لم تستغرق القضية سوى بضع ساعات كي تنتقل من “مانشيت” صحيفة إلى صدارة المشهد السياسي في لبنان.
بيان قصير نُشر في صحيفة محلية مقرّبة من حزب الله، منسوب إلى جهة تطلق على نفسها اسم “الضباط الوطنيين”، كان كفيلا بإثارة الجدل في بلد شديد الحساسية تجاه أي حديث عن المؤسسة العسكرية.
البيان الذي لم يتجاوز بضعة أسطر، حذّر من تكليف الجيش “بملاحقة من يتصدى لاعتداء خارجي على البلاد”، معتبرا أن مثل هذه القرارات “قد تؤدي إلى إضعاف الدور الجامع للجيش وإلى تعريض وحدته الداخلية لاهتزازات خطيرة لا تحمد عقباها”.
ورأى مراقبون في البيان محاولة ضغط على السلطة السياسية في حال استكملت خطوات تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة.
ولم يتأخر الجيش اللبناني في الرد على البيان المزعوم. وأكدت قيادة الجيش أن “لا صحة إطلاقا لما تضمنه الخبر حول ضباط الجيش”، مشددة على أن البيان المذكور “لا يمتّ إلى الجيش بصلة لا من قريب ولا من بعيد”، وأن “عناصر المؤسسة العسكرية ملتزمون بالولاء للمؤسسة والوطن فقط”.
من جانبه وصف رئيس الحكومة نواف سلام البيان بأنه “مشبوه وبعيد عن الوطنية ولا مكان له إلا في دائرة الدس والابتزاز”. وأشار سلام إلى وجود شكوك حول صحة البيان، موضحا أن القضية تندرج ضمن قانون العقوبات، لا سيما لجهة المس بوحدة الجيش ووحدة البلاد والسلم الأهلي. من جهته، أكد وزير الدفاع أن البيان “مريب ويتم التحقق منه”.
ويثير البيان أسئلة قانونية حول مدى مشروعية نشره ومضمونه، في هذا الإطار يؤكد المحلل السياسي والمحامي أمين بشير أن “نشر صحيفة محلية بيانا يتضمن حديثا عن انقسام داخل الجيش اللبناني وتهديد بالتمرد في صفوفه، يشكّل سلوكا غير أخلاقي ومخالفا للقوانين”.
ويوضح بشير في حديث لموقع “الحرة” أن قانون العقوبات اللبناني يتضمن مواد تجرّم إثارة الفتن أو التحريض على النزاع بين اللبنانيين”.
ويشير كذلك إلى أن المادة 62 من قانون المطبوعات تجيز ملاحقة الوسيلة الإعلامية إذا نشرت ما من شأنه أن يعرّض سلامة الدولة أو وحدتها أو سيادتها أو حدودها للخطر، أو ما قد يثير النعرات الطائفية أو العنصرية.
لم يقتصر الجدل على الجانب القانوني، بل سرعان ما تحول البيان إلى مادة سجال سياسي حاد. وكتب النائب وضاح الصادق على منصة “إكس” أن البيان قد يكون جزءا من مسار “يسعى من خلاله الحرس الثوري، عبر أذرعه الإعلامية في لبنان، إلى ضرب صورة الجيش اللبناني وزعزعة وحدته الداخلية، تمهيدا لتفكيكه وإدخاله في لعبة المحاور”.
من جانبه يرى المحلل السياسي الدكتور خالد الحاج في حديث لموقع “الحرة” أن حزب يقف خلف البيان الذي “يحمل رسالة تهديد ووعيد بفتنة داخلية وحرب أهلية موجهة من الحزب إلى السلطة السياسية والمؤسسات الرسمية والمجتمع اللبناني، في حال قررت الدولة استعادة سيادتها في ما يتعلق بملف السلاح”.
ويقول الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد جورج نادر لموقع “الحرة” إنه “لا يوجد شيء اسمه ضباط وطنيون”، واعتبر أن الحديث عن “انشقاق ضباط شيعة داخل الجيش غير صحيح إطلاقا”.
يأتي الجدل في وقت تتعرض فيه قيادة الجيش لانتقادات سياسية. ففي الأيام الأخيرة، ولا سيما بعد إصدار قائد الجيش رودولف هيكل بيانا أكد فيه أن حل أزمة سلاح حزب الله “لا يكون عسكريا فقط بل سياسيا أيضا”، دار نقاش واسع حول موقف المؤسسة العسكرية، وسط تقارير تحدثت عن ضغوط خارجية لإقالة هيكل.
وسط هذا الجدل، برزت محاولات رسمية لاحتواء أي تداعيات على صورة الجيش. فقد شدد رئيس الجمهورية جوزاف عون، خلال زيارة إلى وزارة الدفاع وقيادة الجيش في اليرزة، على أن المؤسسة العسكرية ” فوق الأحزاب والطوائف”. وقال “من يحلم بتغيير قائد الجيش انما يستهدف المؤسسة العسكرية وليس شخص القائد، وهذا أمر ممنوع”.
وأكد عون أن الحملات التي تعرض لها الجيش لن تؤثر في أدائه، محذراً من أن اهتزاز المؤسسة العسكرية يعني أن “الوطن بأسره سيتعرض للخطر”.
ويقول بشير إن الانتقادات التي وُجّهت إلى الجيش “تعكس خيبة أمل لدى شريحة من اللبنانيين، بعدما كانت الدولة قد أعلنت سابقا انتهاء المرحلة الأولى من سحب السلاح جنوب نهر الليطاني، في حين أظهرت الوقائع الميدانية استمرار امتلاك الحزب قدرات صاروخية وحرية الحركة لإطلاق الصواريخ”.
وتعود حساسية هذا الملف إلى الذاكرة اللبنانية المرتبطة بالانقسامات العسكرية خلال الحرب الأهلية. فقد شهد الجيش اللبناني آنذاك انشاقات عدة، أبرزها إعلان الملازم أول أحمد الخطيب عام 1976 تشكيل “جيش لبنان العربي”، إضافة إلى محاولة انقلاب قادها العميد عزيز الأحدب في العام نفسه. كما تشكل “جيش لبنان الجنوبي“، المعروف بجيش لحد، بدعم إسرائيلي وضم عناصر منشقة عن الجيش.
ويرى كثيرون أن الظروف التي سمحت بانقسامات داخل الجيش خلال الحرب الأهلية لم تعد قائمة اليوم. ويعتبر بشير أن الحديث عن احتمال انقسام الجيش يندرج في إطار “التهويل السياسي”
في المقابل، عبّر البعض عن قلقه من تداعيات التصعيد السياسي. فقد كتب المحامي نزار صاغية على منصة “إكس“: “كلما زاد العداء بين المحاور حدة، ازداد الخطر على الوحدة اللبنانية”.
وسط تصاعد الجدل، تتزايد الدعوات إلى كشف ملابسات القضية سريعا وتحديد الجهة التي تقف خلف بيان “الضباط الوطنيين”، في ظل تحذيرات من أن ترك الملف من دون حسم قد يفتح الباب أمام مزيد من الشائعات والتوترات.



