حضارة إسلامية؟

هذا النص مُعاد تحريره عن حلقة من برنامج الكاتب الصحفي، إبراهيم عيسى، على منصات “الحرة” الرقمية، مع الحفاظ قدر الإمكان على حرفية الطرح كما قُدم على الشاشة.

أريد أن أتحدث عن فكرة الحضارة الإسلامية. وهناك سؤال يطرح نفسه: لماذا نتحدث عن “الحضارة الإسلامية”؟ هل توجد أي حضارة في الكون منسوبة إلى الدين إلا الحضارة الإسلامية؟ ولماذا ننسبها للدين؟ ولماذا هي وحدها من كل الحضارات منسوبة إليه؟

عندما نتحدث عن الغرب نقول “الحضارة الغربية”، وعن اليونان نقول “الإغريقية”، وعندما نتحدث عن السومرية أو الأشورية أو المصرية القديمة، لا نقول “حضارة أوزوريس” ولا “حضارة إيزيس”، ولا ننسبها للإله “رع”. نحن لا ننسب كلمة الدين إلى كلمة الحضارة على الدوام. الحضارات تُنسب عادةً إما لمنطقة جغرافية، أو لمجموعة من الشعوب، أو لزمن معين. فلماذا فقط الحضارة الإسلامية؟ ومن قرر إطلاق هذا الوصف على تلك الفترة التي شهدت زهو المنطقة وقوتها؟ لماذا لا تُنسب إلى زمانها أو جغرافيتها أو أهلها؟

الحضارة مقابل العقيدة

الإسلام ظل دينًا وعقيدة في قلوب معتنقيه وهو يخرج من الجزيرة العربية. لكن، هل في لحظة خروج الإسلام من الجزيرة العربية غزوًا إلى البلدان المجاورة، نستطيع أن نقول إنه كانت هناك “حضارة إسلامية”؟ الحقيقة أنه كان هناك مسلمون، لكن لم تكن هناك حضارة إسلامية.

ما هي مفردات الحضارة؟ نحن لا نتحدث هنا عن القيم الدينية أو الأخلاقيات، لأنها موجودة في كل الأديان، من المسيحية واليهودية إلى أديان شرق آسيا والديانة المصرية القديمة. مقومات الحضارة تعني التقدم التكنولوجي، والدولة ومؤسساتها، والعلوم، والقوانين، والتشريعات.

وعندما نذهب إلى المسلمين في الجزيرة وقت خروجهم للغزوات نحو العراق وسوريا، لا نجد حضارة؛ بل نجد أصحاب دين مؤمنين به وخارجين للغزو، شأنهم شأن غزو أي قبائل لقبائل أخرى.

بدأت الحضارة عند المسلمين العرب عندما ذهبوا إلى المناطق التي توجد فيها حضارة أصلًا، أي عندما دخلوا العراق وفارس، وهي منطقة حضارية قديمة، وعندما دخلوا مصر، وهي حضارة أعرق وأقدم، وعندما تماسوا مع حضارة الشام. هناك حصل “المزج” بين أصحاب الدين وأصحاب الحضارة، وهذا المزج أنتج ما نطلق عليه “الحضارة الإسلامية”.

وهنا سؤال مهم: هل الدين هو الذي أنتج الحضارة؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل المسيحية هي التي أنتجت الحضارة الغربية؟ وهل المعتقد المصري القديم هو الذي أنتج الحضارة المصرية؟ إذا كان معيار الدين هو الأساس، فلماذا لا تُسمّى الحضارات الأخرى بأسماء أديانها؟

ثم إذا كان الدين هو المنتج للحضارة، فلماذا نحن متدهورون اليوم رغم أن الدين ما يزال هو هو؟ لماذا أصبح المسلمون والعرب في ذيل القوائم العالمية في العلم والصناعة والطب والتعليم والعدالة رغم أن الإسلام ما يزال قائمًا؟

شعوب وأديان مختلفة

هناك حقيقة مهمة، وهي أن هذه “الحضارة الإسلامية” صنعها مجتمع كان فيه أيضًا “الموالي” وغير المسلمين، وهم شاركوا بدورهم في هذا التقدم الهائل.

وقد لعب غير العرب وغير المسلمين أدوارًا مفصلية في بناء هذه الحضارة، ابتداءً من الفرس الذين لعبوا دورًا كبيرًا جدًا، وهم من أسسوا شكل الدولة وتنظيم الكيان السياسي. حتى نظام الدولة المسلمة الذي وضعه عمر بن الخطاب مستعار من النظام الفارسي.

وهناك الأقباط أيضًا. وعندما نتحدث عن العمارة، نجد أن “العمارة الإسلامية” بدأت بالمسيحيين الأقباط؛ فجامع عمرو بن العاص بناه أقباط مصر. والأسطول البحري للمسلمين بناه الأقباط في مصر والروم في منطقة المتوسط مع معاوية. العرب لم يكونوا يعرفون بحرًا ولا سفنًا، فهم أبناء صحراء، وطرق البناء التي عرفوها في مصر وبغداد ودمشق ليست هي التي تعلموها في جزيرة العرب.

المسيحيون أيضًا شاركوا في بناء هذه الحضارة. فالعلم العربي أو الإسلامي بُني على الترجمة عن الإغريقية واليونانية. وعندما تنبه الخليفة المأمون لأهمية علوم اليونان قام بترجمتها، وكانت هذه نقطة الانطلاق لبناء فلسفة وطب وفلك ورياضيات. من قام بهذا العمل؟ حنين بن إسحاق وإسحاق بن حنين، وهما مسيحيان، وقد كانا قوام عملية انتقال الحضارة اليونانية إلى اللسان العربي.

اليهود أيضًا شاركوا، ولهذا لدينا عالم مثل موسى بن ميمون.

التعايش وجوهر الحضارة

هذا الكلام كله ليس انتقاصًا من المسلمين، بل بالعكس هو تأصيل لجوهر الإسلام الحقيقي، وهو التعايش والقدرة على الانصهار. المعنى الحقيقي هو أننا بشر، لا تفصلنا الأديان أو اللغات أو القوميات. الدين جزء من الحضارة بالتأكيد، لكن صناعة الحضارة ليست مهمة الأديان أصلًا.

نحن أمام مشهد مهم. فالجماعات الإسلامية والسلفيون لا يتحدثون عن “الحضارة”، بل عن “الخلافة” (بما تعنيه من مظاهر التسيّد العسكري والسياسي والجزية والخراج والتسلط). وعندما يريدون التباهي، يقولون “المسلمون علّموا العالم”، لكنهم يتجاهلون العلماء الحقيقيين.

المفارقة المروّعة أن هؤلاء الذين يتباهون اليوم بعلماء الحضارة الإسلامية في الطب والهندسة والفلك والكيمياء، هم أنفسهم الذين كفّروا كل هؤلاء العلماء. العلماء الذين كانوا الأعمدة الرئيسية للحضارة، يعتبرون “محض كفرة” عند من يتباهون بالخلافة الإسلامية اليوم.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading