بين تصعيد ميداني متواصل وتصريحات سياسية تفتح الأبواب على احتمالات عدة، يقف لبنان عند تقاطع دقيق بين الحرب والدبلوماسية.
ومع طرح لبنان خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لوقف الحرب، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، أمس الخميس، أنه أصدر تعليمات ببدء مفاوضات مباشرة مع لبنان “في أقرب وقت ممكن”، مشيراً إلى أن هذه المحادثات ستركّز على نزع سلاح حزب الله وإقامة علاقات سلمية بين البلدين، مضيفاً أنه كلّف المجلس الوزاري الأمني المصغّر الدفع بهذا المسار سريعاً.
كما شدّد نتانياهو على أنه “لن يكون هناك وقف لإطلاق النار في لبنان قبل تحقيق الأمن في شمال إسرائيل”.
ميدانياً، نقل الجيش الإسرائيلي رسائل تصعيدية، إذ قال رئيس الأركان إيال زامير خلال جولة في جنوب لبنان إن “لبنان هو ساحة القتال الرئيسة بالنسبة لنا الآن”، وأشار الجيش الإسرائيلي إلى أن زامير أجرى تقييماً للوضع الميداني وصادق على خطط عسكرية مستقبلية مع قادة القيادة الشمالية.
مقاربة لبنانية
بعد أن كان يُنظر إلى أي تفاوض مباشر مع إسرائيل باعتباره خطاً سياسياً أحمر، قدّم رئيس الجمهورية جوزاف عون في التاسع من مارس مبادرته السياسية في محاولة لوقف الانزلاق نحو حرب أوسع.
وفي هذا الإطار، دعا عون إلى دعم دولي لمسار متكامل يبدأ بإرساء هدنة شاملة، ويشمل تقديم دعم لوجستي للقوات المسلحة اللبنانية، وانتشار الجيش في مناطق التوتر، بالتوازي مع العمل على تفكيك مخازن سلاح حزب الله، وفق المعطيات المتاحة.
كما تضمن الطرح اللبناني إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية، بهدف الاتفاق على آليات تنفيذ هذه الخطوات وترسيخ الاستقرار الدائم على الحدود.
ومن جهته، عرض رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ملامح مقاربة الحكومة لوقف الحرب والتعامل مع تداعياتها السياسية والأمنية والإنسانية، إذ كشف في مقابلة مع صحيفة “لوريان لوجور” أن لبنان منفتح على مختلف صيغ التفاوض لإنهاء النزاع، مع التمسك بمسار حصر السلاح بيد الدولة.
ويؤكد مصدر رسمي لبناني لموقع “الحرة” أن التوجه العام لدى القوى السياسية، بما فيها رئيس مجلس النواب نبيه بري، يقوم على الانخراط في أيّ مسار تفاوضي، شرط التوصل أولاً إلى وقف لإطلاق النار، مشيراً إلى وجود توافق بين الرؤساء الثلاثة على هذا المبدأ.
في السياق نفسه، تشدد مصادر القصر الجمهوري للـ”الحرة” على أن “الأولوية حالياً هي للتوصل إلى هدنة على غرار النموذج الذي حصل بين واشنطن وطهران، تمهيداً للانتقال إلى المفاوضات، على أن تُبحث لاحقاً الشروط التفاوضية اللبنانية”.
بدوره، يؤكد وزير الزراعة الدكتور نزار هاني لموقع “الحرة” أن “شرط أي تفاوض، وفق ما تطرحه المبادرة اللبنانية، هو وقف إطلاق النار أولاً قبل الانتقال إلى أيّ مسار تفاوضي”.
وفي أول رد من حزب الله على طرح التفاوض المباشر مع إسرائيل، دعا نائب الحزب علي فياض الحكومة اللبنانية، الخميس، إلى “التمسك بوقف إطلاق النار كشرط مسبق قبل الانتقال إلى أي خطوة لاحقة”، مشدداً على رفض أيّ مفاوضات مباشرة.
وأكد فياض “ضرورة التمسك بالثوابت الوطنية، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ووقف الأعمال العدائية، وعودة السكان إلى قراهم وبلداتهم”.
تحدي سلاح حزب الله
يشكّل ملف سلاح حزب الله أحد أبرز الشروط التي تضعها إسرائيل في صلب أي مفاوضات محتملة.
وفي ردٍّ على تساؤلات حول قدرة الحكومة اللبنانية على نزع هذا السلاح، يؤكد هاني أن “القرار السياسي في هذا الشأن قد اتُّخذ”، مشيراً إلى أن “الحكومة اتخذت خطوات متقدمة، لكنها لم تحظَ بمستوى الدعم الدولي المطلوب”.
ويضيف إن الجيش اللبناني “باشر تنفيذ هذه القرارات بإمكانات متواضعة، مستفيداً من دعم محدود من بعض الشركاء، لا سيما على صعيد اللوجستيات والمعدات”. إلا أن هذه العملية، بحسب هاني، تتطلب دعماً أكبر بكثير، “وهو ما تطالب به الحكومة والجيش على حد سواء”.
ويلفت هاني إلى أن التطورات الإقليمية، ولا سيما مسار التفاوض الإيراني–الأميركي، “قد تشكّل عاملاً مساعداً في دفع لبنان نحو تحقيق تقدّم في هذا الملف”.
في المقابل، تؤكد مصادر القصر الجمهوري أن هذا الملف “يرتبط مباشرة بمسار التفاوض وتطوراته في حال انطلاقه”.
وفيما يتعلق بهوية الوفد اللبناني المفاوض، توضح مصادر القصر الجمهوري أنه “لم يتم بعد تحديد الأسماء”، مشيرة إلى “انتظار اجتماع تمهيدي يُفترض أن يُعقد في وزارة الخارجية الأميركية، بمشاركة سفيرة لبنان لدى واشنطن وذلك بهدف بلورة إطار المفاوضات وشكلها”.
وعن شروط لبنان لإبرام اتفاق سلام مع إسرائيل، يوضح هاني أن “هذا الملف يُبحث من خلال التفاوض” ويضيف أن “المفاوضات هي التي ستحدد التفاصيل والشروط التي يجب أن يلتزم بها الطرفان، فيما تبقى الثوابت اللبنانية متمثلة في انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، وتسليم الأسرى اللبنانيين، ووقف الاعتداءات اليومية”.
وتعكس هذه المواقف المتباينة فجوة واضحة بين الطرفين، إذ تدفع إسرائيل نحو مفاوضات تحت ضغط عسكري، فيما يصرّ الجانب اللبناني على وقف إطلاق النار كمدخل إلزامي لأي مسار سياسي.
وفي ظل استمرار التصعيد الميداني والتجاذب السياسي الداخلي، يبقى مستقبل هذه الدعوات رهناً بمسار الاتصالات الدولية.



