تعيش إيران أخطر أزمة منذ ثورة عام 1979، بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربات الإسرائيلية والأميركية على طهران. فعلى وقع استمرار الهجمات على أراضيها، يسود الغموض بشأن من يتولى الخلافة إضافة إلى توترات داخلية متزايدة.
ورغم وقع الصدمة التي أحدثها مقتل خامنئي، حذر خمسة مسؤولين ومحللين إقليميين من توقع حدوث انهيار سريع. ولفتوا إلى أن النظام السياسي الإيراني أسس بطريقة تحول دون الاعتماد على زعيم واحد، وذلك بتوزيع السلطة على المؤسسات الدينية والأجهزة الأمنية وشبكات النفوذ.
وقال داني سيترينوفيتش، من المجلس الأطلسي، إن “النظام الإيراني أكبر من أن يتوقف على رجل واحد، القضاء على خامنئي ربما يقوي النظام بدلاً من إضعافه”.
وذكر علي هاشم، الباحث المنتسب في جامعة رويال هولواي في لندن، “بُني النظام إيران ليصمد أمام فقدان زعيم. مكمن الخطر ليس في الفراغ، بل في ما إذا كانت الحرب والضغوط ستدفع النظام إلى ما بعد نقطة صموده”.
ويمثل الحرس الثوري الإيراني ركنا أساسياً في تماسك النظام، ويُعتبر منذ فترة طويلة مركز الثقل الحقيقي لإيران. ويتوقف ميزان القوى الآن على ما إذا كان الحرس سيخرج منه أضعف بفعل الخسائر في ساحات المعارك والخلافات الداخلية، أم أكثر رسوخا، موحدا صفوفه حول نهج أكثر صرامة وأمنية في الحكم.
واعتبر أليكس فاتانكا، الباحث الكبير في معهد الشرق الأوسط، أن “السؤال الحقيقي هو ما إذا كان موت خامنئي من شأنه أن يقضي على الحرس الثوري الإيراني، القوة التي تدير إيران فعليا، أم أنهم سيعيدون تنظيم صفوفهم ويتشددون. إذا قرر المسؤولون في المستويات الأدنى أنه لا مستقبل لهم هنا، فلست متأكدا من أن الحرس الثوري سيكون قادرا على الحفاظ على النظام”.
ويرجح مسؤولون إقليميون ألا يتحول الحرس الثوري أيديولوجيا لأن هويته في الأساس لحماية الثورة. لكنهم يمتلكون القدرة على التطور التكتيكي إذا اقتضى النظام ذلك.
وقال أحد المسؤولين “قد يتطورون إلى قوة أقل تشددا… فهناك أعضاء واقعيون من المستوى المتوسط منفتحون على خفض التوتر مع الولايات المتحدة حال تطلب الأمر لضمان بقاء النظام”.
تغيير النظام؟
قال جوناثان بانيكوف، نائب مسؤول المخابرات الوطنية الأميركية السابق للشرق الأدنى، إن واشنطن وإسرائيل تتبعان فيما يبدو استراتيجية تهدف ليس فقط إلى إضعاف قدرات إيران العسكرية على الرد، بل إلى زعزعة استقرار النظام نفسه من خلال إقصاء قيادته العليا واختبار ولاء أفراده.
وأضاف إن نجاح هذا النهج سيعتمد في النهاية على ما إذا كانت قوات الأمن ستتنحى جانبا أم تنشق إذا عادت الاضطرابات العامة إلى الظهور.
وفي أعقاب الهجمات مباشرة، يقول مسؤولون إن الأولوية القصوى لطهران هي إظهار الاستمرارية. ومن الناحية العملية، لا يزال هيكل القيادة الإيرانية فعالا، وإن كان ذلك تحت ضغط شديد. وتعرضت القوة الصاروخية والدفاعات الجوية وكبار القادة لهجمات، لكن النظام يستوعبها حتى الآن.
ويقول المسؤولون إن إيران تواجه الآن ثلاثة اختبارات متداخلة، وهي ما إذا كان نظامها الأمني قادرا على الاستمرار تحت القصف، وما إذا كانت نخبتها المحاصرة قادرة على الاتفاق على خليفة لخامنئي أو التحول إلى هيكل جديد للحكم، وما إذا كان الجمهور المضطرب سيدفع الأزمة نحو انقسام سياسي أعمق.
وأعلن علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الأحد، أن مجلس قيادة مؤقت سيشرف على الفترة الانتقالية بعد موت خامنئي.
ويُنظر إلى شخصيات مثل لاريجاني ومحمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، على أنها شخصيات محورية محتملة في مثل هذه المرحلة، مما يعكس نهجا أمنيا عمليا متوازنا.
ومن الناحية السياسية، تواجه إيران عملية انتقال للسلطة لم تمر بها سوى مرة واحدة من قبل، وفي ظروف أكثر استقرارا بكثير. ويسند الدستور هذه المهمة إلى مجلس الخبراء، وهو هيئة دينية مكونة من 88 عضوا، لكن المحللين يقولون إن ضغوط الحرب قد تدفع العملية نحو نتيجة أقرب إلى عدم التخطيط، وهي إما تعيين خليفة سريعا وإما قيادة جماعية مؤقتة تتمحور حول المؤسسة الأمنية.
وقالوا إن خامنئي سعى إلى تشكيل ملامح هذه النتيجة قبل موته. وبعد حرب استمرت 12 يوما مع إسرائيل في يونيو الماضي، رشح خامنئي من يفضل أن يخلفوه وضمن شغل المناصب العسكرية الرئيسة بقادة احتياطيين.
ومن المرشحين الذين فضلهم خامنئي، رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني أجئي وحسن الخميني، وهو رجل دين معتدل وحفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية.
لكن المسؤولين يقولون إن الهيئة الدينية قد تؤجل اختيار خليفة لخامنئي خشية اغتياله.
خط النهاية.. بعيد
تُشير إسرائيل إلى أن الحملة بعيدة عن نهايتها. وقال مصدران أُطلعا على العملية إن إسرائيل تعتزم مواصلة توجيه ضربات لمؤسسات سياسية وأمنية مرتبطة بالمؤسسة الحاكمة في إيران، وكذلك لأنظمة الصواريخ الباليستية ومنصات الإطلاق، في مسعى لإضعاف الدولة وتهيئة الظروف لتغيير النظام.
ونقلت رويترز عن أحد المصادر قوله إن إسرائيل ترغب في استمرار الحملة على الأقل لحين تدمير قدرات إيران الصاروخية، لكنها تخشى أن تُنهى مبكرا إذا توصلت واشنطن إلى اتفاق مع طهران.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية مارمورشتاين لرويترز إن “الهدف واضح جدا: إزالة تهديد وجودي لدولة إسرائيل. ذلك التهديد هو النظام الإيراني. ليست لدينا خصومة مع الشعب الإيراني”.
وقال مسؤول كبير لديه معرفة مباشرة بالتخطيط العسكري الإسرائيلي-الأميركي المشترك إنه من المبكر جدا التنبؤ بالنظام السياسي الذي ربما يتشكل في إيران، مشيراً إلى أن الحملة لا تزال في مراحلها الأولى وأن النتائج ستعتمد على المستجدات على الأرض.
وتابع المسؤول أن الحفاظ على وتيرة الضربات وكثافتها أمر بالغ الأهمية لاستغلال الشروخ داخل إيران وداخل الحرس الثوري الإيراني عقب مقتل قادة كبار، ورفض الخوض في تفاصيل حول الشكل الذي ربما يبدو عليه انهيار في القيادة.
ومع تحرك قوات عسكرية أجنبية فوق الأجواء الإيرانية وتراجع قدرة الدولة على فرض سلطتها بالقوة، يقول محللون إن القلاقل ربما تحتدم إذا ما عادت احتجاجات واسعة مناهضة للحكومة للظهور، بما يثير احتمال حدوث انشقاقات داخل قوات الأمن ويمنح ظهورا لشخصيات مدنية تدعو إلى التغيير.



