بعد ساعات قليلة من أولى الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، السبت، وفي وقتٍ كانت صافرات الإنذار تدوي في سماء القدس، أجرى مراسلنا يحيى قاسم مقابلة مع الدكتور جاك نيريا، المستشار السابق للسياسة الخارجية لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحاق رابين، والضابط السابق في الاستخارات الإسرائيلية.
بطبيعة الحال، لم تجر المقابلة في ظروف اعتيادية. ففي أثناء الحديث، دوّت صافرات الإنذار أكثر من مرة، ما استوجب التوقف عن التصوير لفترات قصيرة. وما بين توقف قسري وآخر، قدّم نيريا قراءة استراتيجية للعملية، واضعًا إياها في سياق أوسع من مجرد رد عسكري مباشر.
يرى الدكتور جاك نيريا أن ما جرى لا يمثل بداية حرب جديدة بقدر ما هو استكمال لمسار لم يتوقف فعليًا منذ جولة المواجهة في يونيو الماضي. وبحسب تقديره، فإن الضربات السابقة كانت قد ألحقت ضررًا بالغًا بالبنية الجوية والعسكرية والنووية الإيرانية، إلى حدّ إبطاء البرنامج النووي مؤقتًا. غير أن التطورات اللاحقة، كما قال، أظهرت أن طهران أعادت ترتيب قدراتها النووية والباليستية، ما استدعى – من وجهة نظره – تحركًا إسرائيليًا–أميركيًا جديدًا.
وشدد نيريا على أن “الهدف الأول للضربات الجديدة كان أمنيًا بحتًا”، مشيرًا إلى أن البرنامج النووي والقدرات الباليستية الإيرانية يشكلان، بحسب تقديره، تهديدًا مباشرًا لإسرائيل. واعتبر أن العقيدة السياسية والأيديولوجية للنظام الإيراني، كما يراها، تقوم على عداء معلن لإسرائيل والولايات المتحدة، وهو ما يجعل – في رأيه – تجاهل هذه القدرات خيارًا غير ممكن.
وفي معرض حديثه، شدد على أن ترتيب الأهداف واضح: أولًا الملف النووي، ثم البرنامج الباليستي، ثم شبكة الوكلاء الإقليميين المرتبطة بطهران، من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن. وأوضح أن “أيّ تغيير محتمل في بنية النظام الإيراني سيؤثر بشدة على توازنات الشرق الأوسط”.
وعن احتمالات التصعيد، أشار نيريا إلى أن منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية تعمل بكفاءة عالية، مؤكدًا أن نسبة اعتراض الصواريخ مرتفعة جدًا، في إشارة إلى قدرة إسرائيل على احتواء الردود الإيرانية.
ومع ذلك، تخلل دويّ صافرات الإنذار المقابلة، ما يعكس واقعًا أمنيًا شديد الحساسية والخطورة.
سياسيًا، رفض نيريا تفسير العملية باعتبارها خطوة مدفوعة باعتبارات انتخابية داخلية في إسرائيل،معتبرًا أن أي رئيس حكومة إسرائيلي كان سيتعامل مع التهديد الإيراني بالجدية نفسها، نظرًا لما تمثله إيران من عنصر مركزي في العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ سنوات.
وفي مقاربته الأوسع، رأى أن العملية قد تعيد رسم خطوط الاصطفاف في المنطقة، معتبرًا أن تقليص النفوذ الإيراني – إن تحقق – قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وإقليمية جديدة، وربما يعيد تشكيل موازين القوى التقليدية.
بهذا المعنى، لا تبدو «Epic Fury»، وهم الاسم الذي أطلقته الولايات المتحدة على الهجوم، بنظر نيريا حدثًا معزولًا، بل محطة ضمن صراع طويل ومفتوح، تتقاطع فيه الأبعاد الأمنية والعسكرية مع رهانات سياسية وإقليمية أوسع. وبين صوت الصافرات وتحليلات الاستراتيجيا، بدت اللحظة محمّلة بأسئلة أكبر من الضربة نفسها: إلى أي مدى يمكن أن تتدحرج المواجهة؟ وهل ما يجري هو إعادة ضبط للتوازن أم بداية لتحول أعمق في معادلات المنطقة؟
إليكم المقابلة الكاملة:

الحرة



