بعد 3 أسابيع من الهجمات: استراتيجية دول الخليج في مواجهة إيران

مع اتساع نطاق الهجمات العسكرية في المنطقة، تكثف دول الخليج جهودها السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد، بالتوازي مع مساع لرفع مستوى جاهزيتها الدفاعية. وتؤكد تصريحات خليجية رسمية القدرة على الرد، في حين تشدد أخرى على ضرورة التهدئة، وهو ما يعكس مزيجا من الحذر وتأكيد القدرة على الانخراط في الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.

الخميس، قال وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، إن “إيران مخطئة إذا كانت تظن أن دول الخليج غير قادرة على الرد” على الهجمات التي تتعرض لها من جانب طهران.

وجاء التصريح في سياق حراك دبلوماسي مكثف، إذ استضافت الرياض، مساء الأربعاء، اجتماعا تشاوريا لوزراء خارجية دول عربية وإسلامية لبحث دعم أمن المنطقة واستقرارها، فيما عقد وزراء خارجية مجلس التعاون، الأحد الماضي، اجتماعا استثنائيا بمشاركة وزيرة الخارجية البريطانية لبحث التصعيد، مع التركيز على حماية الأجواء والممرات البحرية وسلاسل الإمداد واستقرار أسواق الطاقة.

وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي المتخصص في شؤون الخليج عبدالله باعبود أن المشكلة لا تتعلق فقط بغياب إعلان صريح لاستراتيجية، بل بطبيعة المقاربة نفسها. ويوضح أن البيان الخليجي في 1 مارس 2026 أكد وحدة الموقف و”أن أمن الدول الأعضاء غير قابل للتجزئة”، مع الاحتفاظ بحق الرد وفق المادة 51، لكنه في الوقت ذاته شدد على أولوية الحوار والدبلوماسية. هذا المزج بين الردع القانوني والاحتواء السياسي، بحسب باعبود، يعكس توجها دفاعيا أكثر منه مبادرة استراتيجية.

من واشنطن، يقدم السفير الأميركي السابق جيمس جيفري قراءة مقاربة، إذ يقول في حديثه مع “الحرة” إن دول الخليج، رغم تعرضها للهجمات وتضرر صادراتها النفطية، “لا تريد أن تبدو” طرفا في القتال، كما لا ترغب في أن “ترتبط بعملية عسكرية إسرائيلية”. الهدف، كما يراه، هو الحفاظ على هامش يسمح لها بلعب دور الوسيط إذا ما فتحت نافذة تفاوض.

الحذر الذي تبديه دول الخليج في التعامل مع الملف الإيراني ليس جديدا. فمنذ ثمانينات القرن الماضي، تعايشت دول الخليج مع أنماط متكررة من التهديدات المرتبطة بطهران، من استهداف ناقلات النفط إلى التلويح بإغلاق مضيق هرمز، وصولا إلى ضرب منشآت الطاقة وتفعيل دور الوكلاء. الجديد هذه المرة كان حجم الهجوم وتعقيده.

آرون ديفيد ميلر، المفاوض السابق في وزارة الخارجية الأميركية، يربط حدود الجاهزية الخليجية بطبيعة الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة. ويشير إلى أن أنظمة الدفاع الجوي التي عززتها القيادة المركزية الأميركية خففت من الخسائر، لكنها لم تلغ هشاشة المشهد، خاصة مع انتقال الاستهداف إلى البنية التحتية الحيوية. ويخلص إلى أن الخليج يظل “نقطة ضعف هيكلية بحكم الجغرافيا”.

ورغم أن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير لم تكن مفاجئة بالكامل، فإن العواصم الخليجية حاولت منذ البداية الدفع نحو قنوات دبلوماسية غير معلنة لتفادي الانخراط المباشر. وعبرت السعودية وقطر وسلطنة عمان عن قلقها من تداعيات أي ضربة، وأكدت رفض استخدام أراضيها كنقاط انطلاق لعمليات عسكرية.

غير أن هذه المقاربة لم تحل دون توسيع إيران نطاق ردها على الهجمات الأميركية الإسرائيلية. وهو ما يعكس، بحسب باعبود، حدود الأدوات الدبلوماسية في بيئة تحكمها موازين القوة.

في الجانب الدفاعي، يرى توم واريك، نائب مساعد وزير الأمن الوطني الأميركي السابق، أن دول الخليج أظهرت قدرة على التكيف، مستفيدة حتى من تجارب مثل أوكرانيا في مواجهة الطائرات المسيرة. لكنه يشير إلى أن المقاربة لا تزال دفاعية، وأن خيار الانتقال إلى الهجوم لم يحسم بعد.

ويفسر سالم اليامي، المستشار السابق في وزارة الخارجية السعودية، هذا التردد بأنه إدراك لحساسية الانخراط في صراع مفتوح. يقول إن دول المجلس تميل إلى تجنب مواجهات غير محسومة، خاصة أن الأزمة تمس مصالحها الحيوية أكثر مما تمثل حربا مباشرة لها.

وفي الخلفية، تتزايد الضغوط. وينقل تقرير لوكالة رويترز عن مصادر خليجية أن دول المنطقة لم تدفع واشنطن إلى الحرب، لكن بعضها يرى أن الضربات المحدودة قد لا تكون كافية لردع إيران، خصوصا في ما يتعلق بمضيق هرمز. في المقابل، تحدثت مصادر دبلوماسية عن ضغوط أميركية لدفع الخليج إلى الانخراط بشكل أوسع، مع سعي الرئيس دونالد ترامب لإظهار دعم إقليمي للعملية.

حتى الآن، لم تحسم دول الخليج موقفها من استخدام قدراتها الهجومية. ميلر يقول إن هذا الخيار لا يزال قيد الدراسة، وسط خشية واضحة من رد إيراني قد يستهدف البنية التحتية النفطية.

في قراءة أوسع، يرى أستاذ الفلسفة السياسية محمد الوهيب أن ما يبدو ترددا هو في الواقع خيار محسوب. يوضح أن طبيعة الصراع، بتعقيداته وتشابكاته، تدفع دول الخليج إلى إدارة المواجهة بأدوات غير مباشرة، عبر التحالفات والضغط الدبلوماسي وتعزيز الدفاعات، بهدف تحقيق ردع تدريجي دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

ويذهب سالم اليامي في الاتجاه نفسه، معتبرا أن هناك استراتيجية غير معلنة تقوم على التمسك بحق الرد قانونيا، مع تجنب الانجرار إلى الحرب والحفاظ على استقلال القرار. لكنه يقر بأن التحدي يكمن في تحويل هذا التوافق السياسي إلى أدوات أكثر فاعلية.

أما باعبود فيرى أن هذه المقاربة قد لا تكون كافية على المدى الطويل، في ظل غياب عقيدة استراتيجية واضحة تحدد الخطوط الحمراء وآليات الرد الجماعي.

وتشير ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، إلى هذا القلق بوضوح حين تقول إن “دول الخليج تعرف أن أي مواجهة مباشرة مع إيران لن تبقى على مستوى الضربات الرمزية، بل قد تمتد إلى الطاقة والموانئ والملاحة والطيران والأسواق وسلاسل الإمداد”، مضيفة أن الاحتواء، رغم كلفته، يظل أقل خطرا من حرب استنزاف مفتوحة.

وتعكس الأرقام التي أعلنتها وزارة الدفاع الإماراتية حجم التصعيد وكثافة الهجمات، إذ بلغ إجمالي ما تم اعتراضه منذ بدء الحرب 338 صاروخا باليستيا و15 صاروخا جوالا و1740 طائرة مسيّرة. وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل ستة مدنيين وإصابة 145 آخرين بجروح متفاوتة، من مواطنين ومقيمين من جنسيات مختلفة.

وفي السياق ذاته، أعلنت البحرين اعتراض وتدمير 129 صاروخا و233 طائرة مسيّرة، ما يعكس نمطا متشابها من التهديدات التي تواجهها دول الخليج، من حيث طبيعة الاستهداف وحِدته.

في خضم هذا المشهد، تبدو دول الخليج أمام معادلة معقدة: كيف تدافع عن نفسها دون أن تتحول إلى طرف مباشر في حرب لا تتحكم بمسارها؟

با عبود يرى أن الإجابة تكمن في الانتقال من إدارة ردود الفعل إلى بناء موقف خليجي أكثر وضوحا، يقوم على اعتبار استهداف أي دولة أو منشأة حيوية استهدافا جماعيا يستدعي ردا متعدد الأدوات، من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. ويشير إلى أن ذلك يتطلب تعزيز التنسيق، وتوسيع أدوات الردع لتشمل الجوانب الاقتصادية والسيبرانية والقانونية، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا بشروط واضحة.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading