بعد أسابيع قليلة على وقف إطلاق النار، عاد الحرس الثوري الإيراني إلى استعراض الصواريخ في المدن، وإلى الحديث علنا عن ترميم منصات الإطلاق وإعادة ملء مخزون الطائرات المسيّرة.
وبينما تتجه الأنظار إلى ما تبقى من البرنامج النووي بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية، تحاول طهران أن تؤكد أن ذراعها الصاروخية، ومعها شبكة الطائرات المسيّرة، ما زالتا جزءا مركزيا في معادلة الردع.
لكن خلف هذا الاستعراض، يبقى حجم ما تستطيع إيران تعويضه خلال شهر من الهدنة موضع شك. فبينما تقول مصادر إيرانية ومعارضة إن الحرس الثوري يعمل على ترميم مخزونه وتحديث بعض قدراته، يرى خبراء أن ما يجري قد يكون أقرب إلى إعادة فتح الأنفاق ومواقع التخزين المتضررة، لا إلى إنتاج واسع لصواريخ جديدة.
في 19 أبريل الماضي، أشارت وكالة “تسنيم” القريبة من الحرس الثوري إلى أن قائد القوات الجوفضائية في الحرس، العميد سيد مجيد موسوي، نشر مقطع فيديو على حسابه في منصة “إكس”، قال إنه يظهر أعمال صيانة شاملة وإعادة بناء للمخزون الصاروخي والطائرات المسيّرة.
وكتب موسوي إلى جانب الفيديو: “خلال فترة وقف إطلاق النار، كانت سرعتنا في تحديث وملء منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة أكبر مما كانت عليه حتى قبل الحرب”.
تحاول إيران عبر هذه الرسائل الإيحاء بأن الضربات الأميركية والإسرائيلية، رغم شدتها، لم تشل قدرة الحرس الثوري على إعادة ترتيب بنيته الصاروخية. لكنها لا تكشف، في المقابل، حجم المخزون المتبقي، أو سرعة الإنتاج الفعلية، أو ما إذا كانت طهران تصنع صواريخ جديدة أم تعيد تشغيل ما نجا من الحرب.
يرى الباحث الإسرائيلي في شؤون الفضاء والصواريخ الاستراتيجية، تال عنبار أن الوضع أكثر تعقيدا مما توحي به التصريحات الإيرانية.
يقول عنبار لـ”الحرة” إنه لا توجد، حتى الآن، معلومات علنية متاحة تؤكد قدرة إيران على إنتاج صواريخ جديدة بوتيرة كبيرة في الوقت الراهن.
وبحسب عنبار، فإن ما يمكن رصده بعد وقف إطلاق النار يتعلق أكثر بأعمال هندسية في مواقع التخزين والأنفاق، لا بإنتاج صواريخ جديدة بالضرورة. ويضيف أن “إيران استغلت وقف إطلاق النار لإزالة كميات كبيرة من الأتربة التي كانت تسد مداخل الأنفاق التي تُخزن فيها الصواريخ والمعدات ذات الصلة، وهي ما يسميه الإيرانيون مدن الصواريخ. هذا العمل الهندسي يجري باستخدام الجرافات”.
ويقول عنبار إن “مدن الصواريخ” الإيرانية تعرضت لقصف مكثف خلال الحرب، لكنها لم تُخترق بالضرورة من الداخل. ووفق تقديره، تسببت الضربات الأميركية والإسرائيلية في انهيارات أرضية حول هذه المنشآت، ما أعاق حركة الصواريخ والمعدات من الأنفاق وإليها.
بهذا المعنى، قد يكون جزء مهم مما تفعله إيران خلال الهدنة مرتبطا بإعادة فتح المداخل، وترميم مواقع التخزين، وإعادة توزيع المعدات، أكثر من كونه دليلا قاطعا على استئناف إنتاج واسع للصواريخ.
في هذا السياق، تقول قيادات في المعارضة الإيرانية لـ”الحرة” إن الحرس الثوري ربما احتفظ بجزء مهم من قدراته على إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم الضربات التي استهدفت مواقع عسكرية خلال الحرب التي اندلعت أواخر مارس الماضي.
وتربط هذه المصادر ذلك بما تقول إنه انتشار بعض منشآت التصنيع والتخزين داخل “مدن صاروخية” محصنة في مناطق جبلية وعرة، وهي معلومات يصعب التحقق منها بشكل مستقل، لكنها تنسجم مع نمط إيراني معروف في إخفاء جزء من بنيته العسكرية تحت الأرض.
ويرى القيادي العسكري في حزب الحرية الكردستاني الإيراني المعارض، بتين مولودي، أن وقف إطلاق النار أتاح لطهران فرصة لإعادة تنظيم جزء من قدراتها العسكرية، وترميم بعض المستودعات المتضررة، والعمل على إدخال صواريخ وطائرات مسيّرة جديدة أو مطورة إلى الخدمة.
ويقول مولودي لـ”الحرة” إن إيران ركزت خلال الأسابيع الماضية على تطوير برنامجها الصاروخي، ولا سيما عبر تحديث صواريخ قائمة، وتحسين دقتها وقدرتها على المناورة وإصابة الأهداف.
ويضيف أن طهران تعمل أيضا على تطوير تقنيات الوقود الصلب، بما يسمح، وفق تقديره، بتقليص الوقت اللازم لتجهيز الصواريخ وإطلاقها، ويجعل رصدها مسبقا من قبل أنظمة الدفاع أكثر صعوبة.
وبحسب معلومات مولودي، التي يقول إنها تستند إلى شبكات حزبه داخل إيران، نقلت طهران خلال الأسبوعين الماضيين طائرات مسيّرة انتحارية وصواريخ مفككة، على شكل قطع منفصلة يجري تجميعها لاحقا، إلى حلفائها وجماعات مرتبطة بها في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
ولا يمكن التحقق بشكل مستقل من هذه المعلومات، لكنها تندرج ضمن سؤال أوسع حول ما إذا كانت إيران تستخدم الهدنة فقط لترميم مواقعها، أم أيضا لإعادة تسليح نفسها وحلفائها في المنطقة.
يعود البرنامج الصاروخي الإيراني إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين بدأت طهران، خلال حربها مع العراق، بناء قدرة صاروخية محلية. وفي التسعينيات، وسّعت إيران هذا البرنامج مستفيدة من خبرات وتكنولوجيا من كوريا الشمالية وروسيا والصين.
ومع مرور الوقت، طورت إيران ترسانة متنوعة تضم صواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، بالتوازي مع توسع كبير في صناعة الطائرات المسيّرة، وخصوصا الانتحارية منها.
لكن امتلاك قاعدة صاروخية واسعة لا يعني، بالضرورة، القدرة على تعويض خسائر الحرب بسرعة.
يقول الخبير الاستراتيجي، علاء النشوع، أن ترويج القادة الإيرانيين لإنتاج صواريخ وطائرات مسيّرة جديدة وتطويرها خلال الهدنة ينطوي على مبالغة واضحة.
ويقول النشوع لـ”الحرة” إن العقوبات الأميركية المفروضة على إيران تحد من قدرتها على إدخال مكونات أو معدات عسكرية متقدمة.
ويضيف: “حتى إذا تمكنت إيران من الالتفاف على العقوبات والحصول على بعض المواد، فستكون بكميات محدودة لا تلبي حاجات التطوير الضرورية، ولا تكفي لتغيير ميزان القوى العسكرية لصالح طهران، في ظل مستويات الردع التي تمتلكها الولايات المتحدة”.
ويشدد النشوع على أن إنتاج الصواريخ الباليستية أو تطويرها ليس عملية يمكن إنجازها في أسابيع قليلة، لأنه يتطلب بنية صناعية متقدمة، وخبرات تقنية معقدة، ومواد شديدة الحساسية، خصوصا الوقود الصلب.
ويوضح أن هذا النوع من الوقود يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بخصائصه الكيميائية والفيزيائية والتقنية، فضلا عن الحاجة إلى اختبارات متكررة تبدأ من عملية الإطلاق، وتشمل قياس دقة منظومات الملاحة والتوجيه.
وخلال السنوات الماضية، قدمت إيران برنامجها الصاروخي بوصفه برنامجا دفاعيا، وتمسكت بسقف معلن لمديات بعض صواريخها. لكن الحرب الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة أعادت هذا الملف إلى واجهة النقاش، ليس بوصفه مسألة تقنية فحسب، بل باعتباره جزءا من معادلة الردع الإيرانية.
وعلى خلاف البرنامج النووي، الذي يدور حوله سجال دبلوماسي دائم، ترفض طهران إدراج برنامجها الصاروخي ضمن أي تفاوض مع واشنطن.
وفي 20 أبريل الماضي، قال مصدر إيراني كبير لـ”رويترز” إن “القدرات الدفاعية” لإيران، بما في ذلك برنامجها الصاروخي، ليست مطروحة للتفاوض مع الولايات المتحدة، في مؤشر إضافي إلى تمسك السلطات الإيرانية بهذا الملف باعتباره خطا أحمر.
ومنذ إعلان وقف إطلاق النار، واصل الحرس الثوري استعراض صواريخه الباليستية في تجمعات ليلية ينظمها الباسيج داخل مدن إيرانية تحت عنوان “دعم الثورة الإسلامية”. ونقلت مواقع إيرانية رسمية، خصوصاً القريبة من الحرس الثوري، صورا ومقاطع فيديو لهذه الاستعراضات في طهران وبوشهر ومدن أخرى.
لا تقدم تلك الاستعراضات دليلا على حجم ما تبقى من الترسانة أو قدرة إيران على تعويض ما خسرته خلال الحرب. لكنها تكشف أن طهران تريد إرسال رسالة واضحة: حتى إذا تركزت المفاوضات أو الضغوط المقبلة على الملف النووي، فإن الصواريخ والطائرات المسيّرة ستبقى في قلب حساباتها الدفاعية والإقليمية.
والسؤال، بعد شهر من الهدنة، لم يعد ما إذا كانت إيران مهتمة بإعادة بناء هذه القدرة، بل إلى أي مدى تستطيع فعل ذلك بسرعة، تحت ضغط العقوبات والرقابة والضربات التي طالت جزءا من بنيتها العسكرية.



