بين الحكم والمقاومة: دولة المليشيات المطالبة بحلّ نفسها

أفاتار أحمد سعداوي

حتى اليوم، ما زال عراقيون يتداولون على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، على سبيل الفكاهة والسخرية، مقطع فيديو قصيراً جرى تسجيله لشاعر في حفل انتخابي في أكتوبر من العام الماضي، أقامه زعيم فصيل كتائب سيّد الشهداء، أبو آلاء الولائي. يقول الشاعر في المقطع وباللهجة العراقية: “إنت تريدني أنطيك الحكم وأطلع… حتى تروح ويه أميركا تتطبّع”، والمعنى بصيغة استنكارية: “هل تريد منّي أن أعطيك الحكم وأخرج.. حتى تذهب للتطبيع مع أميركا؟”.

غالبية من تداولوا المقطع للسخرية، ومنهم أشهر برنامج تلفزيوني سياسي عراقي ساخر “البشير شو”، أخذوا معنى الكلام بأنه لسان حال الميليشيات الماسكة بالسلطة في العراق، تجاه من يريد منها نزع سلاحها استجابة للأوامر أو الطلبات الأميركية.

ولكن، هناك معنى آخر أكثر خصوصية يمكن استنتاجه، لا يبدو ظاهراً بوضوح؛ فالشاعر هنا، بلسان حال كتائب سيّد الشهداء، يوجّه رسالة إلى ميليشيات أخرى “زميلة”. على خلفية تباين في المواقف طفا على السطح خلال حرب الـ 12 يوماً بين إيران وإسرائيل. سُجّل المقطع خلال الحرب أو بعد انتهائها بأيام، رداً من ميليشيا كتائب سيّد الشهداء على “زميلاتها” من الميليشيات الأخرى (مثل عصائب أهل الحق ومنظمة بدر وكتائب الإمام علي)، التي أخذت موقف المتفرّج، بينما تدّعي ميليشيا كتائب سيّد الشهداء أنها وجّهت عدّة صواريخ على قاعدة حرير في مدينة أربيل، وعلى قاعدة عين الأسد غربي العراق، وعلى أهداف إسرائيلية خلال الحرب.

أما عن “الحكُم”، فقد تمكّن أبو آلاء الولائي (اسمه الحقيقي: هاشم فنيان رحيم السراجي) من الحصول على أربعة مقاعد لنوابه في البرلمان الحالي، وضمّهم إلى كتلة “دولة القانون” لنوري المالكي. والولائي جزء من الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم، ويجتمع معهم بشكل دوري؛ فهو جزء من الحكم كما يبدو. بالإضافة إلى كتائب حزب الله التي رفعت 6 شخصيات منها إلى مجلس النواب، وهاتان الحركتان مع حركة “النجباء” التي يتزعّمها الشيخ أكرم الكعبي – والتي تعمل خارج العملية السياسية ولا نواب لديها أو مسؤولين في الدولة – هي الفصائل المسلّحة الأساسية التي تقود عمليات “المقاومة” دعماً لإيران في حربها الحالية مع أمريكا وإسرائيل.

MBN China Tracker
مرصد النفوذ الصيني من MBN

منصة تفاعلية قائمة على البيانات ترصد تمدّد النفوذ الصيني الاقتصادي والسياسي والعسكري في الشرق الأوسط مقارنةً بالولايات المتحدة.

وبالإضافة إلى الوجود السياسي في البرلمان، فإن هذه الفصائل الثلاثة هي التي تتحكّم بالمفاصل الحسّاسة لمؤسسة الحشد الشعبي، ولديها صلاحيات واسعة وحريّة في الحركة، ويتداخل عملها ما بين الرسمي وغير الرسمي، وتتداخل الخطوط ما بين عمل المقاومة التي تتحرّك تحت مظلة الحرس الثوري الإيراني، والعمل تحت مظلّة مؤسسات الدولة العراقية.

عملياً، حتى احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019، كان هناك شيء من الحفاظ على ماء وجه الحكومة العراقية؛ فلا تحاول هذه الميليشيات الثلاث أو غيرها أن تظهر على السطح بفجاجة، أو تحرج الحكومة العراقية، حتى ساد اعتقاد بين الجميع، بمن فيهم إعلاميون ومثقّفون، أن هناك توازناً على الساحة العراقية ما بين قوّة الميليشيات وقوّة مؤسسات وطنية رصينة مثل جهاز مكافحة الإرهاب والمخابرات العراقية، وأن الحكومة والمجتمع المدني العراقي يتحرّكون في المساحة الضيقة ما بين توازن هاتين القوتين.

لكن هذه الصورة انهارت سريعاً بعد القمع الوحشي للاحتجاجات، وهو قمع لم يكن مسبوقاً ولا معروفاً على الساحة العراقية؛ فهناك قتلى وجرحى يسقطون عادة بسبب الاحتكاك مع الأجهزة الأمنية أو أخطاء تحدث خلال موجات الاحتجاج من 2011 إلى 2018، وأعدادهم -على أية حال- كانت قليلة، إلا أن ما جرى في احتجاجات تشرين 2019 كان تصفية مباشرة، تذكّر بأسلوب “الباسيج” والحرس الثوري في قمع الاحتجاجات الإيرانية.

ثم تكشّف للجميع، شيئاً فشيئاً، أن يد الميليشيات هي العليا، وأنها قادرة -كما حدث ذات مرّة- على محاصرة مقرّ جهاز مكافحة الإرهاب وإخراج أتباعهم المتّهمين بالقيام بأعمال إرهابية، وتكررت حوادث مماثلة خلال السنوات الماضية حتى ما عادت صادمة لأحد.

أما سبب بقاء الحكومة العراقية متفرّجة على هذه الاستباحة، على الرغم من أن الأجهزة الأمنية الرسمية أقوى وأكثر عدداً وعدّة من الميليشيات المتمرّدة، فيعود إلى فكرة عقائدية تسبّبت في شلل الدولة كلّها؛ فهذه الميليشيات تبقى جزءاً من الجسم الاجتماعي والسياسي الشيعي، ولا يجب تفتيت الكتلة السياسية الشيعية الكبرى حتى لا يضيع “حقّ الشيعة في الحكم”. كما أن بقاء المظلّة الإيرانية الداعمة لهذه الميليشيات ضروري لبقاء حليف مذهبي وحيد في المنطقة، فلا دولة شيعية أخرى مجاورة للعراق سوى إيران.

إن منظومة السلطة الشيعية التي حاصرت الكرد خلال السنوات الماضية وروّضت السنّة، تنظر إلى الميليشيات وسلاحها على أنه ذراع حامية للسلطة، وتغض النظر عن الخراب الذي تسبّبه للدولة بأسرها. فلا هدف لهذه التيارات السياسية سوى البقاء في السلطة، ولا مشروع لديها حتى الآن لبناء الدولة أو تطوير اقتصادها، وهي ليست مهمومة بتدعيم مؤسسات الدولة أو الحفاظ على الدستور أو حماية الحقوق والحريّات العامّة، لذا فهي تقف موقف المتفرّج أمام الانتهاكات شبه اليومية التي تقوم بها الميليشيات. وحين يتحوّل انتهاك من هذا النوع إلى قضية رأي عام، تسارع الحكومة إلى إصدار بيانات تبيّن فيها أنها ستجري تحقيقاً، ولكن الجمهور العام يقابل هذه البيانات بالسخرية؛ لأن لجان التحقيق هذه لم تعقد ولا مرّة واحدة، ولم تصدر أي بيان.

بالنسبة للأحزاب الشيعية الحاكمة، فإن هذا الوضع غير محرج؛ ما دامت أقوى قوتين مؤثرتين في الساحة العراقية (أميركا وإيران) ترعيان النظام، فلا مشكلة. ويمكن دائماً كنس المشكلات التي تواجهها تحت السجادة، وإذا كانت مشكلات كبيرة فإنها تركلها إلى البرلمان والحكومة القادمين. وإذا خرج الشارع محتجاً مرّة أخرى، فإنه سيواجه بالنيران المفتوحة على طريقة الباسيج والحرس الثوري. وعلى أي شاب غاضب باحث عن عمل أو يطالب بالخدمات لحيّه السكني أن يتذكّر أن هناك عشرات الشباب الذين شاركوا في احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019 قُبروا بالدخانيات والرصاص الحيّ، وآخرين مهجّرين في المنافي بوضع معلّق، لا يستطيعون العودة إلى بيوتهم بسبب مذكرات إلقاء قبض وتهم كيدية رتّبتها الميليشيات بحقّهم.

إن تكلفة الاحتجاج على نظام فاسد صارت باهظة، واكتشفت الكثير من الشخصيات السياسية وسائل أخرى أرخص وأقل إحراجاً، مثل إصدار مذكرات قضائية ضد من يكتب تعليقاً على منشور في فيسبوك أو ينتقد شخصية سياسيّة ما، وهي وسيلة اتبعها حتى رئيس الوزراء منتهي الصلاحية الحالي محمد شياع السوداني تجاه صحفيين ظهروا على قنوات فضائية وانتقدوه.

إن قبضة النظام قويّة والتخويف يؤدي مفعوله، كما أن التوظيف في الوظائف الحكومية -خارج حدود استيعاب المؤسسات- جذب جزءاً آخر من الجمهور وألقمه حجراً فسكت. وتشير التقارير إلى أن حكومة السوداني منحت أكثر من مليون درجة وظيفية، تقاسمتها الأحزاب والتيارات السياسية فيما بينها ووزّعتها على جمهورها.

وحتى مع مؤشرات العجز المالي التي ظهرت في الأشهر الأخيرة من حكومة السوداني، فإن الجمهور العادي غير معني بهذه الأرقام، ولا بالمخاطر الجديّة القادمة في الطريق، وتبدو الأمور مريحة للجميع، ما سوى بعض المنتقدين على وسائل الإعلام أو في مواقع التواصل الاجتماعي. وحتى هؤلاء يمكن أن يظهر أحد ويتهمهم بأنهم ينتقدون النظام لأنهم لم يحصلوا منه على “قطعة من الكعكة”، أو لأنهم ببساطة عملاء لأميركا والصهيونية أو الخليج.

هذا النوم المريح في الوضع الطارئ الذي أصبح دائمياً، انتهى فجأة مع الحرب الأخيرة؛ فالراعيان لهذا النظام يتعاركان الآن، ولا مجال لمعركتهما إلا لمنتصر ومهزوم، ولا عودة إلى الوراء، إلى الأوقات المريحة. فها هو نائب وزير الخارجية الأميركي يقول بشكل صريح ومن دون لفّ أو دوران: “نطالب بغداد بالبدء في إجراءات تفكيك الجماعات المسلّحة الموالية لطهران”.

ولكن، مهلاً!.. هل يقصد الفصائل الثلاثة التي تحدّثنا عنها حصراً؟ أم كل الجماعات المسلّحة التي شاركت في أعمال الإسناد لإيران في الحرب الأخيرة بالإضافة إلى تلك التي صمتت ووقفت على الحياد؟

في الحقيقة، ما عدا تلك الفصائل المرتبطة بالعتبات الدينية المقدّسة -والتي تأخذ أوامر مرجعية النجف على محمل الجدّ- و”سرايا السلام” الفصيل المسلّح لمقتدى الصدر، فإن كل الجماعات المسلّحة الأخرى موالية لإيران. إن طموح نائب وزير الخارجية واسع، فالخدر والكسل يملآن كل الجسد السياسي الشيعي، وأنت تطالبه الآن بالركض في ميدان أولمبي.

لقد خطفت كتائب حزب الله الصحفية الأميركية إليزابيث تيسوركوف ثم أطلقتها “مجاملة” لرئيس الوزراء، وليس امتثالاً للقانون، ويفترض برئيس الوزراء أن يقول “شكراً” لا أن يقوم بإلقاء القبض على الخاطفين. هذه في الحقيقة حدود ما يمكن أن تقوم به الحكومة وائتلاف “الإطار التنسيقي” الشيعي الحاكم؛ والسبب أن هذه الميليشيات جزء من الحكومة، فكيف تطلب من الحكومة أن تفكّك نفسها، أو كيف تطلب منها أن تقطع بنفسها الذراع التي تحميها؟

إن هذا النظام الحالي ليس هو النظام الذي تشكّل ما بعد 2003، وإنما هو وليد انتخابات أيار/مايو 2018، حين حوّلت الفصائل المشاركة في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” نصرها إلى مقاعد انتخابية، ثم استولت على الحكومة بالشراكة مع مقتدى الصدر الذي كان يعاني من ضغط شديد من قاسم سليماني، رئيس فيلق القدس. كانت رؤية الميليشيات وقتها -وما زال الكثير منهم يردد ذلك حتى الساعة- أن الدولة سقطت في حزيران 2014 ونحن من استعادها، ولذلك نحن أبناء الدولة ولسنا خارجين عليها كما يشاع عنّا، ولكنها “الدولة التي نفصّلها على مقاسنا”، تكون تحت أيدينا وليست سقفاً من قوانين فوق رؤوسنا.

في سرديتهم التي يروونها عن الحرب والانتصار، يتجاهلون تماماً الدور الأميركي والتحالف الدولي ضد داعش، ويتجاهلون مجهود القوات المسلحة الرسمية وجهاز مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية، وأكثر من 350,000 طلعة جوية للتحالف الدولي.

MBN Alhurra
إحاطة إيران من MBN

متابعة أسبوعية وتحليلات يقدّمها أندريس إلفِس حول ما يجري في إيران وانعكاساته الإقليمية والدولية.

تعرّضت منظومة السلطة هذه إلى هزّة قويّة مع احتجاجات تشرين، ثم صدمة إعلان مقتدى الصدر عقب انتخابات 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2021 عن تجاهله للتحالفات الطائفية وبناء تحالف ثلاثي ما بين كتلة الصدر البرلمانية وكتلة رئيس البرلمان السابق الحلبوسي (السنّية) والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني. ولكن منظومة السلطة الشيعية هذه ذات الهيمنة الإيرانية نجحت في اجتياز هذا المخنق بعد اعتزال الصدر العمل السياسي وانسحاب نوابه، وجاؤوا بحكومة السوداني، وكما قلنا؛ الأمور هادئة تماماً، ولا مخاطر جديّة تقلق ما يسمّونه “الحاكمية الشيعية”. حتى حرب الـ 12 يوماً بين إيران وإسرائيل انتهت بسرعة وتم تجاوز آثارها. ثم يأتي مثل الصاعقة مطلب إدارة الرئيس ترامب الذي لا يشبه سوى العودة بالزمن إلى ما قبل 2014 حين قام رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي بشرعنة الميليشيات وفتح أمامها مخازن السلاح الرسمي وصارت تحت رعاية الدولة.

إن هذه قفزة هائلة لا يمكن لجسد السلطة الكسول أن يقوم بها الآن، خصوصاً وأن الأحزاب الشيعية غير متأكدة بعد من أن النظام الإيراني قد انتهى تماماً، وما زالت تنتظر نتائج المفاوضات أو تجدّد الحرب. إن بقاء شكل من أشكال النظام الإيراني على حاله وقدرته على التأثير في الساحة العراقية هو عامل مهم في تحديد مسارات السلطة في العراق؛ فهو يعني احتفاظ رئيس الوزراء القادم بقناعين، واحد يضعه أمام الفاعل السياسي الإيراني والآخر للأميركي.

ونظراً لخطورة هذا العامل، فقد داست الأحزاب السياسية في البرلمان العراقي الجديد على المواعيد الدستورية، متجاوزة ثلاثة أشهر دون اختيار رئيس للجمهورية أو رئيس للوزراء.

حتى مع اختيار الشخصية الغامضة والتي بلا تاريخ سياسي (علي الزيدي) لرئاسة الوزراء، فإن المؤشرات لا تقول بأنه سيمضي فعلاً. ويمكن أن يكون بالون اختبار للرضا الأميركي.

الرعاة الإقليميون والدوليون في حالة صراع. فهل يتصالحون ويتقاسمون النفوذ في العراق؟ أم ستقرر أميركا الهيمنة على المشهد العراقي بمفردها – وهو الكابوس الذي يخشاه الكثير منهم منذ زمن طويل؟



 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

أحمد سعداوي

روائي وشاعر وكاتب سيناريو ومخرج أفلام وثائقية عراقي.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading