بالكثير من الإصرار والعنف والمشهدية، تعيد إسرائيل، بدعم أميركي قوي، صياغة الشرق الأوسط لتنهي الصراع القاسي وشديد الاستنزاف الذي يدور منذ نحو ثمانين عاما بينها وخصومها الكثيرين والمتغيرين في المنطقة على مدى هذه العقود. كان السابع من أكتوبر، موعد الهجوم الواسع والمفاجئ الذي شنته حماس في صبيحة ذلك اليوم الدموي في غلاف غزة، المناسبة التي اتاحت لاسرائيل هذه الفرصة النادرة لإعادة تشكيل حاسمة ولصالحها هذه المرة بخلاف المحاولات السابقة التي انتهت اما بنجاح جزئي وخجول او فشل ذريع وواضح. يمكن الاستشهاد هنا باتفاقية كامب ديفيد في 1979 التي أنتجت سلاماً بارداً وانفتاحاً محدوداً بين اسرائيل ومصر وانتهت ثلاثة عقود من المواجهة بين الاثنين وبمسار مدريد الذي دُشن في التسعينات القائم على صيغة الأرض مقابل السلام بما عنته هذه الصيغة الجريئة والطموحة حينها من إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة الى جانب اسرائيل، في اطار حل عادل للقضية الفلسطينية.
الخلفية التي قادت للفشل
كان “مسار مدريد” الذي رعته الولايات المتحدة الأميركية واعداً وجدياً لأنه تضمن، لأول مرة، الالتزام العلني والرسمي للعالم العربي، بدوله المختلفة خصوصاً سوريا ولبنان والاردن، (او ما عُرف حينها بدول المواجهة او الطوق) بصناعة سلام حقيقي ودائم مع إسرائيل والتعاون معها مقابل استرداد أراض لها احتلتها الاخيرة وتخلي هذه الدول — ومعها بقية العالم العربي — عن فكرة “المقاومة المسلحة” لإسرائيل. منذ البداية، اعترضت هذا المسار عقبات جدية بينها الارتياب المتبادل بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية الجديدة التي نشأت بدعم دولي في ظل اتفاق أوسلو 1993 كاحد نتائج هذا المسار، وسوء ادارة هذه السلطة للشؤون الفلسطينية واستمرار الاستيطان الاسرائيلي في اراض فلسطينية برغم التحفظات الاميركية والاوروبية ضده.
لكن كان العامل الأهم الذي أطاح بمسار مدريد والترتيبات الكثيرة الناشئة عنه هو التقويض الإيراني المستمر والمنهجي له عبر تشكيل الجمهورية الإسلامية محور مقاومة إقليمي تصدره حزب الله اللبناني لضمان فشل هذا المسار. بدعم من إيران وتدريب من حزب الله في لبنان وقرار من حماس، تشكل الذراع العسكري لحماس “كتائب عز الدين القسام” في 1991 في العام نفسه الذي بدأ فيه مسار مدريد. تولت هذه الكتائب تنظيم عمليات انتحارية وعسكرية استهدفت مدنيين وعسكريين اسرائيليين، على مدى التسعينات، لتُظهر هذه العمليات عجز السلطة الفلسطينية التي قادتها “فتح” —الخصم الفلسطيني و”العلماني” لحماس الإسلامية— عن تنفيذ التزاماتها بمنع العنف الفلسطيني ضد إسرائيل. ساعد هذا العنف، الذي ازداد شراسة بمرور السنوات، على صعود اليمين الإسرائيلي —المشكك اصلاً بجدوى مسار مدريد والشراكة مع “السلطة الفلسطينية”— وتولي الجماعات الأكثر تشدداً فيه تالياً الحكم في إسرائيل. من هنا برزت بزعامة بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الاسرائيلي الأطول بقاءً في المنصب، نحو 17 عاماً…
إسرائيل بمواجهة أطراف المحور
في خطابه الشهير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر 2024، ذكر نتنياهو أن إسرائيل “مجبرة على الدفاعأن عن نفسها على ست جبهات حربية إضافية تقودها إيران.” شملت هذه الجبهات حماس وأنصارها في غزة والضفة الغربية وحزب الله في لبنان ونظام بشار الأسد والحوثيين والفصائل العراقية المسلحة. لم يكن هذا التركيز الإسرائيلي على إيران بوصفها العدو الأساسي الذي ينبغي مواجهته مباشرةً في إطار الرد على “طوفان الأقصى” اكتشافاً متاخراً او مجرد محاججة خطابية لتحشيد الدعم، بل كانت قراراً سياسياً اسرائيلياً مبكراً لقى دعماً اميركياً. فبعد نحو ثلاثة أسابيع من “طوفان الأقصى،” وصف نتنياهو في مؤتمر صحفي هذه العملية والرد الاسرائيلي بانه “نقطة تحول للزعماء والأمم” وان اسرائيل عبر قتالها ضد حماس و”محور الإرهاب الإيراني” إنما تقاتل “اعداء الحضارة” مانحاً هذه المواجهة بعداً عالمياً واخلاقياً، وهو الادعاء الذي تعرض لتقويض شديد بعد الاتهام الذي وجهته المحكمة الجنائية الدولية لاسرائيل بارتكاب ابادة جماعية في غزة.
لكن بالكثير من الاشتغال الصبور وتحديد الأولويات، استطاعت اسرائيل بدعم أميركي قوي، سياسي وعسكري، هزيمة خصومها أو تحييدهم في هذه الجبهات الست، واحداً بعد الآخر. كانت مواجهتها الأهم بهذا الصدد هي مع حزب الله، الطرف الأقوى والأشد تماسكاً في “محور المقاومة.” قاد الضغط العسكري الإسرائيلي الكبير على الحزب إلى تأثير الدومينو المفاجئ لصالح اسرائيل. فبسبب هذا الضغط المتواصل و المتصاعد على مدى أشهر خريف عام ،2024 أُضطر الحزب لسحب قواته من سوريا التي كانت تدافع عن نظام الأسد ما سهل على قوات المعارضة السورية الإطاحة بذلك النظام الحكم البعثي الحليف لايران. يمكن اعتبار التحول الاستراتيجي الأهم الذي صنعه الرد الإسرائيلي المتعدد الجوانب على هجوم السابع من أكتوبر هو التسبب، على نحو غير مباشر وربما ليس مخططاً له، بنهاية هذا النظام وانتقال سوريا السريع من معسكر “محور المقاومة” الى المحور الغربي. فقدان سوريا كانت الخسارة الأعظم التي تلقتها إيران، إذ فقدَ المحور امتداده الجغرافي المتصل من إيران مروراً بالعراق وسوريا وصولاً الى لبنان. كان هذا الاتصال الجغرافي يسمح لإيران بسهولة نسبية نقل المقاتلين والمعدات والأمور لحلفائها في المحور، خصوصاً في لبنان. بخروج سوريا من المحور أصبحت هذه المهمات كلها صعبة، فضلاً عن تراجع النفوذ الإيراني في لبنان، والضعف المتزايد الذي يشعره حزب الله نتيجة فقدانه خط الإمداد الرئيسي الذي كان يعتمد عليه.
إيران: البندقية الأخيرة والأقوى
هيأت كل هذه النجاحات الاسرائيلية السبيل للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع زعيمة المحور وراعيته الأولى، ايران، لكن هذه المواجهة تطلبت تنسيقاً أعلى مع الولايات المتحدة في النواحي اللوجستية والعسكرية، وضوءاً اخضر سياسيا منها كان صعباً الحصول عليه بسبب الاختلافات الإسرائيلية-الأميركية في كيفية التعاطي مع التحدي الإيراني. كانت أميركا تفضل حلاً دبلوماسياً، باستخدام الضغوط الاقتصادية والسياسية والتلويح بالضربات العسكرية، كي تفكك إيران طوعاً محورها الإقليمي وتتخلى عن خططها النووية العسكرية الطابع، وتُقيد برنامج صواريخها الباليستية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية ضدها ودمجها بالمجتمع الدولي، كدولة عادية بدون مشاريع اقليمية او طموحات عابرة للحدود. استفادت اسرائيل كثيراً من الأخطاء السياسية الإيرانية بتقديم تنازلات محدودة لاميركا تتعلق بالملف النووي فقط. قاد هذا التعنت الايراني الى ان يتحد الطرفان، أميركا وإسرائيل، في البدء بحملة عسكرية جوية شرسة ضد إيران، تفوق في شدتها الحملة التي شنتها إسرائيل بمفردها في حرب الاثني عشر يوماً في حزيران 2025.
تبدو فعالية هذه الحملة المشتركة واضحة عبر نجاحها المبكر، منذ ساعتها الأولى، في اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، والعشرات من الزعماء الأمنيين والسياسيين. ربما بخلاف إسرائيل، تُعوِّل ادارة الرئيس دونالد ترامب على مرشد أعلى جديد، يُنتخب سريعاً، تحت الضغط العسكري الهائل الحالي، ليقرر اتباع سياسات جديدة تتضمن الاستجابة للمطالب الأميركية إنقاذاً للجمهورية الإسلامية من خطر الاطاحة بها الذي هدد به ترامب. حينها سيضغط ترامب على اسرائيل التي تفضل انهاء وجود الجمهورية الاسلامية وليس فقط تعديل سلوكها، لإيقاف الحملة العسكرية المشتركة، والتعايش مع إيران إسلامية، لكن منكفئة على نفسها ولا تمثل تهديداً لأمن إسرائيل. بغض النظر عن تحقق أي من هذين السيناريوهين، فان المنطقة ستشهد على الأغلب بروز ايران مختلفة عن إيران الاربعين عاماً الماضية ونيف.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

عقيل عباس
عقيل عباس، زميل أول غير مقيم في مبادرة العراق ضمن برامج الشرق الأوسط في المجلس الاطلسي، يركز في أبحاثه على الهويات الوطنية والدينية وقضايا الحداثة ومسارات التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط.


