في 24 أبريل الحالي، أعلنت وزارة الدفاع الكويتية عن تعرض مركزين على الحدود الشمالية للكويت لـ”هجوم عدواني آثم” بواسطة طائرتين مسيرتين مفخختين قادمتين من العراق، بحسب الوزارة.
كان هذا الهجوم أحد نتائج تصاعد نشاط الفصائل المسلحة الموالية لإيران داخل الأراضي العراقية، وهو ما بات يهدد الأمن القومي لدول مجلس التعاون الخليجي بشكل مباشر. وسلمت مجموعة دول خليجية، في غضون الأسابيع القليلة الماضية، مذكرات احتجاج للعراق بسبب “هجمات” تعرضت لها من الأراضي العراقية.
وضعت هذه الهجمات الحكومة العراقية أمام مأزق سياسي وأمني مزدوج. فهي تسعى من جهة لتعزيز انفتاحها الاقتصادي والدبلوماسي على المنظومة الخليجية، ومن جهة أخرى تجد صعوبة في السيطرة على كامل حدودها ومنع استخدام أراضيها منطلقا للاعتداء على الجيران، وهو ما يضع تعهدات العراق الدولية في اختبار حقيقي أمام المجتمع الدولي.
قال مصدر خليجي في سفارة خليجية ببغداد لـ”الحرة”: “قد تذهب دول مجلس التعاون الخليجي باتجاه طلب تعويضات من العراق. ربما لا نكتفي بمذكرات الاحتجاج فقط”.
وقال الخبير الاستراتيجي والأمني الكويتي، خالد الصلال، لـ”الحرة”: “أي تكرار لمثل هذه الهجمات سيدفع نحو خطوات أكثر جدية تشمل تصعيداً دبلوماسياً تدريجياً يبدأ بالاحتجاج الرسمي وقد يصل إلى إجراءات على مستوى التمثيل السياسي”.
وأضاف: “قد تلجأ دول الخليج إلى الأطر الدولية، بما فيها مجلس الأمن، لتثبيت المسؤولية القانونية ومساءلة الجهات المتورطة. وجود فصائل مسلحة موالية لإيران داخل العراق، مصدر قلق مشروع ليس فقط للكويت بل للمنطقة ككل”.
مرّت العلاقة بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي بمراحل من الجفاء والشك، ثم الانفتاح النسبي، وصولاً إلى الأزمة الراهنة. بعد عام 2003، اتسمت السياسة الخليجية تجاه العراق بالانكفاء نتيجة تنامي النفوذ الإيراني في مفاصل الدولة العراقية التي انتقلت من نظام ديكتاتوري شمولي إلى نظام لامركزي ديمقراطي.
ومع ذلك، بدأت إستراتيجية جديدة تتبلور في عام 2017 مع زيارات مسؤولين عراقيين رفيعي المستوى مثل رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي وزعيم التياري الصدري مقتدى الصدر إلى الرياض والكويت، في محاولة لإعادة ربط العراق بمحيطه العربي بناءً على الهوية الوطنية العراقية بدلا من الانتماءات الطائفية.
بحلول عام 2024، واجهت هذه المحاولات انتكاسة كبرى مع انخراط الفصائل المسلحة العراقية في إستراتيجية “وحدة الساحات” الإقليمية. أما الآن، فتحول العراق من بلد يسعى للحياد الإيجابي إلى ساحة صراع مفتوحة، حيث بدأت الجماعات المسلحة بتبني خطاب هجومي وتسيير طائرات بدون طيار تجاه أهداف في دول مجلس التعاون الخليجي، وفق قولها.
وأمام كل هذا، انتقلت العواصم الخليجية إلى مرحلة “الدفاع النشط” والتلويح بالتدويل القانوني بعدما كانت تتحدث عن ضرورة وجود علاقة إيجابية مع العراق في السنوات الأخيرة. ففي الرابع من مارس 2026، استدعت الكويت القائم بالأعمال العراقي احتجاجاً على هجمات شنتها فصائل مسلحة من الأراضي العراقية، وتبعتها البحرين والسعودية بإجراءات مماثلة.
وقال الكاتب والباحث في مركز “سمت” للدراسات فيصل الشمري إن “الميليشيات الخارجة عن القانون في العراق تشكل تهديداً مزدوجاً: فهي تقوض سيادة العراق وتعرّض أمن المنطقة للخطر. دول الخليج تدرك أن استقرار العراق هو جزء من استقرارها. من حق العراق أن يفرض سيادته ويمنع أي تدخلات”.
وأضاف: “من جهة أخرى، دول الخليج تحتفظ بحقها في اتخاذ إجراءات مناسبة إن تعرض أمنها للخطر، لكن الأفضل أن يتم ذلك عبر التعاون مع الحكومة العراقية نفسها، بما يدعم سيادتها ويمنع استغلال الأراضي العراقية لصالح أجندات خارجية”.
يتفق تحليل الشمري مع ما قاله مصدر دبلوماسي عراقي معني بالملف الخليجي خلال مقابلة مع “الحرة”.
“دول الخليج تبحث عن تعاون مع العراق لإنهاء خطر الفصائل. لا تريد التصعيد مع بغداد بل تبحث عن دعمها. لم نستلم أي رسالة تصعيدية تتجاوز مذكرات الاحتجاج،” قال الدبلوماسي العراقي.
في اجتماع المجلس الوزاري لمجلس التعاون الخليجي في مارس 2026، صدر بيان شديد اللهجة أكد على أن أمن دول المجلس لا يتجزأ، وأي اعتداء على عضو هو اعتداء على الجميع، والاحتفاظ بالحق القانوني في الرد وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تضمن حق الدفاع عن النفس فرادى وجماعات.
قال العميد الركن حسن الشهري خلال مقابلة مع “الحرة”: “مذكرات الاحتجاج ستُقرأ بمطالب واضحة ومحددة لبغداد، تحديد الجهة المنفذة، محاسبتها، أيضاً منع تكرار الاعتداء، وهذا ليس تدخلاً بل اختبار جدية الدولة العراقية في احترام التزاماتها تجاه جيرانها”.
وأضاف: “نحن أمام مرحلة اختبار نوايا للعراق، فإذا أثبتت بغداد قدرتها على الضبط والمحاسبة فسيبقى المسار دبلوماسياً، أما إذا استمرت حالة الانفلات والفوضى، فستتحول المعادلة في اعتقادي من الاحتجاج إلى الردع، ومن الصبر إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك بما يحمي أمن الخليج دون تردد”.
تعاملت دول الخليج مع هذه التهديدات باستراتيجية مركبة؛ فبينما عززت من منظوماتها الدفاعية لصد هذه الهجمات، لم تذهب باتجاه التصعيد العسكري المباشر مع الدولة العراقية. بدلاً من ذلك، انتهجت مساراً دبلوماسياً يركز على دعم “مؤسسات الدولة” في العراق، انطلاقاً من رؤية مفادها أن استقرار العراق داخلياً هو الكفيل بإنهاء وجود الجماعات المسلحة التي تهدد أمن الجوار.
قال الدكتور حيدر سعيد وهو رئيس وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومقره الدوحة: “تحدي الفصائل والميليشيات هو تحد يواجه العراق، ولا يرتبط فقط بعلاقته بدول الخليج. إنه تحد أساسي يواجه الدولة العراقية، فالفصائل المسلحة تريد أن تفرض على الدولة العراقية، وعلى البلاد كلها، مواقفَ محددة تتبناها هي من النزاعات الإقليمية، بغض النظر عن موقف الحكومة الرسمي وقرارها بشأن الحرب والسلم”.
وأضاف خلال مقابلة مع “الحرة”: “أعتقد أن مطالب دول الخليج من الدولة العراقية ستتوقف عند حد مذكرات الاحتجاج، ولن تصل إلى مستوى المطالب الأميركية بتفكيك الفصائل. ستعد ذلك شأناً عراقياً. لا أشك في أنها تريد أن ترى في جوارها العراقي دولة مسيطرة على العنف، تمنع ما يهددها من فصائل، ولكنها ستقف خلف الواجهة الأميركية في هذا المجال”.
بات ملف القصف المنطلق من العراق نحو الخليج، يشكل أحد أكثر العوامل المؤثرة في استقرار الشرق الأوسط. وفي ظل غياب حلول جذرية لملف السلاح خارج إطار الدولة، تظل هذه الهجمات تشكل تهديداً كامناً لخطوط الملاحة، منشآت الطاقة، ومساعي التكامل الاقتصادي الإقليمي، ما يجعل ضبط الحدود وفرض القرار الأمني العراقي ضرورة قصوى لأمن المنطقة بشكل عام.
قال د. عباس عبود الباحث والأكاديمي العراقي خلال مقابلة مع “الحرة”: ” على الحكومة العراقية نشر قوات في المناطق التي انطلقت منها الصواريخ، ليشعر الخليج بتحركات جدية لتلافي هذا الخرق الأمني، إجراء تحقيقات شفافة واطلاعهم على مجرياتها”.
ونصح عبود أيضاً بتشكيل لجان مشتركة لبناء الثقة؛ فالخرق الأمني حصل، لكن الخطير هو أن يخرق الثقة بالحكومة العراقية، لذا يجب استعادتها”.
في المحصلة، أدت هذه الهجمات إلى حصول فراغ خليجي في بغداد. فمنذ أسابيع، لم تعد هناك أي بعثة خليجية في العاصمة العراقية. لكن ذلك ليس انسحابا تاما، بل مغادرة لحين لـ”تمكن” بغداد من توفير الحماية للبعثات الدبلوماسية، وفقا لما تحدث به مصدر في السفارة السعودية لـ”الحرة” في وقت سابق.

مصطفى سعدون
سكينة المشيخص
كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية


