لغة النفوذ الصينية

تمارس الولايات المتحدة قوتها الناعمة عبر الثقافة الشعبية (ميكي ماوس، تايلور سويفت) أو عبر كبريات علاماتها التجارية (نايكي أو جامعة ستانفورد). أمّا الصين، وهي ترسم مسار صعودها عالميًا وفي الشرق الأوسط، فتعتمد استراتيجية مختلفة تمامًا: نهجٌ من أعلى إلى أسفل تقوده الدولة، ويركّز على الانفتاح التعليمي والثقافي.

غير أن طموح بكين كبير. إذ تبدو الصين وكأنها تريد أن تضاهي الولايات المتحدة في المنطقة من حيث جعل لغتها وثقافتها ورؤيتها للعالم مألوفة لدى الجيل المقبل من القادة هنا.

وكما صاغه الباحث الأميركي جوزيف ناي عام 1990، تُعرَّف «القوة الناعمة» بأنها القدرة على التأثير في نتائج الدول الأخرى عبر الجاذبية بدل الإكراه. ووفق أحدث إصدار من «مرصد النفوذ الصيني» من شبكة MBN والمخصّص هذا الأسبوع للقوة الناعمة، ركّزت بكين جهودها على اختراق أسواق الإعلام في الشرق الأوسط عبر البث المموّل من الدولة، وبناء شبكة من معاهد كونفوشيوس ومؤسسات ثقافية مماثلة، وتوسيع برامج التبادل التعليمي.

وقالت يون سون، مديرة برنامج الصين في مركز ستيمسون، في رسالة بريد إلكتروني: «الصين في طور بناء عناصر الجاذبية. الفهم والقبول يأتيان أولًا. أمّا الإعجاب والمحاكاة فيأتيان لاحقًا».

كونفوشيوس في الصدارة

تسير الصين، في بعض النواحي، على خطى الولايات المتحدة. فبرنامج فولبرايت الأميركي، وهو برنامج تبادل تعليمي أُطلق عام 1946، يُعد على نطاق واسع أحد أنجح أدوات القوة الناعمة الأميركية. والصين، التي أصبحت بعد عام واحد أول دولة تنضم إلى البرنامج، بنت بدورها بنيةً تعليمية في الخارج، تتصدّرها معاهد كونفوشيوس — وغالبًا ما تكون مدمجة داخل الجامعات.

ورغم تعرّض هذه المعاهد لانتقادات في الغرب بسبب مناهجها التوجيهية الصارمة (لا حديث عن التبت أو تايوان أو ساحة تيانانمن)، فإنها لقيت ترحيبًا في الشرق الأوسط، حيث التعليم العالي ذو طابع مركزي تديره الدولة أصلًا. وقد افتُتح أول معهد كونفوشيوس في المنطقة في بيروت عام 2006؛ ويبلغ عددها اليوم 29 معهدًا في عموم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بينها خمسة في مصر وأربعة في تركيا.

كما أنشأت بكين 41 برنامجًا لتعليم اللغة الصينية عبر الجهة الأم لمعاهد كونفوشيوس، وهي «مركز تعليم اللغة والتعاون»، تركز على تدريب المعلمين ودمج المناهج، إلى جانب ستة مراكز ثقافية صينية تُعنى بالترويج للتاريخ والأدب والموسيقى والسينما.

وسعت الصين أيضًا إلى بناء روابط عبر وسائل أقل رسمية، أبرزها السياحة. وتُظهر بيانات «مرصد النفوذ الصيني» زيادة كبيرة في عدد المسارات الجوية بين دول الخليج والصين منذ عام 2023. كما روّجت وسائل الإعلام الصينية للسفر إلى المنطقة، وأعلنت الصين هذا الصيف إعفاء مواطني أربع دول خليجية من تأشيرة الدخول.

ويقلّل بعض الباحثين من شأن هذه الجهود، ويرونها مترددة على نحو مفاجئ قياسًا إلى تصريحات الرئيس شي جين بينغ ومسؤولين آخرين بأن الصادرات الثقافية مفتاحٌ لطموحات البلاد العالمية.

فالواقع أن الشعارات أو الأغاني، وما تحمله من مواقف قادرة على حشد الحركات، تميل إلى الظهور بسهولة أكبر في المجتمعات المفتوحة مقارنة بالمجتمعات التي تضخ للضبط والتحكم. وقد دعمت المؤسسات الأميركية — مثل فروع الجامعات في الخارج — ثقافةً كانت تنتشر أصلًا. أمّا الصين فتستخدم المؤسسات لمحاولة خلق ثقافة لم تنتشر بعد، على الأقل في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 

عبر الأثير الإعلامي

 

التأسيس للترويج عبر هذه الوسائل يعتمد أيضًا على الشراكات الاقتصادية. فمن خلال مشروعات «الحزام والطريق» وورش «لوبان» المهنية التي أُطلقت عام 2019، ربطت الصين انفتاحها الثقافي بمنافع مالية ملموسة. وضمن برنامج «لوبان»، تعمل الصين على تعليم المهارات للسكان المحليين بما يتكامل مع مشروعات «الحزام والطريق» الأكثر تطورًا.

وفي الوقت نفسه، تساعد زيادة عدد المنصات الإعلامية الصينية في المنطقة واتفاقات تبادل المحتوى الجديدة مع مؤسسات إخبارية محلية على إيصال الرسالة. فمع 31 شراكة عبر المنطقة، ولا سيما في مراكز إعلامية رئيسية مثل الإمارات ومصر، وسّعت وسائل الإعلام الصينية الرسمية قدرتها على الوصول إلى الجمهور المحلي عبر منصات قائمة.

وقال جوشوا كورلانتزيك، الزميل البارز لشؤون جنوب شرق آسيا في مجلس العلاقات الخارجية: «عزّزت الصين شراكاتها الإعلامية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

وأضاف أن الصين غالبًا ما تعرض وكالة أنبائها الرسمية «شينخوا»، التي توفّر تغطية عالمية، بتكلفة منخفضة أو حتى مجانًا. ورغم أن الأخبار التي تنتجها مؤسسات غربية مثل «أسوشييتد برس» و«رويترز» و«بلومبرغ» أكثر اعتمادًا على الوقائع وأقل تحيزًا، فإن مؤسسات إعلامية في المنطقة غالبًا ما تتردد في دفع رسوم اشتراكها المرتفعة.

وهذا ما يجعل «شينخوا» أداة «فعّالة للغاية» تتيح للصين الترويج لوجهات نظر قد تكون منحازة أحيانًا حيال الأحداث العالمية، بحسب كورلانتزيك، الذي يتناول كتابه «الهجوم الإعلامي العالمي لبكين» جهود الصين لتوسيع نفوذها.

في عام 2011، حين خرج المصريون إلى الشوارع للمطالبة بإنهاء حكم حسني مبارك الذي دام ثلاثة عقود، رفعوا لافتات كُتبت عليها شعارات إعلانية أميركية «Just do it» بمعنى: (افعلها وارحل)، وعبّروا عن احتجاجهم عبر موسيقى الراب.

ولم تحظَ الأعمال الترفيهية الصينية بانتشار واسع في المنطقة حتى الآن. ومع ذلك، تُظهر استطلاعات الرأي العام في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دعمًا أكبر للصين مقارنة بالولايات المتحدة، ما يوحي بأن نهجها الفريد في القوة الناعمة يحقق عوائد ملموسة.

 

Unknown's avatar
جيم سنايدر

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading