السر في الغرب.. مصر تلعب ورقة ليبيا بحثاً عن الطاقة

تلقي التطورات في الشرق الأوسط بظلال كثيفة على سوق الطاقة في مصر، في وقت تسعى القاهرة إلى تحقيق قدر من الاستقرار النسبي فيها، بعد ضغوط اقتصادية متراكمة، أبرزها  اضطرابات إيرادات قناة السويس والتهديدات المتصاعدة في مضيق هرمز.

وفي هذا السياق، ذكرت وكالة “بلومبرج نيوز“، الأحد، أن مصر تتجه لاستيراد ما لا يقل عن مليون برميل شهريًا من النفط الخام الليبي، في خطوة تهدف إلى تعويض توقف إمدادات النفط من الكويت، بعد إعلان مؤسسة البترول الكويتية حالة “القوة القاهرة” على مبيعات الخام، وهو ما يعني توقف تنفيذ العقود التجارية نتيجة ظروف استثنائية خارجة عن السيطرة تجعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية مستحيلاً.

وكانت مصر تستورد ما بين مليون ومليوني برميل شهريًا من النفط الكويتي، إضافة إلى نحو مليون برميل من شركة “أرامكو” السعودية، وذلك ضمن تسهيلات ائتمانية ساهمت في دعم استقرار سوق الطاقة المحلي خلال السنوات الماضية.

وعلى هامش قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد، التي عُقدت في طرابلس في 24 يناير الماضي، وقّعت مصر وليبيا مذكرة تفاهم للتعاون في مجالات البترول والغاز الطبيعي والتعدين، وذلك بحضور رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة، ووزير البترول المصري كريم بدوي، ووزير النفط والغاز الليبي خليفة عبد الصادق.

وتهدف مذكرة التفاهم إلى تدشين مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين في قطاع البترول، تشمل مجالات البحث والاستكشاف، وتكرير النفط، وتطوير المصافي، إلى جانب دراسة نقل الزيت الخام والغاز الطبيعي بين البلدين.

ويقول جمال القليوبي، أستاذ البترول والطاقة، إن “الفترة المقبلة قد تشهد تحديات إضافية مرتبطة بمضيق هرمز، إلى جانب توترات محتملة في منطقة باب المندب، ما استدعى البحث عن حلول سريعة وآمنة بعيدًا عن مناطق الصراع”. وأوضح أن الاتفاق بين مصر وليبيا يتضمن استيراد الخام عبر ناقلات من ميناء سرت.

ولفت القليوبي، في حديث لموقع “الحرة”، إلى إمكانية التوسع في طلب كميات إضافية من النفط الخام في إطار هذا التعاون.

وأضاف إن حالة عدم الاستقرار التي شهدتها ليبيا سابقًا أثرت على علاقاتها الاقتصادية مع عدد من الدول، وإن “مصر تتمتع بمرونة في التعامل مع مختلف الأطراف، ما يجعل هذه الاتفاقات عاملًا إيجابيًا يدعم مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية”.

وفي إطار خطتها لتأمين احتياجات السوق المحلية، تسعى الحكومة المصرية إلى استيراد ما يتراوح بين 3.5 مليون و4 ملايين برميل من النفط شهريًا من دول عربية وأسواق أوروبية.

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 3 ملايين برميل من النفط الخام سيتم توفيرها عبر دول عربية مرتبطة مع مصر بخط “سوميد”، بالإضافة إلى شحنات أخرى يتم تسليمها مباشرة إلى الموانئ المصرية.

وفي هذا الإطار، جاء التعجيل بتنفيذ الاتفاق مع ليبيا، التي انضمت إلى قائمة الدول التي تسعى الهيئة المصرية العامة للبترول للتعاقد معها خلال الربع الثاني من العام الجاري، بهدف سد الفجوة في قدرات معامل التكرير المحلية، وتوفير المنتجات البترولية اللازمة لمختلف القطاعات، والتي يُتوقع أن تمثل نحو 20% من إجمالي احتياجات السوق.

ويبلغ إنتاج مصر من النفط الخام نحو 500 ألف برميل يوميًا، في حين تعمل معامل التكرير بمعدلات تتراوح بين 620 و650 ألف برميل يوميًا، ما يعكس فجوة نسبية بين الإنتاج والاستهلاك.

ويقول مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول السابق، إن النفط الليبي من النوع الخفيف الشمعي، وهو يتشابه جزئيًا مع نفط الصحراء الغربية في مصر، إلا أنه يتطلب تسخينًا أثناء التخزين والتداول، وهو ما يفسر عدم استيراده سابقًا. وأوضح لـ”الحرة” أن هذه النوعية لا تصلح للتكرير في المصافي المصرية إلا بعد خلطها بخامات أخرى مناسبة، مشيراً إلى أن إبرام هذا الاتفاق يمثل أول توريدات فعلية من هذا النوع إلى السوق المصرية.

وفي سياق متصل، حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال فعاليات النسخة التاسعة من مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة “إيجبس 2026″، من أن استمرار الحرب في إيران قد يؤدي إلى صدمة واسعة في إمدادات النفط، ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. وأوضح أن العالم يواجه صدمتين متزامنتين، الأولى نقص المعروض من الطاقة، والثانية الارتفاع الحاد في الأسعار، مشيرًا إلى أن وصول سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل يظل احتمالًا قائمًا في ظل التطورات الراهنة.

من جهته، اعتبر الخبير الاقتصادي الليبي علي الصلح، في حديث لـ”الحرة”، أن هذه الخطوة تمثل نموذجًا عمليًا للدبلوماسية الاقتصادية، حيث توظف مصر، كما يؤكد، احتياجاتها من الطاقة لتعزيز نفوذها السياسي وترسيخ الاستقرار في ليبيا. وأوضح أن اعتماد القاهرة على النفط الليبي يخلق مصالح مشتركة عابرة للحدود، تجعل استقرار الإنتاج والتصدير في ليبيا مسألة ترتبط مباشرة بالأمن القومي المصري.

بدوره، يرى ياسر هلال، الباحث في شؤون الطاقة، أن ما تمر به مصر يمثل حالة طارئة مرتبطة بمخاوف تعطل الإمدادات، خاصة في ظل الجدل حول مضيق هرمز، مؤكدًا أن الحديث عن إغلاقه قد يكون مبالغًا فيه ويرتبط أكثر بعوامل تأمينية وارتفاع تكاليف الشحن.

وأوضح أن “مصر تعتمد جزئيًا على إمدادات من “أرامكو” السعودية، مع إمكانية زيادتها عبر ميناء ينبع، إلى جانب “واردات من الكويت بتسهيلات”. وأشار إلى أن استيراد النفط الليبي لا يمثل حلًا مؤقتًا فحسب، بل خطوة استراتيجية لتعزيز العلاقات الإقليمية، مع أهمية توسيع الدور المصري في تسوية الأزمة الليبية، وطرح مشروعات مستقبلية، من بينها خطوط الأنابيب.

وبين الضغوط الجيوسياسية والتحديات الفنية، تبدو تحركات مصر نحو الغرب خيارًا استراتيجيًا يهدف إلى تأمين احتياجاتها من الطاقة، وتقليل الاعتماد على مناطق التوتر.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading