من – أو ماذا – بعد خامنئي؟

أندريس إلفيس's avatar

لأن علي خامنئي قُتل في غارة جوية أجنبية، ولم يمت ميتة طبيعية، فإن مسار الخلافة يجري اليوم وفق قواعد مختلفة تماما. فبدلا من انتقال مسيطر عليه للسلطة داخل أروقة النظام، تجد إيران نفسها أمام صراع نفوذ مفتوح في زمن الحرب. بوسع الحرس الثوري الإيراني أن يستند إلى عملية الاغتيال والهجمات الأميركية – الإسرائيلية ليبرر الدفع نحو نظام حكم عسكري صريح، يعمل بصلاحيات طوارئ واسعة.

يتوقف مستقبل إيران السياسي الآن على تصادم ثلاثة مسارات رئيسية: صراع على القيادة، ومؤسسة أمنية تقاتل من أجل بقائها، ومجتمع مُنهك دفعت به سنوات القمع والانهيار الاقتصادي إلى مزيد من التطرف. فخلافة كان يمكن إجراؤها بهدوء في ظروف طبيعية قد تتحول بسهولة إلى سباق محموم على السلطة، بعدما أطاحت الضربات بقيادات عليا وألحقت أضرارا بمواقع أمنية رئيسية.

صراع القيادة

لا يزال السيناريو الأرجح هو ترتيب انتقال منضبط للسلطة داخل دوائر النظام، غير أن احتمال اتساع الدور العسكري أو احتدام الصراع داخل النخبة الحاكمة يظل قائما. ووفق الدستو، فإن الخطوة التالية تعود إلى مجلس خبراء القيادة المؤلف من 88 رجل دين، وهو الجهة المخوّلة باختيار المرشد الأعلى. وبحسب النصوص، يمكن للمجلس اختيار رجل دين واحد للمنصب أو تشكيل مجلس قيادة مؤقت.

في السيناريو المعتاد، يدير أركان النظام انتقالا مسيطرا عليه للسلطة خلف الكواليس، على أن يقتصر دور مجلس الخبراء على المصادقة على اسم جرى التوافق عليه بين كبار رجال الدين وقادة الأجهزة الأمنية الذين ما زالوا في مواقعهم.

أما الأسماء الثلاثة الأكثر تداولا، بترتيب تقريبي من الأكثر إلى الأقل احتمالا، فهي:
علي رضا أعرافي، فقيه بارز يضطلع بأدوار مؤثرة في مجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء، ويشغل موقع إمام جمعة في قم، المركز الديني الأهم في البلاد.
هاشم حسيني بوشهري، أحد أبرز وجوه رئاسة مجلس الخبراء والمؤسسة الدينية في قم.
مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، الذي يتمتع بنفوذ غير رسمي واسع، لكنه يواجه معارضة شعبية قوية لفكرة التوريث.

وتشمل الاحتمالات الأخرى:
غلام حسين محسني إجئي، رئيس السلطة القضائية وأحد المخضرمين في الدوائر الأمنية، ويُنظر إليه باعتباره أقرب إلى لعب دور “صانع الملوك” أو عضو في مجلس قيادة، أكثر من كونه مرجعية دينية منفردة.
محسن قمي ومحسن أراكي، وهما اسمان يترددان في أوساط طهران السياسية، لكن عادة ما يُصنفان ضمن خيارات الصف الثاني.
حسن الخميني، حفيد المرشد الأول، الذي يتمتع برمزية تاريخية، لكنه همِّش باعتباره غير مضمون سياسيا وربما أكثر استقلالية مما يرغب به التيار المحافظ.

في أجواء الحرب، قد يبدو أعرافي وبوشهري خيارين أكثر أمانا لكونهما يعدان بالاستمرارية. وبالمنطق ذاته، قد يُنظر إلى مجتبى أو إلى تشكيل مجلس قيادة جماعي باعتبارهما مغامرة غير محسوبة.

مؤسسة أمنية معبّأة

تضع الحرب الحرس الثوري في صدارة جميع السيناريوهات. فقد دخل هذه الأزمة وهو متغلغل بالفعل في الاقتصاد والجهاز البيروقراطي وبُنى السلطة المحلية، ويمتلك شبكاته الخاصة في الاستخبارات والإعلام. صحيح أن الضربات الأميركية – الإسرائيلية ألحقت أضرارا ببعض أصوله، لكنها منحت قادته في الوقت نفسه ذريعة لتعزيز مركزية القرار، والقول إن دولة يهيمن عليها الأمن وحده قادرة على حماية البلاد.

وقد يفضّل بعض كبار الضباط اليوم مرشدا دينيا ضعيفا من حيث النفوذ الفعلي، يقابله حكم غير معلن للحرس، أو الدفع نحو نظام تدير الدولة فيه مؤسسات الأمن القومي بصورة أكثر وضوحا. وقد يترجم ذلك في دعم شخصية مثل محسني إجئي، الذي تجمع مسيرته بين القضاء والأمن، أو في محاولة تحويل موقع المرشد إلى هيئة جماعية يشارك فيها جنرالات إلى جانب رجال دين.

المجتمع

تدخل إيران هذه المرحلة الانتقالية بعد انتفاضة اندلعت قبل شهرين فقط، وشهدت احتجاجات واسعة وسقوط أعداد كبيرة من القتلى، في مجتمع مُرهق ومنفصل عن النظام بعد سبعة وأربعين عاما من حكم الجمهورية الإسلامية.

في هذا السياق، فإن إدارة الخلافة في أجواء حرب، أو في أعقابهاـ وكأن شيئا لم يتغير، عبر الأسماء ذاتها الخاضعة لآليات تدقيق صارمة، مع استمرار القمع بقوانين الطوارئ، قد يشعل موجات احتجاج جديدة. وعلى النقيض، فإن أي مؤشرات، ولو محدودة، على توسيع دائرة المشاركة، أو تقاسم السلطة خارج التيار المتشدد، أو إصدار عفو عن معتقلين، قد تدفع المعارضة إلى رفع سقف مطالبها.

ما سيحسم المسار الآن خمسة عوامل رئيسية: الشخصية التي سيستقر عليها مجلس الخبراء؛ مدى اندفاع الحرس الثوري نحو توسيع نفوذه؛ حجم الاحتجاجات الشعبية وقدرتها على التنظيم في ظل الغارات الجوية وتعاظم قبضة الحرس؛ ما إذا كانت شبكات النخبة ستتوحد أم تتصدع؛ ومدة استمرار العمليات الأميركية – الإسرائيلية.

قد تبدأ العملية كانتقال ديني مُحكم للسلطة وسط حملة قصف، لكنها قد تنزلق، تحت ضغط الجنرالات أو الشارع أو القوى الخارجية، إلى حكم عسكري صريح أو إلى أزمة أعمق تضرب بنية الدولة نفسها.

أما المشهد الختامي، فقد يتراوح بين إعادة تشكيل جمهورية إسلامية لا تزال قادرة على الصمود، وبين صراع طويل وفوضوي على ما سيخلفها.

في عام 1989، انتُخب علي خامنئي مرشدا أعلى خلال أربع وعشرين ساعة من وفاة آية الله الخميني. أما اليوم، فنحن على وشك أن نكتشف إلى أي مدى ستكون هذه الخلافة مختلفة.

أندريس إلفيس

أندريس إلفيس هو مدير المبادرات الاستراتيجية في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال. وتشمل خبراته الصحفية عقدين في بي بي سي وراديو أوروبا الحرة.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading