في دقائق معدودة، تحوّل لبنان إلى ساحة نيران مفتوحة. أكثر من 100 غارة جوية خلال 10 دقائق فقط، استهدفت، وفق ما أعلن الجيش الإسرائيلي، “مقرات وبنى تحتية عسكرية تابعة لحزب الله في أنحاء بيروت والجنوب والبقاع” بشكل متزامن، في مشهد غير مسبوق عكس توسّع رقعة الاستهداف لتشمل أحياء سكنية ومناطق حيوية، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى وأثار حالة هلع واسعة بين السكان.
لم تكن الضربات مفاجئة فقط بحجمها، بل بتوقيتها أيضاً. فبينما كان لبنان يترقّب أن تشمله الهدنة المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران، جاءت الغارات لتؤكد العكس تماماً: لبنان خارج التهدئة، وفي قلب التصعيد.
ونشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي صوراً لرئيس الأركان إيال زامير من داخل غرفة العمليات خلال تنفيذ الضربات، حيث أكد الأخير أن الجيش سيواصل استهداف الحزب دون توقف، ولن يساوم على أمن شمال إسرائيل، وذلك رغم إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن اتفاق وقف إطلاق النار يشمل لبنان، وهو ما تمسّكت به طهران، لكن إسرائيل سارعت إلى نفي ذلك بشكل واضح.
وبدوره، أكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل تدعم قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق الهجمات على إيران لمدة أسبوعين، لكنه شدد على أن هذا الاتفاق لا يشمل لبنان.
موقف لبناني رسمي
لبنانياً، رحّب رئيس الجمهورية جوزاف عون بالهدنة، معرباً عن أمله في أن يشمل أي اتفاق لبنان، ومؤكداً التزام الدولة بحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها.
إلا أن عون عاد بعد الضربات الإسرائيلية ليحمّل إسرائيل المسؤولية عن التصعيد، محذراً من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى مزيد من التوتر، وداعياً المجتمع الدولي إلى التدخل.
بدوره، اعتبر رئيس الحكومة نواف سلام أن إسرائيل توسّع ضرباتها “لتشمل أحياء سكنية مكتظة، متجاهلة كلّ الجهود الدولية، في خرق واضح للقانون الدولي”.
كما طلب رئيس مجلس النواب نبيه بري من السفير الباكستاني لدى لبنان سلمان أطهر، “نقل الوقائع بعدم التزام إسرائيل الاتفاق ومواصلة عدوانها على لبنان وبخاصة في الجنوب”.
في المقابل، أكد مصدر في وزارة الخارجية لموقع “الحرة” أن لبنان “لم يُبلّغ بشموله بأي اتفاق”، وأن “الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخوّلة التفاوض”.
لبنان يُترك وحيداً؟
في موازاة ذلك، أفادت تقارير صحفية بأن إيران تدرس خيارات للرد على الضربات الإسرائيلية في لبنان، وسط حديث عن خطوات تصعيدية محتملة.
في المقابل، أكد ترامب في تصريح لشبكة PBS أن لبنان غير مشمول باتفاق وقف إطلاق النار.
وكان حزب الله قد انخرط في المواجهة إسناداً لإيران منذ الثاني من مارس 2026، قبل أن تتجه طهران إلى التهدئة دون أن يشمل ذلك الساحة اللبنانية، كما يقول مراقبون.
ومن جهته، يرى النائب إبراهيم منيمنة في حديث لموقع “الحرة” أن تصريحات نتنياهو بشأن عدم شمول لبنان في الهدنة “تعكس نية واضحة للاستمرار في التصعيد بهدف إنهاء حزب الله، بغضّ النظر عن مسار المفاوضات”، لافتاً إلى أن الموقف الإيراني لا يوحي بالتزام كامل تجاه حلفائه.
من جهته، يعتبر الخبير الإستراتيجي العميد المتقاعد سعيد القزح أن “طهران تستخدم أذرعها في المنطقة للدفاع عن مصالحها، لكنها لا تتدخل مباشرة لحمايتها عند تعرضها لضربات”.
ويؤكد القزح في حديث لموقع “الحرة” أن أي تفاهم أميركي–إيراني لن يشمل حزب الله، “كون إسرائيل ترى فيه تهديداً مباشراً ولن تقبل ببقائه مسلحاً على حدودها”.
أما المحلل السياسي الصحفي يوسف دياب فيرى أن “إسرائيل تطبّق في لبنان سياسة مشابهة لغزة”، مشيراً إلى أن الغارات الأخيرة “هي الأعنف على بيروت وتعكس انتقال المواجهة إلى مرحلة حرب مفتوحة بلا خطوط حمراء”.
ويضيف دياب لـ”الحرة” إن “جبهة لبنان مرشحة لتتصدر المشهد”، معتبراً أن “إيران ستسعى إلى تحصيل ما يناسبها من أيّ اتفاق مع الولايات المتحدة تاركة الحزب في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، فيما يدفع لبنان ككل ثمن هذا التصعيد”.
مرحلة مفصلية
انتشرت مشاهد لعودة نازحين إلى الجنوب عقب إعلان الهدنة، قبل أن تدعو قيادة الجيش اللبناني المواطنين إلى التريث وعدم الاقتراب من المناطق التي تشهد توغلاً إسرائيلياً.
في هذا السياق، تبدو صورة الداخل اللبناني أكثر تعقيداً، إذ يواجه حزب الله تحديات متزايدة على مستوى اللبنانيين لاسيما لجهة تأييد بيئته الحاضنة في ظل استمرار المواجهة بعد توقف الحرب على الجبهة الإيرانية.
ويرى دياب أن الحزب “يراهن على خطابه للحفاظ على تأييد قاعدته، ولا سيما مناصريه المقتنعين بخياراته، رغم وجود معارضة داخلية، بما في ذلك داخل البيئة الشيعية”، ويشير إلى أن الحزب “لا يمنح وزناً للأصوات المنتقدة، مقدّماً أولوياته الاستراتيجية المرتبطة بإيران على سائر الاعتبارات الداخلية”.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن لبنان يتجه إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث يتقاطع مسار التهدئة الإقليمية مع استمرار التصعيد على أرضه.
وبين مفاوضات لم تتضح معالمها بعد، واستراتيجية إسرائيلية تقوم على فصل الجبهات، وتمسّك حزب الله بسلاحه، يبقى الاحتمال الأرجح أن يستمر لبنان في دفع فاتورة باهظة، سواء اتجهت المنطقة نحو التهدئة أو نحو مزيد من التصعيد.



