في السياسة اللبنانية، لا يُقاس التحوّل بضجيجه، بل باللغة التي تسبقه. تتبدّل المفردات قبل أن تتبدّل الوقائع، وتتراجع عبارات لتحلّ مكانها أخرى.
خلال حوالي العام، انتقل الخطاب الرسمي من “نزع” سلاح حزب الله إلى “حصره” بيد الدولة، قبل أن يستقرّ على صيغة أكثر مرونة: “احتواؤه”.
قد يبدو الأمر تفصيلاً لغوياً. لكن في بلدٍ اعتاد التسويات الرمادية، لا تُقرأ اللغة خارج السياسة. بين “النزع” و”الاحتواء” مسافة قانونية وسياسية واسعة. فهل تغيّر القرار فعلاً؟ أم تغيّر القاموس فقط؟
تراجع الإيقاع
بعد اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في نوفمبر 2024، سرعان ما تصدّر مصطلح “نزع” سلاح حزب الله التقارير الصحفية والخطابات السياسية في لبنان، بوصفه العنوان الطبيعي للمرحلة الجديدة.
لكن المسار لم يمضِ وفق الإيقاع نفسه. ففي 5 أغسطس 2025، صدر قرار الحكومة الذي كلف الجيش اللبناني وضع خطة لـ “حصر السلاح بيد الدولة”، هنا، تبدّل التعبير من “النزع” إلى “الحصر”.
وفي ديسمبر الماضي ترسّخ التحوّل أكثر، عندما شدد رئيس الحكومة نواف سلام على أن الخطة تقوم على “حصر السلاح جنوب الليطاني واحتوائه شماله”. هكذا تبدّل المسار: من “النزع”، إلى “الحصر”، ثم إلى “الاحتواء”.
ومع بداية عام 2026، أعلنت الحكومة إنجاز المرحلة الأولى جنوب نهر الليطاني، باستثناء النقاط التي لا يزال يتمركز فيها الجيش الإسرائيلي. غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو شكّك في الرواية اللبنانية، معتبراً أن الجهود التي تبذلها الحكومة اللبنانية والجيش لنزع سلاح حزب الله “مشجعة لكن غير كافية”، مشدداً على أن اتفاق وقف النار ينص على نزع سلاح الحزب بالكامل.
المصطلحات في ميزان القانون
في النقاش اللبناني حول السلاح، لا تبدو الكلمات مجرّد أدوات وصف. لكل مصطلح أثره القانوني وتبعاته السياسية.
المحلّل السياسي المحامي أمين بشير يشدّد على أن مصطلح “نزع السلاح” يحمل دلالة قانونية قاطعة. فهو يعني، برأيه، “إنهاء أي وجود لتنظيمات مسلّحة خارج إطار الدولة، واعتبار السلاح غير الشرعي جريمة قائمة بذاتها تستوجب معالجة حاسمة”. في هذه الحالة، “تكون الدولة في موقع القرار والتنفيذ، لا في موقع التفاوض أو التنظيم، ويغدو أي تأخير أو امتناع عن التسليم مخالفة صريحة تستدعي إجراءات إلزامية”.
في المقابل، فإن عبارة “حصر السلاح بيد الدولة” لا تتضمّن، وفق بشير، توصيفاً مباشراً لعدم شرعية السلاح ولا إعلاناً واضحاً عن وجود جرم. “فهي أقرب إلى مقاربة تنظيمية منه إلى إعلان قانوني حاسم. فإذا تأخّر طرف في تسليم سلاحه، تبقى المسألة ضمن إطار الترتيبات والمهل، ولا تنتقل تلقائياً إلى خانة التنفيذ القسري كما في حالة نزع السلاح”.
أما مصطلح “الاحتواء”، فيمثّل، كما يوضح بشير لموقع “الحرة”، المرحلة الأكثر مرونة. فهو يعني “إبقاء السلاح ضمن إشراف معيّن، من دون مسّ مباشر بملكيته أو وجوده”. ويصف هذا الخيار بأنه “إدارة للخلاف بدل حسمه”، معتبراً أنه يعكس توجهاً حكومياً لتخفيف حدّة المواجهة السياسية، ولو على حساب وضوح المرجعية القانونية.
“خلية نائمة”؟
العميد المتقاعد يعرب صخر يقرأ هذا التدرّج في المصطلحات كمؤشر سياسي لا لغوي. برأيه، الصيغة الأدق تبقى “نزع السلاح” كما نصّ عليها مجلس الأمن الدولي في القرار 1559، الذي دعا إلى حلّ جميع الميليشيات ونزع سلاحها، إلى جانب القرارين 1701 و1680، وهو ما ينسجم مع الدستور اللبناني الذي يكرّس حصرية السلاح بيد الدولة”.
ويرى صخر، في حديث لموقع “الحرة”، أن الانتقال إلى “حصر السلاح” قد يُفهم في سياق مراعاة التعقيدات الداخلية وموقف رئيس الجمهورية جوزاف عون الداعي إلى تجنّب “خدش شعور الحزب بعد هزيمته في الحرب الأخيرة”. إلا أن الانتقال إلى “الاحتواء”، في تقديره، يشكّل “التفافاً على جوهر المهمة المرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار والقرارات الدولية”.
الأخطر، بحسب صخر، أن “الاحتواء” يعني “عملياً تجميد السلاح لا استلامه، أي إبقاءه كخلية نائمة قابلة لإعادة التفعيل عند تبدّل الظروف”. وهنا لا يعود الفارق في المصطلحات تفصيلاً، بل يتحوّل إلى فارق في النتيجة: بين إنهاء الظاهرة أو إبقائها مؤجّلة تحت عنوان إدارة الأزمة.
في المقابل يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية شارل جبور، أن القضية ليست تبديل مصطلحات، بل “مسار سياسي وأمني بدأ جنوب الليطاني وانتقل إلى شماله، رغم رفض حزب الله واعتباره قرار الحكومة في 5 أغسطس بنزع سلاحه خطيئة”.
ويشير جبور، في حديث لموقع “الحرة”، إلى أن الحكومة “أقرت خطة المرحلة الثانية ضمن جدول زمني واضح، مؤكدة عدم التمييز بين جنوب الليطاني وشماله”.
ضغوط خارجية وداخلية
التحوّل اللغوي لم يأتِ في فراغ. فقد تزامن مع ضغط دولي متزايد لتكريس احتكار الدولة للسلاح، يقابله ضغط داخلي يخشى أن يؤدي للذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع حزب الله وبالتالي إلى انفجار سياسي وأمني لا تُحمد عقباه. بين هذين الحدّين، راحت المفردات تتبدّل، ومعها سقف المقاربة.
وأشار معهد ألما الإسرائيلي إلى أن خطاب “الاحتواء” لم يبقَ محصوراً في التداول اللبناني، بل بدأ يظهر أيضاً في أوساط مسؤولين أميركيين، على خلفية المخاوف من تصعيد مع إسرائيل نتيجة عدم نزع الجيش اللبناني سلاح الحزب جنوب الليطاني.
وأضاف المعهد إن “تصريحات المبعوث الأميركي الخاص توم باراك في نوفمبر 2025، التي أشار فيها إلى أنه من غير المرجّح أن تنجح الحكومة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله، أسهمت في دفع النقاش داخل لبنان نحو البحث في بدائل مخفَّفة لخيارات نزع السلاح الكامل”.
ويرى بشير أن الحكومة تعتمد خطابين متوازيين. الأول موجّه إلى الخارج، يستجيب للضغوط الداعية إلى حصرية السلاح بيد الدولة، والثاني موجّه إلى الداخل، يطمئن بيئة حزب الله إلى أن المقاربة لن تأخذ طابع المواجهة أو التجريم.
وبرأيه، فإن غياب قرار حكومي واضح بحلّ جميع الميليشيات، أدخل الملف في “متاهة المصطلحات”، وأبقى الدولة في موقع إدارة الأزمة بدل حسمها بانتظار تسوية إقليمية تعيد رسم حدود الممكن في الداخل اللبناني.
“خط أحمر”
في الجهة المقابلة، لا تبدو اللغة لدى حزب الله قابلة للتبديل. الأمين العام للحزب نعيم قاسم يكرّر أن السلاح “خط أحمر”، مؤكداً أن المشكلة ليست في وجوده، بل في الجهات التي تسعى إلى نزعه.
على المستوى التنفيذي، يسجّل صخر جملة ملاحظات بعد مرور سنة وشهرين على انطلاق مسار هذا الملف. فهو يعتبر أن المرحلة الأولى جنوب الليطاني “لا تزال موضع تساؤل”، وأن خطة المرحلة الثانية “جاءت متأخرة وغامضة لجهة المهل وآليات التنفيذ، إذ حُدّدت بأربعة أشهر قابلة للتمديد من دون وضوح كافٍ في التفاصيل”.
ويرى أن تحديد المهل “قرار سياسي تتقدّمه السلطة التنفيذية”، فيما يُدار الملف، بحسب توصيفه، “بصورة مركزية من رئيس الجمهورية دون إشراك الوزراء وحتى رئيس الحكومة، ما فرض على الجيش مساراً بطيئاً رغم قدرته على التقدّم بوتيرة أسرع”.
أما جبور فيعتبر أن سلاح حزب الله “انتهى في لبنان، سواء بوظيفته الإقليمية المرتبطة بإيران أو بصفته سلاح “مقاومة”.
كل ذلك يجعل المفارقة واضحة: الدولة تخفّف مفرداتها. الحزب يشدّد نبرته. وبينهما، يقف بلد معلّق على كلمة!



