قبل أسابيع قليلة، ذكرت منصة “تانكر تراكرز” أن الكويت لم تصدّر أيّ كميات من النفط الخام خلال أبريل الماضي.
ستكون هذه سابقة هي الأولى من نوعها منذ نهاية حرب الخليج الأولى عام 1991، في حال صحّ هذا الخبر، الذي لم يصدر نفي رسميّ كويتي بشأنه حتى الآن.
قبل بدء “حرب إيران” في فبراير الماضي، كانت الكويت تصدّر نحو 2.5 مليون برميل يومياً.
تراجع إنتاج وتصدير النفط شمل الدول الخليجية الأخرى بوتائر متباينة، منذ تعرّضها لهجمات إيرانية خلال الحرب، طال بعضها منشآتها النفطية، وإغلاق مضيق هرمز الذي كانت تمر عبره ملايين براميل النفط التي تصدّرها هذه الدول يوميا.
في ظل هذا الواقع، لم تعد المسألة مقتصرة على اضطراب مؤقّت في الإمدادات أو تقلّبات ظرفية في السوق، بل باتت ترتبط بإعادة تقييم أوسع لمكانة الخليج داخل منظومة الطاقة العالمية. فالمستوردون الذين اعتادوا لعقود على اعتبار نفط المنطقة الركيزة الأكثر استقرارًا في سلاسل التوريد، وجدوا أنفسهم أمام معادلة جديدة لا تقوم على الوفرة فقط، بل على قابلية الاستمرار في ظل المخاطر الجيوسياسية.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الأرقام بحد ذاتها، بل في الدلالة التي حملتها: ماذا لو لم يعد نفط الخليج ذلك “المصدر الآمن” الذي تأسس عليه استقرار الاقتصاد العالمي لعقود طويلة؟
لسنوات، لم تكن المنطقة مجرد مُصدّر للطاقة، بل كانت تُقدَّم كضمانة ضمنية لاستمرارية التدفق العالمي، حتى في أحلك الظروف. غير أن الحرب الأخيرة وما رافقها من اضطرابات في الملاحة وإغلاق لمضيق هرمز، أعادا فتح هذا التصور على أسئلة كانت مؤجلة طويلًا، تتعلق بمدى هشاشة البنية التي قامت عليها أسواق الطاقة.
ومع تعطل جزء من الإمدادات الخليجية، لم تتأخر الأسواق في التقاط الإشارة. بدأت خريطة الاعتماد العالمي على النفط تتبدل تدريجيًا، حيث عاد النفط النيجيري إلى الواجهة باعتباره خيارا أقل تعرضا للمخاطر الجيوسياسية، واستفادت البرازيل من بعدها الجغرافي عن بؤر التوتر، فيما ازداد الاهتمام بمنتجين آخرين مثل ليبيا والجزائر وفنزويلا، وصولًا إلى عودة سوريا إلى بعض النقاشات المرتبطة بإعادة تشكيل مستقبل الطاقة.
وهنا تحديدا تتضح ملامح التحول الأعمق؛ فالأزمات السابقة في الشرق الأوسط كانت، في معظمها، تنتهي بإعادة ترسيخ أهمية الخليج وارتفاع وزنه في السوق العالمية. أما اليوم، فإن طبيعة الاستجابة مختلفة: المستوردون لا يسعون فقط إلى تنويع مصادرهم، بل إلى تقليل الاعتماد على منطقة يُحتمل أن تشهد فيها الإمدادات انقطاعا مفاجئا.
على خطّ هذا التحوّل، تقوم أوروبا بتوسيع استثماراتها في الغاز الإفريقي، وآسيا تعزز مشترياتها من البرازيل والولايات المتحدة، بينما تعيد الشركات الكبرى إدراج “مخاطر الخليج” كعنصر دائم في حساباتها الاستراتيجية طويلة الأمد.
ويرى خبير قطاع الطاقة والمدير العام السابق لتسويق النفط والغاز بوزارة الطاقة والمعادن في سلطنة عمان علي الريامي أن الحرب الأخيرة ستكون نقطة تحوّل في مسار الطاقة العالمي، موضحاً أن الدول الآسيوية الكبرى، مثل الصين واليابان وكوريا والهند، تلقت “درسا قاسيا” بشأن خطورة الاعتماد على مصدر واحد للطاقة.
ويؤكد الريامي لـ”الحرة” أن خريطة الطاقة العالمية ستتغيّر تدريجيا خلال السنوات المقبلة، ليس عبر الاستغناء الكامل عن النفط الخليجي، بل من خلال إعادة توزيع الحصص والأسواق مع صعود منافسين جدد مثل الولايات المتحدة وفنزويلا والبرازيل وغويانا وكندا.
ومع تزايد المخاوف من هشاشة إمدادات الطاقة في منطقة الخليج، تتجه الأنظار إلى الكيفية التي قد تعيد بها الحرب تشكيل أولويات الدول المستوردة والمصدّرة على حد سواء، وهو ما ينعكس بوضوح في التحركات المتسارعة داخل أسواق النفط والغاز العالمية.
في هذا السياق، يعتبر أستاذ الإدارة الاستراتيجية والخبير الاقتصادي عبد الوهاب القحطاني، في حديث لموقع “الحرة”، أن “ما يحدث اليوم يدفع الدول المستوردة والمصدّرة للطاقة إلى تسريع استراتيجيات تنويع المورّدين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، وتوقيع عقود طويلة الأجل مع منتجين من خارج منطقة الخليج، إلى جانب الاستثمار في خطوط نقل بديلة تتجاوز المضائق الحساسة”.
ويضيف القحطاني إن “الولايات المتحدة تعد من أكبر المستفيدين من الأزمة الحالية، رغم ارتفاع تكلفة إنتاج النفط الصخري فيها، إضافة إلى البرازيل وغيانا والنرويج وبعض الدول الإفريقية المنتجة للنفط مثل نيجيريا”.
من جانبه، يرى الكاتب الاقتصادي والباحث في الحكم الاستراتيجي إبراهيم بن يوسف المالك أن “الأزمة الحالية لا تعني خروج الخليج من معادلة الطاقة العالمية، لكنها تسرّع إعادة التفكير العالمي في مخاطر الاعتماد على منطقة واحدة أو ممر واحد للطاقة”.
ورغم ذلك، يدعو المالك، في حديث لموقع الـ”الحرة”، إلى عدم المبالغة في الحديث عن سهولة استبدال “نفط الخليج”. فبرأيه “لا يتجه العالم نحو التخلي عن الخليج، بل نحو إدارة المخاطر عبر تنويع المصادر وتقليل الارتهان لمنطقة واحدة”.
أما القحطاني فيقول إن “المرحلة المقبلة لن تقوم على الاعتماد المطلق على الخليج، ولا الابتعاد الكامل عنه، بل على تنويع المصادر، وهو ما يفسر اتجاه بعض الدول الخليجية إلى تقليل اعتمادها على النفط والتوسع في مشاريع الغاز والطاقة البديلة”.
على أن ذلك لا يمثّل التحدي الوحيد أمام دول مجلس التعاون الخليجي، إذ يعتبر الريامي أن “التحدي الأكبر قد يكون في الأسعار لا في الطلب”، لافتاً إلى أن المنافسة المتزايدة، سواء من المنتجين الجدد مثل البرازيل وغويانا وكندا، أو حتى بين الدول الخليجية نفسها، ستضغط على الأسعار خلال الفترة المقبلة، خصوصا في الأسواق الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا.
سكينة المشيخص
كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية


