مع إطلاق حزب الله صواريخه على إسرائيل، عاد شبح التصعيد ليخيّم على لبنان، خصوصاً بعد الردّ الإسرائيلي السريع عبر شن غارات جوية على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى، والذي ترافق مع تهديدات بجعل حزب الله يدفع “ثمناً باهظاً”.
وسط هذا المشهد المتسارع، وجدت الحكومة اللبنانية نفسها أمام اختبار حاسم. فأعلنت، اليوم الاثنين، قراراً بحظر أي نشاط عسكري أو أمني لحزب الله داخل الأراضي اللبنانية، وإلزامه بتسليم سلاحه، في خطوة تهدف إلى إعادة تثبيت مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، ومحاولة تحييد لبنان عن تداعيات صراع لا يملك ترف الانخراط فيه.
القرار، الذي وصفه مؤيدوه بـ”التاريخي” و”الجريء”، فتح باباً واسعاً من السجال السياسي. فبينما اعتبره البعض متأخراً ولا يرقى إلى مستوى التحديات الراهنة، رأى آخرون أنه يشكّل بداية مسار تصحيحي طال انتظاره، شرط أن يُستكمل بخطوات تنفيذية واضحة.
في هذا المناخ المشحون، تباينت مواقف النواب الذين تحدّثوا إلى موقع “الحرة”، بين تشكيك في قدرة الحكومة على ترجمة قرارها عملياً، وتساؤلات حول توقيته وإمكان تطبيقه، ودعوات إلى الإسراع في وضع آليات تنفيذية واضحة تضمن ألّا يبقى القرار حبراً على ورق.
“عمل إرهابي”
النائب سينتيا زرازير اعتبرت أن إطلاق حزب الله للصواريخ “عمل إرهابي”، قائلة إن الحزب “ورّط لبنان مرة جديدة، وجرّ شعبه إلى أزمة سيكون الخروج منها بالغ الصعوبة”.
وانتقدت زرازير في حديث مع موقع “الحرة” قرار الحكومة القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله وإلزامه بتسليم سلاحه، باعتباره “ضعيفاً وخجولاً إلى أقصى الحدود”، معتبرةً أنه “كان يفترض أن يكون أكثر حسماً في التعاطي مع الأعمال الإرهابية التي تورّط لبنان، وألا يقتصر على الجناح العسكري للحزب، بل أن يشمل كذلك جناحه السياسي مع محاسبة كل من تورّط وأوصل البلاد إلى هذه المرحلة”.
وأضافت إن القرار كان يجب أن يصدر في وقت سابق، وأن يكون منسجماً مع ما ورد في البيان الوزاري وخطاب القسم، “لا أن يُترك إلى اللحظة الأخيرة”.
وختمت بالقول “أعتقد أن الأوان قد فات. لا تنفع محاولة التذاكي الآن. كان يمكن أن تكون الحكومة أكثر حكمة وتتفادى كارثة بشرية جديدة على لبنان، لكن للأسف لم يحصل ذلك”.
وفي مقابل هذا الموقف الذي رأى في القرار خطوة متأخرة وغير كافية، برزت داخل المجلس النيابي مقاربة مختلفة اعتبرت أن الحكومة، وإن تأخرت، إلا أنها وضعت أخيراً الأساس لتحرك فعلي على الأرض.
غطاء سياسي للجيش
النائب الدكتورة نجاة عون وصفت قرار الحكومة بأنه “جريء”، معتبرةً أنه وضع حداً لأيّ دور أمني أو عسكري يمكن أن يقوم به الحزب خارج إطار الدولة، وسحب منه المبررات التي كان يستند إليها للإبقاء على سلاحه.
وقالت لـ”الحرة” إن القرار منح الجيش اللبناني غطاءً سياسياً واضحاً للشروع في تنفيذ عملية نزع السلاح شمال نهر الليطاني، بعد أن أنجز ما كان قادراً عليه جنوبه، مشيرة إلى أن الدعم السياسي سيعزّز قدرة المؤسسة العسكرية على التنفيذ بحزم في حال رفض الحزب تسليم سلاحه.
وفي سياق متصل، انتقدت عون إقدام حزب الله على إطلاق صواريخ من داخل الأراضي اللبنانية، رغم التحذيرات المتكررة من رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام من جرّ البلاد إلى حرب. ووصفت إطلاق الصواريخ بأنه “وقاحة”، مشددة على أن الحزب “يتصرف وفق إملاءات إيران من دون تقدير لتداعيات أفعاله وانعكاساتها المدمّرة على لبنان”.
وشدّدت على أن غالبية اللبنانيين عبّروا عن رفضهم القاطع لاستمرار هذا الواقع، داعية إلى وضع حدّ نهائي لأي نشاط أمني أو عسكري خارج سلطة الدولة.
وإذا كانت عون قد ركّزت على أهمية الغطاء السياسي للجيش وآليات التنفيذ، فإن قراءة أخرى ذهبت أبعد في توصيف القرار باعتباره محطة مفصلية تعيد رسم حدود السلطة والسيادة.
“قرار تاريخي”
عضو تكتل الجمهورية القوية النائب غادة أيوب رأت أن “قرار الحكومة اللبنانية يُكرّس مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، ويضع حظراً واضحاً لا لبس فيه على النشاطين العسكري والأمني لحزب الله على كامل الأراضي اللبنانية”، مشددة على أن المسألة لم تعد مرتبطة بجنوب الليطاني أو شماله، بل أصبحت مرتبطة بكيفية التنفيذ.
وأوضحت أيوب، في حديث لموقع “الحرة”، أن الأنظار تتجه اليوم إلى آلية تحرّك الجيش اللبناني وسائر الأجهزة الأمنية والعسكرية لتنفيذ هذا “القرار التاريخي”، سواء على المستوى الأمني أو القضائي. واعتبرت أن المرحلة المقبلة “تستوجب مداهمات ومصادرة أسلحة، ومنع أي عمليات نقل أو إعادة بناء للترسانة العسكرية، إضافة إلى التصدي لأي محاولة لإطلاق صواريخ أو تنفيذ أعمال أمنية من الداخل اللبناني باتجاه الخارج، وإنزال العقوبات بحق من أصدر الأوامر ومن نفّذها”.
ورداً على سؤال عمّا إذا كان الوقت قد فات، قالت أيوب إن الحكومة حاولت سابقاً “تحكيم لغة العقل” مع مكوّن لبناني، إلا أن الوقائع أثبتت أن “هذا المكوّن مرتبط مالياً وتنظيمياً بإيران ولا يأتمر بقرار الدولة اللبنانية”.
واعتبرت أن قرار الحكومة كان ينبغي أن يُتخذ ويُنفَّذ منذ عام 1991. مشيرة إلى أنه مع سقوط الوصايات التي تعاقبت على لبنان، من نظام الأسد إلى نظام خامنئي، وانتفاء العوامل التي كانت توفّر غطاءً سياسياً أو إقليمياً للحزب.
الحياد أولاً
أما عضو كتلة “اللقاء الديمقراطي” النائب وائل أبو فاعور، فاكتفى في اتصال مع موقع “الحرة” بالقول “علّق وليد بك ونكتفي بتعليقه”.
وكان الرئيس السابق لـ”الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط قد دعا، في منشور عبر منصة “إكس“، إلى البقاء على الحياد في ظل “المواجهة الهائلة التي تجري في المنطقة”، معتبراً أن إطلاق الصواريخ “لن يجلب إلا مزيداً من الخراب والدمار”، داعياً إلى التضامن مع الجيش اللبناني.
وفي حديث صحفي، اعتبر جنبلاط أن “نعيم قاسم يتصرف بأمر إيراني على حساب لبنان”، واصفاً قرار الحكومة بأنه “ممتاز”.



