الحرب على إيران في ميزان الكرملين

في مساء الاثنين 9 مارس، وقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الصحفيين في دورال بولاية فلوريدا يبرر خطوة لم تكن لتبدو عادية في وقت آخر: تخفيف بعض القيود النفطية “حتى يستقيم” الوضع في مضيق هرمز.

جاء الإعلان بعد أيام من سماح واشنطن للهند بشراء شحنات نفط روسي كانت عالقة في البحر، في محاولة لتهدئة اضطراب الإمدادات بعد القفزة التي أحدثتها الحرب في أسواق الطاقة.

بالنسبة لموسكو، تبدو هذه التطورات فرصة لنفطها الخاضع للعقوبات، في وقت يحذر فيه مسؤولون أوروبيون من أن الحرب قد تصب في مصلحة روسيا. وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إن موسكو هي “الرابح الوحيد” من هذه الحرب حتى الآن.

ففي 10 مارس، كانت شحنات خام الأورال الروسي تُعرض عند نحو 76 دولارا للبرميل، بعدما كانت قرب 45 دولارا قبل أسبوعين فقط، حتى مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. 

وهنا تبدأ القصة الروسية في هذه الحرب.

 

بوتين يترأس اجتماعا حول أسواق الطاقة في الكرملين، موسكو (9 مارس 2026 – رويترز)

كيف ترى موسكو الحرب؟

في العلن، تدعو موسكو إلى خفض التصعيد وتعرض نفسها وسيطا قادرا على الحديث مع جميع الأطراف. وفي مطلع فبرايير، قال الكرملين إن روسيا ما زالت تحاول خفض التوتر حول إيران، بينما حذر وزير الخارجية سيرغي لافروف في 19 فبراير من أن أي ضربة أميركية جديدة قد تؤدي إلى “عواقب خطيرة”.

وبعد اندلاع الحرب، اتهمت الخارجية الروسية الولايات المتحدة وإسرائيل بمحاولة جر دول عربية إلى مواجهة أوسع.

لكن خلف هذا الخطاب الدبلوماسي الداعي للتهدئة، تبدو الحسابات الروسية أكثر تعقيدا. 

يقول بوب هاملتون، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية في حديث مع “الحرة”، إن الصراع يمثل معادلة مزدوجة بالنسبة لموسكو. ويضيف أن الحرب بالنسبة لروسيا تشبه “سيفا ذا حدين؛ لها جوانب إيجابية وأخرى سلبية”.

فمن جهة، قد تمنح الحرب موسكو فرصة للاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة وتشتيت الانتباه الغربي عن أوكرانيا. ومن جهة أخرى، تكشف حدود النفوذ الروسي المتآكل في الشرق الأوسط.

“إيران كانت الركيزة الثانية لاستراتيجية روسيا في الشرق الأوسط إلى جانب سوريا، والآن فقدت موسكو الاثنين،” يضيف هاملتون.

ولا يقتصر أثر هذا التشتيت على أوكرانيا أو الشرق الأوسط وحدهما. فبعض التحليلات ترى أن الحرب تمنح موسكو فرصة لاختبار جاهزية الولايات المتحدة في ساحات أخرى أيضا. وفي هذا الإطار، أشار تحليل نشرته مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) إلى أن تحليق طائرات دورية روسية قرب ألاسكا في 4 مارس قد يندرج ضمن نمط أوسع يهدف إلى اختبار سرعة الاستجابة الأميركية، بينما تنشغل واشنطن بالحرب مع إيران.

مضيق هرمز والمكسب الروسي

يكفي النظر إلى مضيق هرمز لفهم السبب.

 فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يمر عبر المضيق نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. وقد أدى اضطراب الشحن خلال الحرب إلى صعود خام برنت من متوسط 71 دولارا للبرميل في 27 فبراير إلى نحو 94 دولارا في 9 مارس. وبعد قفزة لفترة وجيزة لما قارب 120 دولارا للبرميل الاثنين، عادت الأسعار إلى ما دون 90 دولارا.

في هذا السياق، تقول آنا بورشفسكايا، الباحثة في معهد واشنطن، لـ”الحرة”، إن روسيا ترى في الحرب “مخاطر، لكن أيضا فرصا كثيرة”، على الأقل في المدى القصير، في بلد لا يزال النفط والغاز يشكلان فيه أكثر من خمس إيرادات الميزانية.

فوفق بيانات أوبك، بلغ إنتاج روسيا النفطي في 2025 نحو 9.129 ملايين برميل يوميا، فيما بلغت صادراتها النفطية خلال العام نفسه 238 مليون طن، أي ما يعادل نحو 4.8 ملايين برميل يوميا، ذهب نحو 80% منها إلى الصين والهند.

وفي الوقت نفسه، تتوقع الحكومة الروسية عائدات من الطاقة بنحو 8.92 تريليون روبل في 2026، أي ما يزيد على 110 مليارات دولار.

هذه الأرقام تفسر لماذا تهم الحرب موسكو إلى هذا الحد.

وترى بورشفسكايا أن تهديد الملاحة الخليجية أو البنية التحتية للطاقة يمكن “بالتأكيد” أن يرفع أسعار النفط والغاز بطريقة تفيد الاقتصاد الروسي الخاضع للعقوبات “وهو ما يحدث بالفعل”.

فالحرب رفعت سعر نفط الأورال، ودفعت واشنطن إلى تخفيف محدود لبعض القيود، وأجبرت المشترين الآسيويين على النظر إلى النفط الروسي ليس فقط كخيار أرخص، بل كخيار أكثر توافرا حين تصبح إمدادات الخليج موضع شك.

بين الدعم لإيران والخوف من فوضى أكبر

لكن المنطقة الأكثر حساسية في القصة تتعلق بما إذا كانت روسيا تكتفي بالمراقبة والاستفادة، أم أنها تساعد إيران من خلف الستار.

نقلت واشنطن بوست، عن مسؤولين أميركيين قولهم إن روسيا قدمت لإيران معلومات قد تساعدها في استهداف أصول أميركية، بينها سفن وطائرات في المنطقة.

ويرى هاملتون أن مثل هذا الدعم ليس مفاجئا. لكن هذه التقارير ظلت، حتى الآن، في إطار معلومات منسوبة إلى مسؤولين، من دون أدلة علنية مفصلة.

وفي 10 مارس، قال المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، في مقابلة مع قناة سي إن بي سي، إن روسيا أبلغت ترامب بأنها لا تشارك إيران معلومات عن الأصول العسكرية الأميركية.

هذا الغموض يخدم موسكو. فهي تريد، على ما يبدو، دعم شريكها الإيراني بالقدر الذي يبقيه واقفا، لكن من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن أو المجازفة بعلاقاتها مع شركاء آخرين في الخليج.

ومع ذلك، لا تبدو الحرب هدية خالصة للكرملين.

المخاطر التي قد تواجه موسكو

اتساع الاضطراب في الخليج قد يقلب الحسابات الروسية. فالمكاسب السعرية السريعة قد تتحول إلى عبء اقتصادي أوسع إذا تضررت اقتصادات المنطقة أو ضعف الطلب العالمي على الطاقة، فيما يهدد إضعاف إيران إحدى الركائز الرئيسية للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط.

وتشير التطورات الميدانية إلى أن الحرب قد تمس حتى المصالح الروسية المباشرة داخل إيران، بعدما أفادت تقارير بأن موسكو بدأت إجلاء بعض العاملين في مشاريعها هناك مع تصاعد القتال.

ويرى الدكتور روبرت موغيليتسكي، الباحث غير المقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، في حديث مع “الحرة”، أن اقتصادات الخليج “حساسة لكنها ليست هشة بعد”، وأن الحكومات ستتحرك للحفاظ على القطاعات الاستراتيجية وضمان استمرار تدفق الطاقة. وهذا من شأنه أن يحد من تحول الاضطراب إلى أزمة ممتدة تمنح موسكو مكاسب مفتوحة.

عزت وجدي

عزت وجدي صحفي ومنتج أفلام وثائقية يمني يقيم في العاصمة الأميركية واشنطن، يحمل درجة الماجستير في الدراسات الإعلامية

 


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading