عادت الضاحية الجنوبية لبيروت إلى قلب المواجهة بين إسرائيل وحزب الله بعد أشهر من بقائها خارج دائرة الاستهداف بفعل ضغوط أميركية.
هذه العودة فرضها قرار للمجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر “الكابينت” منح من خلاله الجيش الإسرائيلي صلاحية استهداف الضاحية رداً على أي صاروخ يُطلق من لبنان ويعبر إلى داخل إسرائيل من دون الحاجة إلى مصادقة استثنائية من القيادة السياسية، كما ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية.
وجاء القرار بعد أيام قليلة من إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أن أي استهداف لشمال إسرائيل سيقابله استهداف للضاحية، بالتزامن مع محاولات إيرانية لتكريس معادلة تقوم على الرد على قصف الضاحية باستهداف إسرائيل.
وسرعان ما انتقلت هذه التهديدات من مستوى التصريحات إلى الميدان، بعدما شنّت إسرائيل، الأحد الماضي، غارات على الضاحية الجنوبية عقب إطلاق صاروخين من لبنان.
وفي المقابل، سارعت إيران إلى قصف أهداف داخل إسرائيل، قبل أن تنفّذ الأخيرة ضربات محدودة على إيران، في ظل تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمنع انزلاق المواجهة إلى حرب واسعة.
وقد جاء قرار “الكابينت” في وقت كثّف فيه حزب الله استخدام المسيّرات المتفجرة ضد أهداف في شمال إسرائيل، في ظل استمرار التحدّيات التي تواجهها إسرائيل في إيجاد وسائل تقنية فعّالة للحدّ من هذا التهديد.
وأطلق حزب الله الأربعاء وصباح الخميس مسيّرات من لبنان باتجاه بلدات الشمال، واعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن ذلك يشكل “انتهاكاً صارخاً” لاتفاق وقف إطلاق النار.
هذا التصعيد المتسارع، أعاد طرح تساؤلات حول ما إذا كانت الحرب بين حزب الله وإسرائيل دخلت مرحلة جديدة تتبدّل فيها قواعد الاشتباك التي سادت خلال الأشهر الماضية، بما ينذر بتحوّلات أوسع في طبيعة المواجهة.
لماذا الضاحية؟
تكتسب الضاحية الجنوبية أهمية خاصة في حسابات الحرب، إذ تُعدّ المعقل السياسي والشعبي الأبرز لحزب الله، ومنها تُدار مؤسسات الحزب السياسية والاجتماعية والإعلامية.
وتنظر إسرائيل إلى الضاحية باعتبارها إحدى أهم أوراق الضغط على حزب الله، نظراً لما تمثّله من قيمة رمزية في بنيته التنظيمية وحضوره الداخلي، فيما يتعامل الحزب مع أي استهداف لها على أنه يمسّ بمكانته ونفوذه داخل البيئة التي تشكل قاعدته الأساسية.
وتقول الكاتبة والمحللة السياسية سوسن مهنا لموقع “الحرة” إن “منح الجيش الإسرائيلي صلاحية استهداف الضاحية من دون العودة إلى المستوى السياسي، يعني تفويضاً مسبقاً للقيادة العسكرية بتنفيذ الضربات فوراً من دون انتظار قرار حكومي جديد، ما يسرّع الرد ويقلّص هامش التردد السياسي، ويرفع مستوى الجهوزية للتصعيد”.
ويعني ذلك عملياً تقليص الفاصل الزمني بين أي هجوم ينطلق من لبنان والرد الإسرائيلي عليه، بما يمنح المؤسسة العسكرية قدرة أكبر على التحرك وفق اعتبارات ميدانية مباشرة.
ويرى الكاتب والباحث السياسي الدكتور مكرم رباح أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن “الخطة العسكرية تحظى بغطاء وموافقة من الحكومة الإسرائيلية”، معتبراً في حديث لموقع “الحرة” أن “إسرائيل ماضية في تصعيدها في ظل عجز الدولة اللبنانية، حتى الآن، عن ضمان التزام حزب الله بتسليم سلاحه”.
إيران بين الرسالة والردع
ومع إعلان إسرائيل معادلتها الجديدة، عملت طهران على إرساء معادلة أخرى مفادها “الضاحية مقابل إسرائيل”.
وتعتبر مهنا أن هذا الموقف يمثل “رسالة بأن طهران تعتبر الضاحية جزءاً من خطوطها الحمراء الاستراتيجية، وتسعى لمنع إسرائيل من فرض قواعد اشتباك جديدة على حساب حلفائها، مع محاولة الحفاظ على مستوى منضبط من التصعيد لتجنب حرب شاملة”.
لكن الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد جورج نادر يشكك في فعالية الرد الإيراني على استهداف الضاحية، متسائلاً “إذا كانت إيران تريد الردع فعلاً، فلماذا لم ترد عندما استهدفت إسرائيل الضاحية الجنوبية قبل حوالي الأسبوعين مُحاولةً اغتيال أحد قياديي حزب الله؟”.
ويعتبر نادر في حديث لموقع “الحرة” أن الرد الإيراني الأخير لا يشكل قوة ردع حقيقية في مواجهة إسرائيل، بل يندرج في إطار “توجيه رسالة سياسية تؤكد ترابط الساحتين اللبنانية والإيرانية”.
أما رباح فيرى أن طهران تنظر إلى الضاحية باعتبارها “ورقة نفوذ إقليمية تسعى إلى الاحتفاظ بها على طاولة المفاوضات في إسلام أباد”.
وكانت وسائل إعلام إسرائيلية نشرت الأربعاء مقطع فيديو للرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وجّه خلاله رسالة إلى الرئيس جوزاف عون والشعب اللبناني، قائلاً “أمد يد السلام إلى رئيس لبنان والشعب اللبناني، لكن عليكم أن تحافظوا على لبنان حراً من النظام الإيراني وحزب الله، وأن يبقى لبنان دولة مستقلة ذات سيادة.”
وأضاف “لدي حلم في السفر إلى بيروت، شريطة أن يكون مستقبل لبنان في بيروت، لا في طهران”.
لكن عون شدد على أن الهدف من المفاوضات مع إسرائيل هو “استعادة الدولة لوجودها، بحيث لا يبقى اللبنانيون تابعين لأي كان، أكان من خلال سلطة وصاية او من خلال تفاوض أحد باسمنا”، وأضاف “نحن أصحاب قرار ولبنان دولة ذات سيادة”.
خيارات الحزب
في ظل الواقع الجديد، يواجه حزب الله تحدّياً يتعلق بكيفية التعامل مع الضغوط المتزايدة من دون السماح بتكريس وقائع جديدة على الأرض. وتقول مهنا إن الخيارات المتاحة أمام الحزب تتمثل في “رفع كلفة استهداف الضاحية عبر ردود مؤلمة ومباشرة، أو توسيع نطاق الردع ليشمل أهدافاً أكثر حساسية، أو العمل سياسياً ودبلوماسياً لوقف التصعيد. أما الاكتفاء بردود محدودة فقد يساهم في ترسيخ المعادلة الجديدة”.
في المقابل، يرى نادر أن الحزب يواجه ظروفاً مختلفة عما كانت عليه في مراحل سابقة من الصراع، مشيراً إلى أنه “فقد جزءاً مهماً من قدراته العسكرية خلال الحرب، سواء على مستوى القوة الصاروخية أو الكوادر العسكرية ذات الخبرة”، ويقول إن “المقاتلين الذين يواجهون القوات الإسرائيلية اليوم، رغم اندفاعهم واستعدادهم للقتال، لا يملكون الخبرة نفسها التي كانت لدى الكوادر السابقة، ما لا يتيح للحزب تعديل المعادلات التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها”.
ومن جهته، أعلن نتيناهو أن الجيش الإسرائيلي قضى حتى الآن على نحو 10 آلاف عنصر من حزب الله، مشدداً على أن الحزب “أضعف من أي وقت مضى”.
ويرى رباح أن حزب الله لا يملك في المرحلة الحالية “سوى خيار محاولة الصمود في مواجهة الضغوط العسكرية الإسرائيلية، معوّلاً على متغيّرات سياسية وإقليمية قد تفضي إلى تبدل المشهد القائم، أكثر من اعتماده على قدرته على إحداث تغيير في الوقائع الميدانية بنفسه”.
مرحلة جديدة
نجحت إسرائيل حتى الآن في تثبيت معادلة “الضاحية مقابل شمال إسرائيل” كما يقول نادر، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن “إسرائيل لا تلتزم بقواعد اشتباك ثابتة أو بقيود ميدانية، مستفيدة من تفوقها العسكري والتكنولوجي وسيطرتها الجوية الكاملة على الأجواء اللبنانية، ما يتيح لها استهداف أيّ هدف في الوقت الذي تريده ومن دون أن تواجه رادعاً فعلياً”.
كذلك يؤكد رباح أن إسرائيل نجحت في تثبيت معادلات جديدة على الأرض، مشيراً إلى “أنها تتخذ قراراتها وفق حساباتها الخاصة، وأن التطورات الأخيرة أظهرت أن هامش حركتها لا يخضع لما تريده أو تقرره واشنطن”.
ويختلف المشهد الحالي عن ذلك الذي ساد خلال الأشهر الماضية، وتقول مهنا “كانت هناك خطوط حمراء غير معلنة تحكم سلوك الأطراف، أبرزها تجنب استهداف مراكز الثقل الرئيسة بشكل متكرر أو تحويل أي حادث ميداني إلى مواجهة مفتوحة. أما اليوم، فالمشهد يبدو مختلفاً؛ إذ نشهد توسّعاً في بنك الأهداف، وارتفاعاً في سقف التهديدات، واستعداداً أكبر للرد على الهجمات بخطوات كانت تُعتبر سابقاً تصعيدية للغاية”.
وتضيف مهنا “نحن أمام مرحلة انتقالية تتآكل فيها قواعد الحرب السابقة تدريجياً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الانزلاق الفوري إلى حرب شاملة، بل إلى واقع أكثر هشاشة وخطورة تكون فيه احتمالات سوء التقدير والتصعيد أكبر من أي وقت مضى”.



