تغطية مباشرة الانتخابات النصفية الأميركية 2026 واشنطن العاصمة 11:55 PM

كيف توظف الصين الذكاء الاصطناعي للتأثير في الانتخابات؟

تواجه الانتخابات في الولايات المتحدة وتايوان هذا الشهر التهديد نفسه، المتمثل في حملات التأثير الصينية التي باتت تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

اقرأ بـ English
· 6 دقيقة قراءة
صورة من الأرشيف: لافتة تحمل شعار شركة الذكاء الاصطناعي الصينية «ديب سيك» تظهر على مبنى يقع فيه مكتب الشركة الناشئة في بكين، الصين، 19 فبراير 2025 / رويترز – فلورنس لو / صورة من الأرشيف

غالبا ما تختبر الصين حملات التأثير التي تنفذها في تايوان قبل توجيهها إلى ديمقراطيات أخرى. ومع توجه الناخبين في كل من تايوان والولايات المتحدة إلى صناديق الاقتراع هذا الشهر، يقول باحثون إن الأسلوب نفسه، المدعوم بالذكاء الاصطناعي، يُستخدم في الجانبين: استغلال المظالم الحقيقية وتعميق انعدام الثقة.

وأبلغ مكتب الأمن القومي التايواني المشرّعين الشهر الماضي بأنه رصد أكثر من 2.5 مليون مادة تتضمن معلومات مضللة مصدرها الصين على الإنترنت، خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر، مقارنة بنحو 1.69 مليون مادة خلال الفترة نفسها من العام السابق.

وقالت وكالة الاستخبارات إن الصين “توسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التلاعب بالمعلومات”، بهدف التأثير على الناخبين ونتائج الانتخابات. وقد نفت بكين مرارا تدخلها في الانتخابات التايوانية.

التهديد وصل إلى الولايات المتحدة

في يونيو، كشف تحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس أن عناصر من إدارة مكافحة المخدرات الأميركية تركوا، خلال الفترة بين عامي 2023 و2025، شحنات من الفنتانيل تصل إلى شوارع ولاية نيو مكسيكو. وسارع سياسيون في الولاية إلى انتقاد إدارة ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتجد الجهات الصينية المنخرطة في عمليات التأثير فرصة لاستغلال الموقف.

ووفقا لشركة “غرافِيكا” (Graphika) ، ومقرها نيويورك والمتخصصة في رصد عمليات التأثير عبر الإنترنت، بدأت حسابات مرتبطة بشبكة “سباموفلاج” (Spamouflage) ، وهي جهة تأثير مرتبطة بالصين، منذ 22 سبتمبر، باستغلال منشورات هؤلاء السياسيين على منصة “إكس” والتعليق عليها.

وردّت هذه الحسابات على منشورات حاكمة الولاية ميشيل لوجان غريشام، والسيناتور بن راي لوخان، والنواب ميلاني ستانسبري وتيريزا ليغير فرنانديز وغابي فاسكيز، محمّلة إدارة مكافحة المخدرات مسؤولية أزمة الفنتانيل في الولاية. وينتمي السياسيون الخمسة إلى الحزب الديمقراطي، فيما يخوض أعضاء الكونغرس الأربعة انتخابات إعادة انتخابهم.

وقالت “غرافِيكا” إن هذا النشاط يُرجح أن يكون محاولة لتقويض ثقة الأميركيين بالمؤسسات الأميركية قبيل انتخابات التجديد النصفي.

كما تسعى الحملة إلى صرف الانتباه عن دور الصين نفسها في أزمة المواد الأفيونية. فقد اتهمت واشنطن بكين منذ فترة طويلة بالتقاعس عن وقف تدفق المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع الفنتانيل. وتتوافق الصور المولّدة بالذكاء الاصطناعي بوضوح مع الروايات التي تروّج لها وسائل الإعلام الحكومية الصينية بشأن هذه القضية.

ولم يبد أن عددا كبيرا من المستخدمين تفاعل مع تلك المنشورات. لكن ليلي تيرنر، المحللة في “غرافِيكا”، أشارت إلى أن أحد مقاطع الفيديو التي نشرتها شبكة “سباموفلاج” على تطبيق تيك توك قبل انتخابات عام 2024، وسخرت فيه من الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن، حصد نحو 1.5 مليون مشاهدة.

وقالت تيرنر لـ”الحرة”: “هذه الحملات مهمة إلى درجة لا يمكن معها تجاهلها”.

مظالم حقيقية يستغلها الذكاء الاصطناعي

تعكس قضية نيو مكسيكو نمطا أوسع نطاقا، إذ لا تختلق عمليات التأثير قضايا من العدم، بل تحرّف قضايا حقيقية وتستغلها.

وقالت تيرنر إن هذه الحملات تعمل على تضخيم “المظالم المشروعة أو مظاهر الانقسام المجتمعي الحقيقية الموجهة ضد الحزب الحاكم”، وليس ضد الديمقراطيين تحديدا.

ويرى إيثان تو، مؤسس مختبرات تايوان للذكاء الاصطناعي  (Taiwan AI Labs)، وهي منظمة غير ربحية مقرها تايبيه ترصد الحسابات المنسقة على الإنترنت، أن الأسلوب نفسه يُستخدم في تايوان.

وقال إن الهدف هو تعميق الانقسامات بين الناخبين وتقويض الثقة بالحلفاء والمؤسسات ووسائل الإعلام، وغالبا من خلال استغلال قضايا مثل تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة.

وأضاف تو: “توجد عمليات من هذا النوع في كل انتخابات كبرى”.

ويجعل الذكاء الاصطناعي اكتشاف هذه الحملات أكثر صعوبة بكثير. فبعدما كانت منشورات شبكة “سباموفلاج” تُكتب بإنجليزية ركيكة، بات الذكاء الاصطناعي التوليدي يمنحها صياغة أكثر سلاسة، بحسب تيرنر من “غرافِيكا”.

وقال تو إن الحسابات المزيفة كانت في السابق تنسخ النص نفسه وتلصقه مرارا، من دون أن ترد على المستخدمين.

وأضاف: “أما الآن، فهي تتصرف مثل روبوتات المحادثة”.

وتمكن بعض المستخدمين من كشف هوية هذه الحسابات عبر مطالبتها بكتابة شيفرات برمجية، وهو ما استجابت له بالفعل.

وقالت أودري وونغ، الباحثة البارزة في معهد أميركان إنتربرايز (American Enterprise Institute)، التي تدرس النفوذ الصيني في الحملات السياسية الأميركية على مستوى الولايات والسلطات المحلية، إن بكين “تحاول، عن قصد وبشكل مدروس، إدماج الذكاء الاصطناعي” في عمليات التأثير التي تنفذها.

وأوضحت أن الصين لا تكتفي بإنتاج المحتوى، بل تسعى أيضا إلى بناء أنظمة تجمع بيانات عن طريقة تفكير جماهير مختلفة، وتحاكي ردود أفعالها المحتملة تجاه أنواع متعددة من الرسائل الصينية.

وأشارت إلى تقرير نشرته شركة “أوبن إيه آي” في 10 يونيو، وخلص إلى أن حسابات يُرجح أن مصدرها الصين استخدمت “تشات جي بي تي” لإنتاج منشورات ورسوم كاريكاتورية تزعم أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تتسبب في ارتفاع فواتير الكهرباء للأميركيين. وكما في حملة نيو مكسيكو، استغلت هذه الحسابات مخاوف حقيقية، لكنها لم تحقق، على ما يبدو، انتشارا يُذكر.

لكن “أوبن إيه آي” قالت إن القضية مهمة لأنها أظهرت “اختبار جهات التأثير المنطلقة من جمهورية الصين الشعبية روايات بشأن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي”.

كيف تواجه تايوان هذه الحملات؟

انتقلت تايوان من مجرد تفنيد الادعاءات الكاذبة إلى تحذير الجمهور قبل انتشارها. وقال تو إن عمليات التحقق من الحقائق وحدها لم تعد مجدية منذ نحو عام 2020، بعدما تحولت هذه الحملات من نشر الأكاذيب الصريحة إلى الترويج لنظريات المؤامرة وإثارة الذعر، وهي ادعاءات يصعب إثبات صحتها أو بطلانها.

وضرب مثالا بأزمة نقص البيض التي شهدتها تايوان عام 2023. فبحسب مجلس الزراعة، كان النقص حقيقيا، لكنه اقتصر على انخفاض طفيف لا يتجاوز نسبة مئوية صغيرة من الإمدادات اليومية. غير أن الجهات التي تقف وراء عمليات التأثير استغلت، بحسب تو، حالة الذعر المرتبطة بسؤال مختلف: “هل سأتمكن من شراء البيض غدا؟”

وقال تو: “مقابل كل شائعة تفندها، تظهر عشر شائعات أخرى”. وأضاف أن فريقه يحاول رصد الحسابات التي تنشر معلومات مضللة في وقت مبكر، وتنبيه الصحفيين وصناع السياسات إليها.

كما تنشر الحكومة التايوانية تقارير علنية عن التهديدات التي تواجهها. وخلال انتخابات عام 2024، رفع الادعاء العام 71 قضية بموجب قانون مكافحة التسلل في البلاد.

ويرى تو أن تايوان تمثل نظام إنذار مبكر للديمقراطيات الأخرى، إذ غالبا ما تختبر الصين، التي تعتبر تايوان جزءا من أراضيها، حملات التضليل الإعلامي هناك قبل نقلها إلى أماكن أخرى.

وقال إن تايوان أشبه بمختبر حي للديمقراطيات، في إشارة إلى الطريقة التي تنتقل بها الروايات التي يجري اختبارها في الجزيرة إلى مناطق أخرى. وأضاف: “نحن في الخط الأمامي لحرب المعلومات”.

وكانت نصيحته واضحة: ينبغي للمنصات الأميركية والقادة السياسيين “زيارة تايوان بوتيرة أكبر لمناقشة حرب المعلومات التي واجهتها”.

لماذا يهم الأمر الشرق الأوسط؟

في الشرق الأوسط، تتبع الرسائل الصينية أسلوبا مختلفا. فقد رصدت شركة “غرافِيكا” جهات صينية وأخرى متحالفة مع بكين تصوّر الحرب مع إيران على أنها هزيمة للولايات المتحدة، ومصدر للتوتر مع حلفائها، وتهديد للسلام العالمي.

وقالت تيرنر إن هذه الحملات “تركز بدرجة أكبر على تقويض مكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية وإظهار الدعم لإيران”.

وتتكرر الرسالة نفسها عبر القنوات الرسمية. فبحسب “غرافِيكا”، عندما تعثر وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو، انتقلت وسائل الإعلام الحكومية الصينية من التغطية المحايدة إلى تحميل الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية تجدد القتال، فيما صوّر معلقون مؤيدون للصين الاتفاق على أنه إهانة لواشنطن.

كما ضخّمت وسائل الإعلام الصينية تصريحات مسؤولين إيرانيين، بينهم مسؤولون في الحرس الثوري الإيراني، تعهدوا بمواجهة ما وصفوه بـ “الحرب الاقتصادية التي يشنها العدو”.

وتصنّف وزارة الخارجية الأميركية الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.

كذلك، تتبادل الحسابات الصينية والحسابات المؤيدة لإيران تضخيم الرسائل بعضها لبعض بشكل علني، ويصل هذا الخطاب إلى جمهور أوسع بكثير مما تصل إليه الحملات السرية.

وفي أغسطس، نشر حساب مؤيد للنظام الإيراني على منصة “إكس” مقطعا مصورا للمتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية يرفض فيه العقوبات الأميركية الجديدة على إيران، وحصد المقطع نحو 500 ألف مشاهدة، وفقا لما رصدته “غرافِيكا”.

وفي بعض الأحيان، تعمل الحملات العلنية والسرية معا.

وقال تو إن فريقه رصد عمليات تبدأ فيها شبكات سرية بإنشاء وسائل إعلام إخبارية زائفة تقدم نفسها على أنها “محايدة”، إلى جانب مجموعات من المؤيدين الشعبيين، ثم تستخدم تلك الوسائل لتغطية أخبار هؤلاء المؤيدين. وبعد ذلك فقط، تتدخل وسائل الإعلام الحكومية.

وأضاف تو: “بعد تشكيل رأي عام زائف، بدأت وسائل الإعلام الحكومية في الصين وإيران وروسيا تغطيته”.

وقال مكتب الأمن القومي التايواني في تقريره إن الصين تستغل الصراعات الإقليمية لتعميق التعاون مع روسيا وكوريا الشمالية وإيران.

ونادرا ما تنجح هذه الحملات، بمفردها، في تغيير قناعات الناس. لكنها، من خلال استغلال مظالم ومخاوف حقيقية، بدءا من أزمة الفنتانيل وصولا إلى الحرب مع إيران، تسعى إلى تقويض الثقة بالولايات المتحدة، في الداخل والخارج.