أثمان الجثث في إيران

عندما قصد جعفر الياسي دائرة الطب العدلي في محافظة إيلام لاستلام جثة ابن عمه، لم يكن يتوقع أن يتحول الوداع إلى مقايضة مالية ثقيلة.

يقول لـ”الحرة”: “قدمنا طلبا لاستلام جثة ابن عمي لكن الجهات الأمنية ابلغتنا أننا لن نستطيع استلام جثته الا بعد دفع ملياري تومان إيراني أي ما يعادل 16 ألف دولار أميركي وهو مبلغ كبير”.

قصة الياسي ليست استثناء. فمنذ اندلاع الاحتجاجات أواخر ديسمبر الماضي، تتحدث منظمات حقوقية عن سقوط آلاف القتلى في مدن إيرانية مختلفة، فيما تقول عائلات وناشطون إن السلطات تفرض مبالغ مالية وتعهدات خطية مقابل تسليم الجثامين، في ظل قيود أمنية مشددة وتعتيم إعلامي واسع.

تشير تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية ومحلية إلى مقتل آلاف المتظاهرين على أيدي القوات الأمنية. وقالت “هيومن رايتس ووتش”، في “التقرير العالمي 2026″، إن “السلطات الإيرانية نفّذت في 2025 إعدامات على نطاق لم تشهده البلاد منذ أواخر الثمانينيات”.

وأضاف التقرير أن قوات الأمن ارتكبت عمليات قتل جماعي للمتظاهرين والمارة، وأشارت المنظمة إلى “تصعيد منسق في استخدام القوة غير المشروعة والقاتلة منذ 8 يناير/كانون الثاني 2026، شمل قتل المتظاهرين والمارة وجرحهم بطلقات نارية في الرأس والجذع”، مؤكدة أن المجازر ارتُكبت وسط قطع الإنترنت وتقييد الاتصالات لإخفاء الحجم الحقيقي للانتهاكات.

ورغم القيود الأمنية وقطع الإنترنت، تمكنت “الحرة” من التواصل مع الياسي عبر شبكة من النشطاء داخل إيران وخارجها. ويقول إن ابن عمه، “وحيد والديه، كان عاطلا عن العمل منذ تخرجه من الجامعة قبل أكثر من 6 أعوام، خرج مع مجموعة من أصدقائه للمطالبة بفرص العمل والاحتجاج على الوضع الاقتصادي لكن السلطات استقبلته بوابل من الرصاص”.

ويضيف أن السلطات خيرت العائلة بين دفع المال أو التوقيع على اعتراف بأن ابنها كان مجندا ضمن صفوف قوات “الباسيج” وقتل على يد المتظاهرين، مشيرا إلى أن والديه لم يتمكنا حتى الآن من تأمين المبلغ المطلوب.

وأكد ناشطون، وأقارب لقتلى التظاهرات، يقيمون في إقليم كردستان العراق وأوروبا لـ”الحرة” أن دوائر الطب العدلي والمستشفيات في مدن إيرانية عدة مكتظة منذ أسابيع بجثث متظاهرين. وقالوا إن كثيرا من العائلات داخل إيران لم تتمكن من استلام جثث ذويها بسبب مبالغ مالية كبيرة وتعهدات خطية مفروضة عليهم.

وأضافوا أن السلطات أبلغت الأسر بأنها ستدفن الجثث في مقابر مجهولة إذا لم تُستلم، ومنعت إقامة مراسم عزاء، ووصفت القتلى بـ”المخربين” المدعومين من الغرب.

يقول الناشط والصحفي الاستقصائي الإيراني الأميركي رضا فرنود لـ”الحرة”:
“مقابل كل رصاصة تُطلق على المتظاهرين، يطالب نظام الجمهورية الإسلامية ذوي الضحايا بدفع ثلاثة آلاف دولار لاستلام الجثة. وكثير من القتلى أصيبوا بثلاث رصاصات، ما يعني أن عائلاتهم تُجبر على دفع نحو تسعة آلاف دولار، أي ما يعادل أكثر من مليار بالعملة المحلية، في وقت لا يتجاوز فيه راتب شخص متعلم وذو خبرة في إيران مئتي دولار شهريا”.

وبالتزامن مع قمع الاحتجاجات، نفذت السلطات الإيرانية عمليات إعدام بحق ناشطين ومعارضين. وتشير إحصاءات مركز “عبدالرحمن برومند” لحقوق الإنسان إلى إعدام 331 شخصا منذ مطلع العام الجاري وحتى إنجاز هذا التقرير.

وتقول منظمة “هانا”، ومقرها كندا، إن الأجهزة الأمنية قتلت خلال نحو شهر آلاف المتظاهرين، مؤكدة بالأسماء مقتل 6883 شخصا، بينهم 164 طفلا و214 عنصرا من قوات الأمن. كما أشارت إلى اعتقال أكثر من 272 مواطنا في المدن الكردية خلال يناير الماضي.

في المقابل، أعلنت مؤسسة شؤون الشهداء والمحاربين القدامى الحكومية، في إحصائية نشرها موقع “تسنيم”، مقتل نحو 3117 شخصا خلال الاحتجاجات، بينهم 2427 من حراس الأمن وعامة الناس.

وتقول الناشطة الكردية الإيرانية جينو بيكزاده باباميري لـ”الحرة” إن السلطات “تواصل مطالبة العائلات بمبالغ طائلة مقابل تسليم جثامين المتظاهرين الذين قُتلوا على يد القوات الأمنية”، مضيفة أن بعض الأسر طُلب منها أيضا توقيع اعترافات مفبركة أو تعهدات خطية بالصمت بشأن ملابسات الوفاة.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading