في تطور جديد في مسار العلاقات اللبنانية–الإيرانية، يجد لبنان نفسه أمام مشهد غير مألوف: سفير أجنبي تعلن الدولة أنه “شخص غير مرغوب فيه”، لكنه يرفض المغادرة، وتؤكد بلاده أنه مستمر في عمله كالمعتاد.
هكذا تحوّل قرار بيروت سحب اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني إلى أزمة مفتوحة، بعدما أعلنت طهران تمسّكها ببقائه في لبنان، في خطوة تضع السلطة اللبنانية أمام اختبار عملي لمدى قدرتها على تنفيذ قراراتها.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن السفير “سيواصل عمله”، مؤكداً أن السفارة “لا تزال تعمل”، في موقف يعكس رفضاً صريحاً للقرار اللبناني، ويحوّل القضية من إجراء دبلوماسي إلى مواجهة سياسية.
“تمرّد” إيراني
قرار وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي بسحب اعتماد السفير الإيراني ومنحه مهلة لمغادرة البلاد استند إلى اتهامات بتجاوز الأعراف الدبلوماسية والتدخل في الشأن الداخلي، في مخالفة لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.
وبحسب وزارة الخارجية، أدلى السفير بتصريحات تناولت قرارات حكومية، وعقد لقاءات مع جهات محلية من دون التنسيق مع الوزارة، ما اعتُبر خروجاً عن الأطر المعتمدة للعمل الدبلوماسي.
غير أن ما كان يفترض أن يبقى إجراءً قانونياً تحول سريعاً إلى اختبار سيادي، بعد رفض إيراني علني للقرار.
مصدر رسمي في الوزارة أكد لموقع “الحرة” أن السفير “لم يعد يتمتع بصفته الدبلوماسية، ولا يحق له ممارسة المهام التي كانت مسندة إليه”، واصفاً الموقف الإيراني بأنه “تمرد على قرار الدولة”، ومعتبراً أن “تنفيذ القرار يقع على عاتق الأجهزة الأمنية، مع مراعاة الحصانة التي يتمتع بها مقر السفارة، فيما تبقى أي خطوات إضافية متدرجة من صلاحيات السلطة التنفيذية”.
وتأتي الأزمة في إطار توترات أوسع تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ سبق لرئيس الحكومة نواف سلام أن أكد وجود عناصر تابعة للحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي اللبنانية تشارك في إدارة عمليات عسكرية بشكل مباشر.
كما تتزامن الأزمة مع استهدافات إسرائيلية متكررة لشخصيات مرتبطة بفيلق القدس والحرس الثوري في لبنان، يُضاف إلى ذلك ما أُثير سابقاً حول إصابة السفير الإيراني السابق في بيروت، مجتبى أماني، في حادثة تفجيرات أجهزة البيجر، وهي واقعة سلّطت الضوء على طبيعة الأدوار غير الدبلوماسية لبعض الشخصيات الإيرانية في لبنان.
ضعف أم رسائل قوة؟
رفض إيران سحب سفيرها في بيروت يعكس كما يرى الكاتب والمحلل السياسي إلياس الزغبي ضعفها على مستويات عدة، ليس فقط عسكرياً واقتصادياً، بل سياسياً ودبلوماسياً أيضاً، مضيفاً أنها “لا تستطيع تحمّل نتيجة خطأ سفيرها، ولا تجاوز موقف حزب الله الرافض لرحيله، معتبرة أن طرده يشكل انتكاسة لها تضاف إلى خسائرها الميدانية، وتتفادى تسجيل هذا التراجع في سجلّها”.
ويؤكد الزغبي لـ”الحرة” أن إيران “لم تتعامل مع المسألة باحترام القانون الدولي والاتفاقات الخاصة بالعلاقات الدبلوماسية، تماماً كما تفعل في ملف التسلّح النووي خلافاً لإرادة المرجعيات الدولية المختصة، وكذلك في مسألة تسليح أذرعها في المنطقة لضرب الاستقرار في عدد من العواصم العربية. وهي في هذه المجالات باتت تُعتبر بمثابة دولة مارقة”.
من جهته، يقدّم المحلل السياسي والمحامي أمين بشير في حديث لموقع “الحرة” ثلاثة تفسيرات لتأخر مغادرة شيباني: أولها منح فرصة للاتصالات الجارية لاحتواء الأزمة، وثانيها اعتبار التأخير رسالة سياسية تُعبّر عن عدم اكتراث إيران بالقرار اللبناني، وثالثها انتظار نتائج التطورات الإقليمية قبل اتخاذ أي خطوة.
تصعيد وانتقادات
داخلياً، أثار الموقف الإيراني موجة ردود فعل سياسية حادة. فقد اعتبر رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع عبر منصة “إكس” أن إبقاء السفير يمثل “قمّة الازدراء بالقوانين الدولية وأصول التعاطي بين الدول”، مضيفاً “لقد أمضينا العقود الأربعة الأخيرة في مواجهة هذا الأمر الواقع، وسنعمل بالتأكيد كل ما في وسعنا للخروج منه بأسرع وقت ممكن”.
بدوره، رأى النائب فؤاد مخزومي أن رفض الامتثال يشكل “خرقاً فاضحاً لاتفاقية فيينا، وتحديداً المادة 9″، مطالباً الحكومة باتخاذ إجراءات حاسمة تصل إلى تعليق العلاقات الدبلوماسية في حال استمرار التحدّي.
كما وصف النائب مارك ضو الخطوة بأنها “تحدٍّ سافر لسيادة لبنان”.
وفي سياق متصل، اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن “لبنان هو دولة افتراضية تخضع عملياً لاحتلال إيراني”. وأضاف “لا يزال السفير الإيراني يحتسي قهوته في بيروت ويسخر من “الدولة” المضيفة، كما أن وزراء حزب الله ما زالوا يشغلون مناصبهم في الحكومة اللبنانية”.
وفي قراءته للموقف الإيراني، يرى بشير أن طهران تعاملت مع القرار اللبناني بوصفه “جزءاً من صراع أوسع على الساحة الداخلية، واعتبرته انحيازاً إلى الجانب الأميركي. وبحسب هذا التقدير، جاء الرد سريعاً ومباشراً، من خلال إطلاق الصاروخ الذي وصل إلى منطقة كسروان، كرسالة واضحة تعكس رفض هذا التموضع، وبأن لبنان سيصبح عرضة لتداعياته واحتمالات الاستهداف”.
سيناريوهات مفتوحة
تطبيق قرار طرد شيباني يتأثر بحسب بشير “بالتوازنات الداخلية وبالتركيبة السياسية المعقدة في لبنان، ما يجعل اتخاذ إجراءات صارمة، مثل توقيفه أمراً مستبعداً، لأن أيّ تصعيد سيثير حساسيات لدى الطائفة الشيعية”.
كما يستبعد بشير خيار سحب السفير الإيراني واستبداله بسفير آخر، معتبراً أن ذلك سيُنظر إليه كـ”انتصار للحكومة اللبنانية”، في حين يرى أن إيران لن ترد بالمثل، “لأنها تعتبر نفسها صاحبة اليد الطولى في لبنان”. ويرجح أن يتجه المسار نحو “تهدئة غير معلنة، عبر تجميد تنفيذ القرار وتجنب تسليط الضوء الإعلامي عليه”.
ويصف الأزمة بأنها “قنبلة صوتية إعلامية”، مشدداً على أن “الاختبار الحقيقي للدولة يكمن في قدرتها على مساءلة مسؤولي حزب الله الذين يعلنون مواقفهم بشأن جر لبنان إلى الحرب، رغم احتلال بعضهم مناصب نيابية ووزارية، مع الإشارة إلى أن الدولة لم تتمكن حتى الآن من توقيف حتى عنصر من الحزب”.
في المقابل يشير الزغبي إلى الخيارات المطروحة أمام الدولة اللبنانية، والتي تتراوح بين مراقبة تحركات السفير وتوقيفه في حال خروجه من حرم السفارة، أو الذهاب إلى قطع العلاقات الدبلوماسية. ويقول “السفير بات في موقع المطلوب والمطارد كأي شخص أجنبي مقيم بصورة غير شرعية وبدون ورقة إقامة”.
ومع ذلك يشير الزغبي إلى أن “هناك مساع لتسوية الأزمة بهدوء بحيث يغادر السفير المطرود ويتم استبداله بآخر، لكن التدخل الإيراني السافر في إدارة حرب حزب الله ودعمه يجعل العلاقة اللبنانية الإيرانية محكومة بالتصعيد إلى أن يتم رفع يد طهران عن الشأن اللبناني عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً”.
وبين إصرار بيروت على تثبيت سيادتها ورهان طهران على الوقت والوساطات، تقف العلاقات بين البلدين أمام اختبار سيرسم ملامح المرحلة المقبلة.



