قبل عشرين عامًا، في مثل هذا الأسبوع، توفيت حنان بالسرطان. كانت زوجة عمي حنّا. أتذكّر شيئًا كانت تقوله لي عن المرض: كانت تشعر بأنه يلتهمها من الداخل. كان في وصفها شيء لا يُحتمل، في ذلك القرب الحميم للخطر. فقد كان الخطر داخل الجسم الذي تحتاج إليه كي تعيش، ولم يكن في وسعها أن تضع مسافة بينها وبينه.
أخذها السرطان شيئًا فشيئًا.
تذكّرت حنان عندما قرأت عن الحادثة الأخيرة التي ضُبطت فيها شحنة ضخمة من المتفجرات عند حاجز أمني وسط لبنان. وكان الرجلان المنتميان إلى حزب الله اللذان ينقلانها قد أُوقفا. وأثارت التقارير عن الشحنة مخاوف من التحضير لاغتيالات سياسية. عاد القتل السياسي فجأة إلى الواجهة. وعادت معه احتمالات مألوفة: أن يتحول وجه إلى صورة، وصوت إلى تسجيل، وأن يغادر شخص منزله ولا يعود إليه أبدًا.
عشنا ما يكفي من الاغتيالات لنعرف مدى السرعة التي يمكن أن يتحول بها صباح عادي إلى تاريخ يحييه البلد إلى الأبد. ونعرف أيضًا ما يعقب ذلك: البيانات، والوعود بتحقيق العدالة، والسنوات التي يتعلم خلالها الجميع تدريجيًا التعايش مع السؤال الذي لا جواب عنه، ومع العدالة التي لا تأتي أبدًا. وما أخافني هو أنني لم أحتج إلى كثير من الخيال كي أخاف.
لقد ضُبطت المتفجرات، وهذا أمر مهم. فقد أوقف أحدهم المركبة، وأدت مؤسسة أمنية عملها. لكن الارتياح لا ينبغي أن يتوقف عند الحاجز الأمني. فمن حق المواطنين الحصول على إجابات، وتحقيق يتتبع الأدلة. ولا ينبغي أن نضطر إلى الاكتفاء بمعرفة أن خطرًا ما قد أُوقف، فيما يحتفظ المسؤولون عنه بالوسائل التي تتيح لهم المحاولة مجددًا.
“إنه يلتهمني من الداخل”. كانت حنان تتحدث عن جسمها. أما أنا، فأعني أن بلدي يُدمَّر خليةً تلو أخرى بفعل سرطانه الفتّاك. ومع ذلك، ثمة فرق هائل بين هذين “المرضين”. فالسرطان لا يملك جنودًا، ولا هيكلًا قياديًا، ولا حلفاء وطنيين وإقليميين يدافعون عن امتيازاته، أما حزب الله، فيملك كل ذلك. إن رفضه التخلي عن قوته المسلحة قرار واعٍ. فلا شيء حتميًا أو بيولوجيًا يفرض عليه الاحتفاظ بجهاز قادر على تعريض بلد بأكمله لعواقب لا يستطيع مواطنوه التحكم فيها.
يواصل حزب الله الادعاء بأنه يحمي لبنان. لكنه يفعل العكس تمامًا. إنه يقتله. كما أن هزيمته في الحرب الأخيرة تجعل خطر توجيه هذه الأسلحة ضد المواطنين اللبنانيين أكثر إلحاحًا. ولطالما كان هذا نهجه. فالهزيمة لا تجعل التنظيم المسلح أقل خطورة تلقائيًا على الناس الواقعين في دائرة نفوذه، بل قد تجعل إخضاع هؤلاء الناس أكثر أهمية بالنسبة إليه.
هذا هو الخطر الذي أراه: أن يسعى حزب الله إلى استعادة نفوذه في الداخل، من خلال الترهيب، بعدما انتزعت خسائره العسكرية الأخيرة منه جانبًا من سلطته. إن عجزه عن تحقيق النصر الذي وعد به لا يعني أنه فقد قدرته على معاقبة المعارضين أو الانتقام منهم. وثمة جبن من نوع خاص في الرد على المطالب بالمحاسبة بتهديد أشخاص لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم في مواجهة ترسانتك. ومع ذلك، فهذا ما يفعله حزب الله: يتحول المواطنون اللبنانيون إلى جمهور يستعرض أمامه طرف مهزوم قدرته على مواصلة إخافة البلد بأكمله.
نتذكّر أحداث مايو 2008. عندما تحدّت الحكومة شبكة الاتصالات الخاصة بحزب الله، ردّ الحزب بتوجيه أسلحته إلى خصومه في الداخل، وبالسيطرة على جزء كبير من غرب بيروت. وعوملت محاولة فرض السلطة العامة على أنها إعلان حرب. ووصلت الرسالة عبر الشوارع اللبنانية: المسّ بامتيازاتنا، وسنجعلكم تدفعون الثمن.
لم تكن تلك الأسلحة بحاجة إلى هدف إسرائيلي كي تجد استخدامًا لها. فالخصوم اللبنانيون كانوا كافين، حتى عندما كان هؤلاء الخصوم حكومة تمارس سلطتها المشروعة. يومها، تعلّم البلد ما يعنيه حزب الله حين يتحدث عن حقه في الدفاع عن نفسه: إنه الحق في مهاجمة من يتحدّى سلطته.
والاغتيال السياسي ليس مجرد خوف ورثناه عن فصل بعيد من تاريخنا. فقد أدانت المحكمة الخاصة بلبنان أعضاء في حزب الله بسبب أدوارهم في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. وأيًا تكن الغاية من الشحنة التي صودرت مؤخرًا، فليس لميليشيا مثل حزب الله أي حق في نقل المتفجرات أو حيازتها. ولسنا بحاجة إلى انتظار تحديد هدف أو معرفة الغاية قبل المطالبة بالمحاسبة. فالخوف الذي أعادته هذه الحادثة إلى الواجهة يحمل ذاكرة راسخة: نحن نعرف أن إسكات صوت سياسي قد يتحقق بتدمير الجسد الذي يحمله. ولا تزال أسماء ضحايا الاغتيالات السابقة تطاردنا: سمير قصير، وجبران تويني، وبيار الجميل، وكثيرون غيرهم.
من يقرر الحرب؟ من ينقل الأسلحة؟ من يصدر الأوامر؟ ومن يُحاسَب عندما تُدمَّر الأرواح؟ هذه أسئلة عادية في بلد تملك مؤسساته سلطة على الأشخاص الذين يحملون السلاح. أما في لبنان، فلا نزال مضطرين إلى الإصرار على طرح هذه الأسئلة، فيما يحتفظ حزب الله لنفسه بحق الحكم على نيات الذين يطرحونها.
هكذا يتسلل الضرر إلى الداخل. فهو يدخل إلى النقاش قبل أن ينطق أحد بكلمة. ويبدأ المرء بالتفكير في الثمن الذي قد تكلّفه جملة يقولها. ويتساءل إن كان الخلاف سيُفسَّر على أنه عداء، وإن كان انتقاد ميليشيا مسلحة غير شرعية سيتحول إلى اتهام أو حكم بالإعدام.
يستفيد حزب الله من هذا الخوف والالتباس. إذ تحظى أسلحته بحصانة طائفية، ويصبح الاعتراض عليها إساءةً إلى الناس الذين يدّعي تمثيلهم. لكن المواطنين الشيعة ليسوا ملكًا للحزب. ولا يجوز رهن سلامتهم ومنازلهم وخياراتهم السياسية دفاعًا عن ترسانته. إنهم يستحقون دولة تحميهم هم أيضًا من القرارات التي تُتخذ باسمهم.
ولا تمنح الهجمات الإسرائيلية حزب الله حق احتكار الدفاع عن لبنان. فعلى إسرائيل أن تتحمل مسؤولية هجماتها والدمار الذي تخلّفه والمعاناة التي تتسبب فيها. وتظل هذه المسؤوليات قائمة. لكنها لا يمكن أن تتحول إلى تفويض دائم لتنظيم مسلح يقرر مصير الشعب اللبناني. فلا يمكن مطالبة بلد بقبول كل خطر داخلي لمجرد وجود خطر خارجي. لقد طُلب منا التعايش مع هذه المقايضة مدة أطول مما ينبغي.
في وقت سابق من هذا العام، سمحت لنفسي بأن أتوقع حدوث تغيير. ولا أريد الاعتذار عن هذا التوقع. فالرغبة في أن يخرج لبنان أخيرًا من حكم ميليشيا مسلحة تخدم مصالح إيران لم تكن سذاجة ولا مطلبًا مبالغًا فيه. كانت لدينا أسباب تدفعنا إلى المطالبة، وإلى الأمل، بأن تستعيد الدولة سلطتها. لكن الأمل يصبح مرهقًا حين يُطلب من المواطنين مرارًا التعويل على إعلانات يظل تنفيذها مشروطًا بموافقة الطرف نفسه الذي يُطلب منه التخلي عن السلطة.
هنا يبلغ غضبي الدولة اللبنانية. لا أتوقع من تنظيم مسلح غير شرعي أن يرحب طوعًا بخسارة السلطة التي تتيح له تحدي السلطة العامة. ما أتوقعه هو أن تمارس الدولة سلطتها. فلا يمكن أن يظل نزع السلاح مجرد طموح يُعبَّر عنه بعبارات منمقة كل بضعة أشهر. بل يجب أن يتحول إلى سياسة قابلة للتنفيذ، تتضمن التزامات ومهلًا زمنية ورقابة وعواقب. فإذا كان حزب الله قادرًا على تحديد الشروط التي سيمتثل بموجبها، إلى أجل غير مسمى، فهذا يعني أن مؤسسات الدولة قد قبلت بأن تنتهي سلطتها حيث يبدأ رفضه.
أعرف أن هناك مخاطر. وأعرف أن البلد لا يمكن أن يُحكم بجملة غاضبة، وأن فرض سلطة الدولة يتطلب حسن التقدير والتخطيط وحماية المدنيين. لكن لا يمكن الاستمرار إلى ما لا نهاية في تعداد مخاطر التحرك، فيما تُعامل مخاطر التقاعس كما لو كانت أحوال الطقس. فكل قرار مؤجل يترك شخصًا ما عرضة للخطر. وكل استثناء يُبقى عليه لصالح الميليشيا يعلّم المواطنين أن أمنهم قابل للمساومة. وينبغي تقييم الحذر بالنظر إلى من يحميه وما الذي يحققه. وعندما لا يفعل سوى إطالة أمد الترتيبات التي تنتج الخطر، فمن حقنا أن نرفضه.
لسنا نطلب من الدولة أن تقنع حزب الله بأن يعفينا من شرّه. بل نطلب منها أن تنهي قدرته على تقرير ما إذا كان سيفعل ذلك أم لا. وهذا يتطلب أكثر من مصادرة شحنة. إنه يتطلب ملاحقة المسؤولية الجنائية، ومنع الحماية السياسية من عرقلة التحقيقات، وإخضاع الأسلحة والقرارات المتعلقة باستخدامها للسلطة الحصرية للدولة. هذه واجبات، ولا يجوز أن تتحول إلى تنازلات تأمل الحكومة الحصول عليها من حزب سياسي. فكم بقي من لبنان يجب أن يُلتهم قبل أن تُجبر الدولة اللبنانية حزب الله على التخلي عن السلطة التي يلتهم بها البلد؟
بعد عشرين عامًا، أصبحت كلمات حنان وسيلة لوصف الحياة في بلدي. وأنا غاضبة. غاضبة من حزب الله بسبب السلطة التي يواصل فرضها علينا. وغاضبة من المؤسسات التي تطلب منا التحلي بالصبر إزاء هذه السلطة. وغاضبة أيضًا لأن الخوف لا يزال مألوفًا إلى هذا الحد، ولأنه يعود بسهولة إلى مكانه في يوم عادي.
علينا أن نتوقف عن التعامل مع استمرار وجود ميليشيا مسلحة باعتباره مشكلة يُفترض باللبنانيين أن يتعايشوا معها إلى الأبد. لم يكن في وسع حنان أن تحاسب السرطان الذي أصابها. أما نحن، فيمكننا محاسبة حزب الله، وعلينا أن نفعل ذلك. فالدولة اللبنانية ملزمة تجاهنا.
وحان الوقت أخيرًا لأن تفي بالتزامها.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).