الخليج ليس متفرجا: لماذا لا يمكن رسم مستقبل الشرق الأوسط بدونه
الحرب على إيران تُعاد فيها هندسة المنطقة بأكملها - ودول الخليج تدفع الثمن الأكبر دون أن يكون لها مقعد على طاولة المفاوضات.

أفاتار عبدالعزيز الخميس

حين أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما المشتركة على إيران فجر الثامن والعشرين من فبراير، لم تكن دول الخليج العربي قد أُبلغت مسبقًا. استيقظ سكان الرياض وأبو ظبي والدوحة والمنامة على واقع جديد لم يختاروه: حرب إقليمية شاملة تدور على أعتاب بيوتهم، دون أن يكون لهم رأي في إشعالها أو إطفائها.

بعد أقل من يومين، جاء الرد الإيراني ليؤكد أسوأ المخاوف. لأول مرة في التاريخ، استُهدفت جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست بصواريخ ومسيّرات إيرانية، رغم أن أيا منها لم تشارك في الهجوم. سقط قتلى ومصابون، وتعطّل إنتاج النفط والغاز، واهتزّت الثقة التي بُنيت خلال سنوات من الدبلوماسية الهادئة مع طهران.

والآن، بعد مرور شهر تقريبًا على بدء الحرب، يجد الخليج نفسه في أكثر المواقف تناقضًا: هو الأكثر تضررًا من هذا الصراع، والأكثر غيابًا عن مفاوضات إنهائه.

MBN Alhurra
أجندة MBN

نشرة أسبوعية تقدّم رؤى وتحليلات من داخل دوائر واشنطن حول قضايا الشرق الأوسط.

ثمن لم يدفعه أحد غيرهم 

الأرقام وحدها تروي القصة. ألفا سفينة تجارية ونحو عشرين ألف بحّار عالقون في مضيق هرمز، الممر الذي يعبر منه خُمس نفط العالم يوميًا. أسعار الطاقة ارتفعت بشكل حاد، وأقساط التأمين البحري تضاعفت، وسلاسل الإمداد العالمية ترتجف. الخبراء يصفون ما يحدث بأنه أسوأ انقطاع تجاري منذ ثمانين عامًا.

لكن الأثر يتجاوز الأرقام. رؤية السعودية ٢٠٣٠، التي راهنت على تحويل المملكة إلى وجهة سياحية واستثمارية عالمية، تواجه اختبارًا وجوديًا. من سيستثمر في منطقة تتساقط فيها الصواريخ؟ وكيف تروّج لسياحة ترفيهية وأنت على مرمى مسيّرة من حرب مفتوحة؟ الإمارات، التي بنت سمعتها كملاذ آمن للأعمال والتكنولوجيا، تنتظر نهاية الحرب كي تعود عجلة قطف ثمار سياساتها الدولية الرائدة.

الكويت والبحرين وقطر وعُمان تعيش الوضع ذاته بدرجات متفاوتة: دول صغيرة جغرافيًا، هائلة اقتصاديًا، وجدت نفسها في خط النار دون أن تُطلق رصاصة واحدة.

مفاوضات بدون المتضررين 

ما يجري الآن على المستوى الدبلوماسي يكشف خللًا بنيويًا. واشنطن وطهران تتبادلان الرسائل عبر وسطاء – باكستان وعُمان وتركيا – حول مقترح أمريكي من خمس عشرة نقطة يطالب إيران بتفكيك برنامجها النووي بالكامل، والتخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصّب، وفتح جميع منشآتها أمام مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إيران رفضت المقترح ووصفته بأنه “تعجيزي وغير معقول”، وقدّمت مقترحًا مضادًا أكثر تواضعًا.

لكن السؤال الذي لا يطرحه أحد في واشنطن: أين الخليج في كل هذا؟

دول مجلس التعاون ليست مجرد جيران جغرافيين لإيران. هي الطرف الذي يعيش مع نتائج أي اتفاق – أو أي فشل – لعقود قادمة. هي التي تتشارك مع إيران حوض الخليج العربي بموارده النفطية ومصائده وممراته الملاحية. هي التي تضم ملايين العمالة الأجنبية التي يعتمد عليها اقتصاد المنطقة بأكمله. وهي التي ستتحمل عبء إعادة الإعمار والاستقرار بعد أن تسكت المدافع.

كما صرّح وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان: “من المهم أن يفهم الإيرانيون أن المملكة وشركاءها الذين تعرّضوا للهجوم يمتلكون قدرات عسكرية هائلة يمكنهم استخدامها إذا اختاروا ذلك”. هذا ليس تهديدًا فارغًا – إنه تذكير بأن الخليج لاعب استراتيجي لا يمكن تجاهله.

MBN China Tracker
مرصد النفوذ الصيني من MBN

منصة تفاعلية قائمة على البيانات ترصد تمدّد النفوذ الصيني الاقتصادي والسياسي والعسكري في الشرق الأوسط مقارنةً بالولايات المتحدة.

لماذا يحتاج أي اتفاق إلى الخليج؟

هناك ثلاثة أسباب جوهرية تجعل أي مفاوضات بدون الخليج محكومة بالفشل:

أولًا، الأمن البحري. مضيق هرمز ليس ممرًا إيرانيًا – إنه شريان حياة مشترك. أي ترتيب أمني لضمان حرية الملاحة بعد الحرب لا يمكن أن يصمد دون مشاركة الدول التي تطل عليه من الجانب الآخر. السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر وعُمان ليست مجرد مراقبين – هم شركاء في إدارة أهم ممر مائي في الاقتصاد العالمي.

ثانيًا، الملف النووي لا ينتهي بتدمير منشأة. حتى لو نجحت الضربات في تأخير البرنامج النووي الإيراني لسنوات، فإن المعرفة التقنية لا تُقصف. إيران ستعيد البناء ما لم يكن هناك إطار دبلوماسي مستدام يشمل ضمانات أمنية إقليمية حقيقية. والخليج هو الطرف الأقدر على تقديم حوافز اقتصادية وأمنية لإيران مقابل تنازلات نووية دائمة – لأن العلاقة بينهما وجودية وطويلة الأمد، وليست موسمية كعلاقة واشنطن بطهران.

ثالثًا، مستقبل شبكة الوكلاء. حزب الله يُقصف في لبنان، والحوثيون يعيدون حساباتهم، والميليشيات العراقية تترقب. تفكيك “محور المقاومة” الإيراني – إن حدث – سيخلق فراغات سياسية وأمنية هائلة في لبنان والعراق واليمن وسوريا. ملء هذه الفراغات بالاستقرار بدلًا من الفوضى يتطلب استثمارات خليجية ضخمة ونفوذًا دبلوماسيًا لا تملكه واشنطن ولا تل أبيب. ببساطة: الخليج هو من سيدفع فاتورة ما بعد الحرب، فلماذا لا يكون شريكًا في صياغة شروطها؟

الانقسام الخليجي: تحدٍّ وفرصة 

ليس سرًا أن دول الخليج ليست موحدة تمامًا في موقفها. السعودية والإمارات تميلان إلى استمرار الضغط العسكري على إيران، بعد أن استُهدفت أراضيهما بشكل مباشر. عُمان، وفيّة لتقليدها الدبلوماسي، تنادي بوقف فوري للعمليات العدائية. وزير خارجيتها صرّح بوضوح: “المصالح الوطنية لكل من إيران وأمريكا تكمن في أسرع نهاية ممكنة للأعمال العدائية”.

لكن هذا الانقسام – رغم تحدياته – يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُحسن توظيفه. دول الخليج مجتمعة تمتلك طيفًا دبلوماسيًا فريدًا: من الصرامة السعودية إلى الحيادية العُمانية، ومن الواقعية الإماراتية إلى الوساطة القطرية. هذا التنوع يمنحها القدرة على التحدث مع جميع الأطراف بمصداقية – وهو ما لا تستطيعه واشنطن بمفردها.

الحرب، مفارقةً، أعادت لحمة مجلس التعاون. الخلاف السعودي-الإماراتي الذي تعمّق في السنوات الأخيرة خفّ كثيرًا أمام الغضب المشترك من الهجمات الإيرانية. وهذه اللحظة النادرة من التوافق يجب أن تُستثمر قبل أن تتبدد.

MBN Alhurra
بودكاست إحاطة إيران من MBN

حوارات معمّقة مع خبراء تستعرض أحدث التطورات في إيران وتداعياتها على الأمن وأسواق الطاقة والجغرافيا السياسية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.

المقعد المفقود على الطاولة 

في السادس من أبريل، ينتهي التعليق الأمريكي المؤقت للضربات على البنية التحتية النفطية الإيرانية. إما أن تُستأنف الحرب بشراسة أكبر، أو أن تُفتح قناة دبلوماسية حقيقية. في كلتا الحالتين، ستكون دول الخليج هي الأكثر تأثرًا بالنتيجة.

التاريخ يعلّمنا أن الاتفاقيات التي تُفرض من الخارج على المنطقة لا تصمد. اتفاقية سايكس-بيكو رُسمت في لندن وباريس، فأنتجت قرنًا من عدم الاستقرار. الاتفاق النووي مع إيران عام ٢٠١٥ أُبرم في فيينا دون مشاركة خليجية فاعلة، فانهار. أي ترتيب جديد للمنطقة يتجاهل من يعيشون فيها ويدفعون ثمن حروبها سيلقى المصير ذاته.

ما يحتاجه الخليج اليوم ليس فقط مقعدًا على طاولة المفاوضات – بل صوتًا مسموعًا يقول: نحن لسنا ساحة للحروب بالوكالة، ولسنا هامشًا في خرائط القوى الكبرى. نحن شركاء في صنع السلام لأننا ندفع ثمن الحرب.

والعالم الذي يتجاهل هذا الصوت اليوم سيسمعه غدًا – لكن بكلفة أعلى بكثير.


 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

عبدالعزيز الخميس

عبد العزيز الخميس كاتب ومحلل استراتيجي متخصص في شؤون الخليج والشرق الأوسط وعلاقات القوى الإقليمية.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading