في الشرق الأوسط، نادراً ما تأتي التحولات الكبرى من حيث يتوقعها المراقبون. فبينما انشغل كثيرون خلال العامين الماضيين بتفكيك إشارات التباين بين الرياض وأبوظبي، دفعت التحركات الإيرانية الأخيرة بسؤال مختلف إلى الواجهة: هل يمكن لتهديد خارجي متصاعد أن يعيد لُحمة البيت الخليجي؟ القراءة الواقعية تشير إلى أن هذا الاحتمال ليس بعيداً، بل إن سوابق المنطقة توحي بأن التصعيد الخارجي كثيراً ما أعاد ترتيب الأولويات داخل الخليج بصورة براغماتية باردة.
الخلاف السعودي-الإماراتي، كما قرأه معظم المحللين، لم يكن صداماً وجودياً بقدر ما كان تنافساً تكتيكياً على النفوذ ومسارات التحول الاقتصادي وأدوار الإقليم. غير أن تصاعد المواجهة مع إيران — سواء عبر الوكلاء أو من خلال ضربات مباشرة أو شبه مباشرة — بدأ يغيّر سلم الأولويات. في أدبيات العلاقات الدولية، ثمة مفهوم معروف يُشار إليه بتأثير “الالتفاف حول العَلَم”، ويصف ميل الدول إلى تضييق فجواتها البينية عندما تواجه تهديداً خارجياً مشتركاً. وقد أظهرت دراسات في هذا الحقل أن الدول المتقاربة جغرافياً، والمتشابهة في بنيتها الأمنية، والمستهدفة من مصدر ضغط واحد، تميل — ولو مؤقتاً — إلى خفض تناقضاتها الداخلية لصالح تنسيق دفاعي أوسع. والخليج اليوم يقترب كثيراً من هذه الشروط.
الهجمات الإيرانية المباشرة أو عبر الوكلاء على منشآت خليجية، سواء كانت نفطية أو مدنية، تحمل رسالة واضحة لعواصم المنطقة: التهديد لا يفرّق كثيراً بين العواصم عندما يتعلق بإعادة رسم ميزان الردع. تجربة هجوم أرامكو عام 2019 ما تزال حاضرة في الذاكرة الاستراتيجية الخليجية، إذ كشفت مدى ترابط البنية التحتية للطاقة وتشابك سلاسل الإمداد والعمق الاقتصادي بين دول المجلس. في مثل هذا السياق، يتكرس ما يسميه خبراء الأمن “المصير الأمني المشترك”، حيث يصبح استهداف جزء من المنظومة رسالة إلى الكل، لا حادثة معزولة يمكن احتواؤها محلياً.
الاقتصاد بدوره يفرض قدراً إضافياً من الواقعية. فالتنافس السياسي يمكن احتواؤه، لكن تهديد صادرات الطاقة أو اضطراب الممرات البحرية يضرب الجميع بلا استثناء. وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن أكثر من خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب هناك حدثاً يتجاوز حدود دولة بعينها ليصيب المنظومة الخليجية بأكملها. عند هذه النقطة، تتحول المنافسة البينية إلى رفاهية مكلفة، وتصبح الأولوية لإدارة المخاطر المشتركة.
ولا يمكن إغفال عامل واشنطن في هذه المعادلة. فالولايات المتحدة، بصرف النظر عن تبدل الإدارات، لديها مصلحة ثابتة في رؤية منظومة أمن خليجية متماسكة في مواجهة إيران. وقد أظهرت تجارب سابقة أن واشنطن تميل، عبر قنوات هادئة، إلى تشجيع التقارب الخليجي كلما ارتفع منسوب التهديد الإيراني. وبذلك لا يدفع التصعيد مع طهران دول الخليج نحو بعضها فحسب، بل يدفع أيضاً الحليف الأميركي في الاتجاه ذاته.
ومع ذلك، فإن الافتراض بأن التهديد الإيراني سيذيب جميع الخلافات الخليجية دفعة واحدة يبقى تبسيطاً مفرطاً. فالتنافس البنيوي بين الرياض وأبوظبي، خصوصاً في مجالات الاستثمار والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، مرتبط بتحولات اقتصادية عميقة لن تختفي حتى في ظل ضغط أمني مرتفع. كما أن المدارس الاستراتيجية داخل الخليج ليست متطابقة تماماً في مقاربتها لإدارة العلاقة مع إيران، سواء من حيث مستوى التصعيد المقبول أو أدوات الرد أو حدود الانخراط العسكري. هذا التباين يعني أن التنسيق الأمني قد يتقدم، لكن من دون أن يصل بالضرورة إلى تطابق سياسي كامل.
التاريخ الخليجي نفسه يقدم دليلاً إضافياً على أن التنسيق الدفاعي القوي لا يعني بالضرورة اندماجاً سياسياً شاملاً. فقد أظهرت تجارب سابقة قدرة دول المجلس على تعزيز تعاونها الأمني مع احتفاظ كل دولة بهوامش مناورة اقتصادية وسياسية واسعة. ومن المرجح أن أي تقارب قادم — إذا تسارع التصعيد الإيراني — سيكون براغماتياً ومحسوباً أكثر منه اندفاعاً وحدوياً عاطفياً.
السيناريو الأكثر ترجيحاً في حال استمرار التصعيد يتمثل في رفع مستوى التنسيق الدفاعي الخليجي، وتسريع مشاريع التكامل الجوي والبحري، وتهدئة الخطاب الإعلامي والسياسي بين الرياض وأبوظبي، مع بقاء التنافس الاقتصادي قائماً ولكن تحت السطح. بعبارة أخرى، قد نشهد ما يمكن وصفه بتحالف الضرورة لا تحالف الاندماج.
هنا تبرز المفارقة التي قد تبدو لافتة: فطهران، وهي تسعى إلى زيادة الضغط على الخليج، قد تسهم موضوعياً في إعادة رص صف خليجي شهد تباينات ملحوظة في السنوات الأخيرة. فالتهديدات الكبرى في الشرق الأوسط لا تعيد رسم خرائط النفوذ فحسب، بل تعيد ترتيب أولويات الدول أيضاً. وإذا تجاوز التصعيد الإيراني عتبة معينة من الخطورة، فإن ما فرّقته حسابات المنافسة قد تعيد جمعه حسابات الأمن.
ومع ذلك، فإن أي توحد خليجي محتمل لن يكون اندماجاً رومانسياً، بل اصطفافاً بارداً ومحسوباً تحكمه البراغماتية الصارمة. ففي منطقة اعتادت المفاجآت، تبقى القاعدة الأصدق أن الخطر المشترك لا يلغي التنافس، لكنه يجبره على التراجع خطوة إلى الخلف — على الأقل إلى أن تهدأ العاصفة.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

عبدالعزيز الخميس
عبد العزيز الخميس كاتب ومحلل استراتيجي متخصص في شؤون الخليج والشرق الأوسط وعلاقات القوى الإقليمية.


