بين طهران وواشنطن: كيف سيتعامل الزيدي مع “الإنذار الأخير”

The candidate of the ruling Shiite alliance in Iraq for the premiership.

كانت الساعات الدستورية الأخيرة تتسارع داخل أروقة الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم، وتتسارع على وقعها وتيرة الاجتماعات ثنائية وجماعية، بينما تتضارب على سائل والإعلام وفي الفضاء الألكتروني التخمينات بشأن هوية المرشح الجديد لرئاسة الوزراء في العراق.

قادت البلاد حكومة تصريف أعمال منذ نحو خمسة أشهر، بعد الانتخابات العامة التي جرت في نوفمبر 2025.

بدأ العد التنازلي للمهلة الدستورية منذ أن صوت مجلس النواب على نزار آميدي رئيسا للجمهورية في 11 أبريل الحالي. ويمنح الدستور الكتلة الأكبر في البرلمان 15 يوما لتقديم مرشحها لرئاسة الحكومة ما بعد تنصيب رئيس للجمهورية.

قبل ساعات قليلة فقط من انتهاء المهلة الدستورية، خرج اسم علي الزيدي بوصفه مرشح الإطار لرئاسة الحكومة العراقية.

وهنأ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الخميس علي الزيدي على ترشيحه لتولي منصب رئيس وزراء العراق، قائلا في منشور على منصة تروث سوشال إنه يتطلع إلى علاقة جديدة مثمرة للغاية بين الولايات المتحدة والعراق.

لم يكن الزيدي سياسيا تقليديا. رجل أعمال دخل فجأة إلى أكثر المواقع حساسية في العراق، بلا تاريخ سياسي، ولا تجربة داخل مؤسسات الدولة. ومع ذلك، بدا أن الإطار التنسيقي وجد فيه مخرجا مؤقتا من أزمة داخلية وخارجية تتصاعد بسرعة.

لكن الطريق إلى رئاسة الوزراء لم يبدأ من بغداد وحدها.

قبل تكليف الزيدي بيومين، وصلت إلى قادة بارزين في الإطار رسالة أميركية شديدة اللهجة حملها القائم بالأعمال الأميركي في بغداد هاريس جوشوا. الرسالة، التي وصلت أيضاً إلى بعثات غربية، لم تكن مجرد اعتراض دبلوماسي، بل أقرب إلى إنذار سياسي وأمني مفتوح.

حصلت “الحرة” من قيادي في “الإطار” على نسخة من نص الرسالة الأميركية.

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية على طلب تعليق أرسلته “الحرة” عبر البريد الإلكتروني. لكنّ مصدرا حكوميا عراقيا أكد لـ”الحرة” أن الرسالة المتداولة كانت موجهة إلى الإطار التنسيقي وليس للحكومة، مبينا أنها رغم صحتها، لم تتسلمها الحكومة رسميا، بل تسلمها قادة في “الإطار”.

جاءت الرسالة بعد اجتماع داخل الإطار حضره أبو آلاء الولائي، الأمين العام لكتائب سيد الشهداء، إلى جانب شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة موالية لإيران، بعضها مدرجة على قائمة الإرهاب الأميركية. بالنسبة لواشنطن، كان حضور الولائي دليل على ما وصفته بـ”التماهي” بين الدولة العراقية والجماعات المسلحة.

وفي 24 أبريل الحالي، رصدت واشنطن مكافأة مالية تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى تحديد موقع أو هوية أبو آلاء الولائي (هاشم فنيان السراجي)، الأمين العام لـ “كتائب سيد الشهداء” التي تصنفها الولايات المتحدة منذ 2023 على قائمة الإرهاب العالمية.

تأتي هذه الخطوة بعد تصنيفه “إرهابيا عالميا” في عام 2023، وتتهمه الخارجية الأميركية بالوقوف وراء هجمات صاروخية وبالمسيرات ضد المصالح الأميركية في العراق وسوريا، فضلا عن كونه حليفا رئيسيا للحرس الثوري الإيراني في المنطقة.

في تلك اللحظة، كانت الولايات المتحدة ترى أن اختيار رئيس وزراء جديد يجري داخل غرفة تضم شخصيات مدرجة على لوائح الإرهاب أو الملاحقة الدولية، يعني أن شرعية الحكومة المقبلة ستكون موضع شك أمام المجتمع الدولي.

مصادر عراقية من داخل الإطار التنسيقي، وأخرى من حكومة محمد شياع السوداني، أكدت لـ”الحرة” أن الرسالة الأميركية تضمنت لغة غير مسبوقة في التعامل مع بغداد. الرسالة تحدثت بوضوح عن “خلل جوهري” في فهم قادة الإطار لطبيعة التحولات في السياسة الأميركية تجاه العراق، خصوصاً بعد تصاعد الهجمات على المصالح الأميركية والشركاء الإقليميين.

ولم تكتف اشنطن بتحميل الفصائل المسلحة مسؤولية الهجمات، بل تحدثت عن “رعاية الدولة العراقية للإرهاب وتمويله”، في إشارة إلى استمرار الغطاء السياسي الذي تحصل عليه هذه الجماعات داخل مؤسسات الحكم.

وفي نظر الإدارة الأميركية، لم تعد بيانات الإدانة الرسمية للهجمات المسلحة مقنعة، طالما أن قادة تلك الفصائل يجلسون على طاولات التفاوض السياسي ويشاركون في رسم شكل الحكومة المقبلة، وفقا للرسالة.

لهذا، جاء تكليف الزيدي محاطا بحسابات أعقد بكثير من مجرد تشكيل حكومة جديدة.

فبينما تلقى الرجل تهاني من عواصم عدة، بينها واشنطن، كانت الرسالة الأميركية تقول شيئاً مختلفاً تماماً خلف الكواليس، وهو أن العلاقة مع العراق دخلت مرحلة “إما شريك أو خصم”.

الرسالة الأميركية استحضرت أيضاً اسم الرئيس دونالد ترامب بشكل مباشر، في إشارة إلى أن واشنطن مستعدة للعودة إلى سياسة “الرد المباشر”، وهي العقيدة التي تقوم على استهداف الجهات المنفذة للهجمات، وحتى الجهات التي توفر لها الغطاء السياسي أو المالي أو الإداري.

هذا التحول أربك الإطار التنسيقي نفسه.

ووصف قيادي بارز في التحالف الحاكم الرسالة بأنها “إنذار أخير”، مؤكداً أن الأميركيين لوّحوا بوضوح بخيارات تتجاوز العقوبات التقليدية، وصولاً إلى التدخل العسكري ضد الفصائل المسلحة إذا استمرت الحكومة العراقية في العجز عن تفكيكها أو احتوائها.

لكن المشكلة بالنسبة للإطار ليست بهذه البساطة. فالفصائل المسلحة ليست مجرد جماعات منفصلة عن النظام السياسي، بل جزء من توازن القوة داخل الدولة العراقية نفسها، وترتبط بشبكات نفوذ سياسية واقتصادية وأمنية واسعة، فضلاً عن ارتباطها الوثيق بإيران.

لهذا، وجد الزيدي نفسه منذ اللحظة الأولى أمام معادلة مستحيلة تقريباً: كيف يمكنه إقناع واشنطن بأنه قادر على حماية المصالح الأميركية وضبط السلاح المنفلت، من دون أن يصطدم بالقوى التي جاءت به إلى السلطة أساساً؟

كاوه حسن، الباحث في مركز ستيمسون للدراسات الاستراتيجية، يرى أن الرسالة الأميركية تمثل تحولاً دراماتيكياً في طريقة تعامل واشنطن مع العراق.

وبحسب حسن الذي تحدث لـ”الحرة”، فإن مضمون الرسالة يمكن اختصاره بجملة واحدة: “إما أن تقوموا بتفكيك الفصائل المسلحة، أو سنقوم نحن بذلك”.

هذه اللهجة، تعكس قناعة أميركية بأن العراق جزء من الصراع الإقليمي المرتبط بإيران، وليس مجرد ساحة داخلية منفصلة. ولذلك، فإن أي حكومة جديدة لن تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الخدمات أو الاقتصاد، بل بمدى استعدادها لإعادة رسم العلاقة بين الدولة والسلاح.

وبينما كان علي الزيدي يتلقى التهاني بالتكليف، كانت الرسالة الأميركية تضع أمامه الاختبار الحقيقي لرئاسته المحتملة، كما تطرح أسئلة عدة، أبرزها: هل يستطيع أن يكون رئيس وزراء للعراق، أم مجرد واجهة جديدة لتوازنات قديمة دخلت الآن في مواجهة مباشرة مع واشنطن؟

يرى الباحث في مؤسسة تشاتام هاوس حيدر الشاكري أن وصول علي الزيدي إلى رئاسة الوزراء جاء بوصفه “مرشح تسوية” فرضته الضغوط الأميركية وتعقيدات العلاقة بين واشنطن وطهران.

يقول الشاكري إن الزيدي لن يمتلك هامشاً واسعاً لاتخاذ القرار بشكل مستقل، لأن إدارة الملفات الحساسة ستبقى خاضعة لإجماع الإطار التنسيقي، بما في ذلك القضايا المرتبطة بالحشد والفصائل المسلحة.

ووفقاً للباحث في تشاتام هاوس، فإن أي رئيس وزراء جديد سيكون عملياً ملزماً بتنفيذ التفاهمات السياسية التي أوصلته إلى السلطة، أي أنه سينفذ أجندة الإطار التنسيقي والالتزام بقراره الجماعية، ولن يكون لديه هامشاً مستقلاً لاتخاذ القرارات.

سيكون الزيدي أمام معادلة صعبة، لا تحتمل الوقوف في منتصفها. سلاح الفصائل الموالية لإيران يجب أن ينتهي وفقاً للرسائل الأميركية، وطهران تُريد توسيع حركة وكلائها في العراق أو على الأقل الحفاظ عليها. وبين المسعَيين الأميركي والإيراني، سيكون الزيدي إذا ما حصل على ثقة البرلمان العراقي، في وضع مختلف كليا عن وضع سلفه.

مصطفى سعدون
مصطفى سعدون صحافي عراقي عمل في مؤسسات إعلامية دولية وعربية عديدة. يُركز في كتاباته على السياسة وحقوق الإنسان.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading