولة لأميركا وإيران في الوقت نفسه. فليس منطقياً أن تتفاوض الفصائل سعيا لصفقة تُضعفها كثيراً وتهدد نفوذها عبر نزع أدواتها الأهم: السلاح الثقيل.
وحتى إذا توصلت الحكومة إلى صفقة كهذه، فمن سيضمن ألا تتشكل فصائل جديدة لا تكون مُلزمة بصفقة لم تتفاوض بشأنها ولم توقعها؟
في الحقيقة، لا يستفيد الزيدي كرئيس وزراء يسعى لتثبيت أقدامه، ولا العراق، الدولة المحاطة بالتحديات والصعاب، من تجاهل الفيل الذي في الغرفة: ايران.
تحتاج الحكومة العراقية أن تتفاوض مع إيران، الراعية الأولى للفصائل، وصاحبة القرار الحاسم بشأنها، وتعقد صفقة دولة بإزاء دولة معها لإنهاء الدعم الإيراني للفصائل المسلحة، أي الفصائل، الحالية أو المستقبلية.
لن تستطيع الحكومة دفع إيران للتفاوض معها بهذا الصدد إلا بدعم قوي من الإطار التنسيقي، التجمع البرلماني الحاكم والوثيق الصلة بإيران وهو الدعم الذي لن يقدمه الإطار إلا تحت الاضطرار الشديد.
وهنا ينبغي أن تساهم أدوات الضغط الأميركية على نحو انتقائي وذكي لتحقيق مصلحة عراقية-أميركية مشتركة: إنجاز احتكار حقيقي للسلاح في العراق بيد الحكومة. فبدلاً من تلويح واشنطن بعقوبات مالية عمومية الطابع وواسعة التأثير ضد العراق، تكون أشبه بالعقاب الجماعي، كإيقاف توريد الدولار ما يؤدي الى شل النظام المالي العراقي وعجز الدولة عن دفع رواتب موظفيها، ينبغي الضغط على أحزاب الإطار التنسيقي، عبر عقوبات مالية وسياسية تستهدف شخصياته الأبرز والمؤسسات المنضوية فيه.
تهدد مثل هذه العقوبات، إذا نُسقت أميركياً على نحو جيد وتصاعدي، استمرار قبضة الإطار على السلطة، الأمر الذي يدفعه إلى تقديم تنازلات جدية للاحتفاظ باحتكاره للحكم. كما ستحظى مثل هذه العقوبات بدعم شعبي عراقي كبير من جمهور واسع ومتنوع غاضب على الإطار التنسيقي بسبب فساده وسوء حكمه، وتمنح العراقيين العاديين الإحساس أن أميركا لا تستهدفهم.
لا يكتمل المشهد دون إجراءات قانونية موازية ضد الفصائل المسلحة تنفذها الحكومة على أساس تطبيق القضاء للقانون العراقي الذي يُجرِّم على نحو صريح وجود السلاح الميليشياوي وتشكيل مجموعات مسلحة.
لا يمكن لهذه الإجراءات أن تمضي وحدها دون ضغوط أميركية وإقليمية على العراق لإنفاذ حكم القانون بعد أن تحولت هذه الفصائل العراقية إلى تهديد للأمن الإقليمي دعماً للجهد الحربي الإيراني.
من دون انتهاج هذين المسارين المتوازيين، الخارجي والداخلي، بجدية عالية، لن يشهد العراق، في أحسن الأحوال، إلا تراجعاً مؤقتاً ومحسوباً، لنشاط الفصائل المسلحة ريثما تنتهي عاصفة ترامب الأميركية بعد عامين بنهاية ولايته الحالية ما يعني تحقق السيناريو الذي تتبناه الفصائل.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).