فهم كثيرون حول العالم، ممن سمعوا نبأ مقتل المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، أن الأمر يتعلق بمقتل رئيس أو زعيم لإيران، وربما ينتهي فهمهم عند هذا الحد. لكن كثيراً من الإيرانيين، ومن الشيعة في المنطقة، ومنهم شيعة العراق، تلقّوا الخبر بشكل مختلف، وبمزيج من الصدمة والذهول؛ فهذه ربما المرة الأولى منذ عقود يُقتل فيها مرجع شيعي كبير.
في آخر الاغتيالات المشابهة يتذكّر شيعة العراق قيام نظام صدام حسين بإعدام المرجع محمد باقر الصدر في شتاء 1980، وهو الأب الروحي لحزب الدعوة الإسلامي، المهيمن على منصب رئاسة الوزراء منذ عام 2003. يشعر كثير من قيادات أحزاب الإسلام السياسي الشيعي، في حزب الدعوة أو غيره، باحترام كبير للمرجع الصدر، ويعدّونه منظّراً ومرشداً روحياً لهم.
كذلك قُتل المرجع الشيعي محمد محمد صادق الصدر (والد السيد مقتدى الصدر) في فبراير 1999 مع اثنين من أبنائه في هجوم مسلح استهدف سيارته عند أطراف النجف، وهي عملية تُنسب على نطاق واسع إلى نظام صدام حسين.
الصدر الثاني أيضاً هو الأب الروحي للتيار الصدري بزعامة نجله مقتدى، وكذلك للتيارات التي انشقّت عنه لاحقاً، مثل عصائب أهل الحق وحركة النجباء وغيرها.
إن “الشهادة” التي حصلت عليها هذه الشخصيات الدينية تمثّل رأسمالاً رمزياً كبيراً، ويجري كل عام استذكارها لتأكيد مدى ظلم النظام السابق وإجرامه. وعلى الأرجح لن ينسى الأتباع ذكرى مقتل هؤلاء المراجع لزمن طويل. فالشهادة هنا ذات محمول دلالي عميق، وربما أكثر تأثيراً عند الشيعة مقارنة ببعض الطوائف الإسلامية الأخرى. ويردّد كثير من الشيعة مقولة منسوبة إلى الإمام جعفر الصادق تقول إن الموت لهم عادة وكرامتهم من الله الشهادة.
بل إن الهوس بفكرة الشهادة ورأسمالها الرمزي الكبير جعل بعض الفقهاء يفسّر الحوادث التاريخية بما يفضي إلى اعتبار جميع الأئمة شهداء، نتيجة دسّ السم لهم من قبل أعدائهم. وامتدّ هذا التصور إلى وفاة النبي محمد نفسه وابنته فاطمة الزهراء، إذ يعدّان أيضاً شهداء وفق السردية الشيعية السائدة.
من هذا المنظور يمكن فهم أن الموت على يد الأعداء قد يُنظر إليه كمكسب رمزي لا كهزيمة. ولهذا، عقب سقوط نظام القذافي، سارع كثير من الشيعة في لبنان وإيران إلى التقصّي عن مصير موسى الصدر ومحاولة العثور على جثمانه بعد اختفائه في حادثة مشهورة عام 1978. فالاختفاء والتغييب مرتبة أدنى من الشهادة بقليل، والعثور على الجثمان يكمّل المشهد الرمزي لها.
لذلك، في التصوّر العقائدي العام، يُعدّ مقتل الجنرال قاسم سليماني ثم أمين عام حزب الله حسن نصر الله خاتمة درامية لمسيرتهما، تجعل الرجلين يندرجان في النسق الشيعي الذي أسّسه الإمام الحسين بن علي في واقعة الطف، الحدث المؤسّس للوعي والروحانية الشيعية.
لهذا يمكن القول إن كثيراً من الشيعة العراقيين، خصوصاً في الوسط الاجتماعي المحافظ، تلقّوا مقتل آية الله خامنئي بمزيج من الصدمة والذهول، وانخرط بعضهم في طقوس الحزن. وحتى من حضر مجالس العزاء التي أقامتها الأحزاب الشيعية، فإن نسبة كبيرة منهم صادقون في مشاعرهم؛ فهم يرون في الحدث تجسيداً جديداً لسردية المظلومية الشيعية، حيث يُقتل القادة الدينيون مرة بعد أخرى.
لكن هنا تظهر مفارقة صارخة ربما لا ينتبه إليها البعض؛ فالشيعة في العراق يحكمون البلاد عملياً منذ اثنين وعشرين عاماً، ويتحكمون بمواردها الاقتصادية، ويضفون على الفضاء العام طابعهم الثقافي والديني. ولا توجد مظلومية حقيقية اليوم سوى تلك التي تنتج عن سوء إدارة الطبقة السياسية الشيعية وفسادها، أكثر مما تأتي من الأعداء التقليديين.
إن إدراج مقتل آية الله خامنئي ضمن قصة المظلومية الشيعية العراقية ينطوي على قدر من التعسّف، لكن لدى القوى المتنفذة من الخيال الديني ما يكفي لتقبّل ذلك، خصوصاً لدى أولئك الذين يرون أن الهوية الشيعية تتقدّم على الهوية الوطنية. بل يتجاوز الأمر أحياناً حدود التفضيل إلى مهاجمة الهوية الوطنية نفسها، كما يفعل ممثل خامنئي في العراق هاشم الحيدري حين وصف الهوية الوطنية بأنها “صنم يُعبد من دون الله”.
كما يتباهى بعض قادة الفصائل المسلحة بولائهم للهوية الطائفية في منشوراتهم على مواقع التواصل، بدعوى أن الانتماء الحقيقي هو للإسلام. وقد استُخدم هذا الخطاب مراراً لمهاجمة الوطنيين العراقيين واتهامهم بالعمالة لأميركا أو الصهيونية، وهي اتهامات كثيراً ما كانت تعني إباحة الدم. وقد شهدت السنوات الماضية سلسلة اغتيالات استهدفت ناشطين وإعلاميين تحت هذه التهم، واضطر كثيرون إلى مغادرة العراق بسببها.
وبسبب سيطرة القوى الموالية لإيران على الفضاء العام، والرقابة التي تفرضها على مواقع التواصل، وجرأتها على استخدام العنف ضد خصومها خارج إطار القانون، امتلأت وسائل الإعلام العراقية ومواقع التواصل بحالة من الحزن والحداد على رحيل المرشد الإيراني. وأصبح من الصعب التمييز بين المشاعر الحقيقية وتلك التي يعبّر عنها الناس بدافع الخوف أو التملّق لأصحاب السلاح.
في هذه الأجواء نشرت سيدة مسيحية مقطع فيديو عبّرت فيه عن فرحها بمقتل المرشد الإيراني، معتبرة أنه مسؤول عن كثير من المصائب في العراق والمنطقة. وسرعان ما حضرت الشرطة وألقت القبض عليها بتهمة “الإساءة للرموز الدينية”، وهو توصيف يُستخدم أحياناً للسيطرة على الانتقادات التي قد يوجّهها عراقيون لسياسة زعيم دولة مجاورة.
لكن بعيداً عن هذه الصورة، فإن شعوراً عاماً يسود بين شيعة العراق بأن انتكاسة ما قد تلوح في الأفق، وأن السلطة قد تُنتزع من أيديهم. ويستثمر الساسة والمليشيات هذا الشعور لتعزيز خطاب التعبئة والتحشيد في مواجهة أميركا وإسرائيل. ولا يرغب أحد في مواجهة الأسئلة الأكثر جدية، فيعودون إلى السردية الأكثر راحة: المظلومية. فالدراما المأساوية، في هذا التصور، هي قدر الشيعة منذ واقعة الطف حتى اليوم.
لماذا يشعر الشيعي البسيط بالضعف، وأن دولته هشة إلى هذا الحد؟ إلى درجة أن يصرّح بعضهم في وسائل الإعلام بأن العراق قد يواجه اليوم خطر غزو من قوات سورية مثلاً؟
ولماذا يشعر هذا المواطن بأن إيران هي دولته الحقيقية، وأن وجوده في العراق غير راسخ من دونها؟
السبب هو السردية التي عملت عليها الفصائل المسلحة الموالية لإيران خلال أكثر من عقد، عبر ربط مصير العراق وشيعته بكرسي الولي الفقيه في طهران، مقابل ضعف خطاب الدولة الوطنية القادر على ترسيخ الهوية العراقية وتفنيد هذه الرواية.
فالعراق، على سبيل المثال، قادر على حماية نفسه، ولديه من القوة العسكرية ما يكفي لردع أي عدوان وحدوده مؤمّنة. ومقتل زعيم في دولة مجاورة لا يغيّر هذه الحقيقة. كما أن المصالح الوطنية العراقية لا تتطابق مع أهداف الجمهورية الإسلامية في إيران، ولا يمكن للعراق أن يكون كامل السيادة ومزدهراً إذا أصبح مجرد تفصيل في المشروع الإقليمي الإيراني.
يمكن لأي مراقب محايد أن يشعر بالتعاطف مع كثير من المواطنين الحزانى والمصدومين في هذه الأيام، لأنهم لا يرون سوى جانب واحد من صورة المرشد الإيراني: رجل دين وقور، ذو حس أدبي وملامح شيخوخة هادئة، يرتدي العمامة السوداء الدالة على النسب العلوي. ولن يخدش وطنيتهم أن يعبّروا عن هذه المشاعر الدينية، خصوصاً وأن إسرائيل هي من بدأ الحرب واستهدف المرشد.
لكن المسألة تصبح أكثر تعقيداً حين تطالب الفصائل الموالية لإيران بشيء يتجاوز التعبير عن الحزن الديني. فغالبية الشيعة العراقيين لا يتبعون في شؤونهم الدينية مرجعية خامنئي، بل مرجعية النجف، ولا يؤمن كثير منهم بنظرية ولاية الفقيه.
وقد عبّرت مرجعية النجف، عبر بيان صادر عن مكتب آية الله علي السيستاني، عن المزاج العام للشيعة المحافظين في العراق؛ إذ أدانت اغتيال المرشد الإيراني وعزّت في مقتله، لكنها لم تصدر فتوى للجهاد ضد أميركا أو إسرائيل كما فعل بعض مراجع قم، ولم تدعُ شيعة العراق إلى مساندة إيران في الحرب.
لا يعني ذلك أنها تؤيد أعداء إيران، بل إنها تنظر إلى الأمور من زاوية مختلفة، تتعلق بالمصالح العامة للشيعة ولمؤسسة الحوزة في النجف، ولا ترغب في الزج بهم في مغامرات سياسية أو عسكرية قد لا تُعرف عواقبها.
في خلفية هذه النقاشات يكمن خلاف فكري وفقهي عميق داخل الأوساط الشيعية: هل هذه الحرب من أجل الإسلام والمذهب، أم من أجل البرنامج النووي الإيراني؟
وهل من مصلحة الشيعة في إيران والعراق ولبنان أن تعاند إيران العالم كله من أجل امتلاك سلاح نووي؟
أم أن ما حدث يدخل في نطاق سوء تقدير القيادة الإيرانية للعواقب، أكثر مما هو مجرد اعتداء أميركي إسرائيلي كما يصفه خطاب المحور الإيراني؟
هذه الأسئلة تقود إلى خلاف أعمق بين التيار التقليدي في المدارس الدينية الشيعية، القائم على فلسفة انتظار الإمام المهدي الغائب، وبين نظرية ولاية الفقيه التي طرحها الإمام الخميني وطبّقها بعد الثورة الإيرانية عام 1979، والتي منحت الولي الفقيه صلاحيات واسعة بوصفه نائباً عن الإمام الغائب.
في جميع الأحوال، وأياً تكن نتيجة الحرب الدائرة اليوم، فإن الجسم الاجتماعي الأكبر للشيعة المحافظين في العراق سيبقى مرتبطاً بمرجعية النجف لا بمرجعية إيران. واختفاء الولي الفقيه أو ظهور ولي فقيه جديد لن يغيّر كثيراً من اعتقادات الناس هنا.
لكن ذلك لا يلغي مشاعر الحزن على فقدان فقيه كبير، ولا القلق الذي يشعر به كثيرون حيال مستقبل الشيعة في العراق، خصوصاً إذا ما تراجعت قوة إيران التي يستند إليها الإسلام السياسي الشيعي الحاكم في البلاد.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).
أحمد سعداوي
روائي وشاعر وكاتب سيناريو ومخرج أفلام وثائقية عراقي.


