قالت وزارة الخارجية الأميركية لـ”الحرة” إن واشنطن لا تنتظر تعهدات سياسية من رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي وباقي القادة العراقيين بشأن الفصائل المسلحة الموالية لإيران، بل تبحث عن “أفعال لا أقوال”، في إشارة إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ستقيس تكليف الزيدي بمدى قدرة الحكومة المقبلة على التعامل مع أحد أعقد ملفات في العراق، وهو نفوذ الفصائل وسلاحها خارج سيطرة الدولة.
وجاء تعليق وزارة الخارجية الأميركية ردا على استفسار يتعلق بمدى تأثير اختيار الزيدي للمنصب على الأوضاع في العراق، وما إذا كانت الولايات المتحدة تعتقد أن مستوى التهديد الذي تشكله الفصائل المسلحة في البلاد قد انخفض بعد هذه الخطوة.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لـ”الحرة” إن “القادة العراقيين، بمن فيهم رئيس الوزراء المكلّف، يدركون ما الذي تبحث عنه الولايات المتحدة.. نحن نبحث عن أفعال لا أقوال”.
وتمارس واشنطن منذ عدة أشهر ضغوطا كبيرة على حكومة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني وقادة الإطار التنسيقي (التحالف الشيعي الحاكم) من أجل التعامل بحزم مع سلاح الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران.
اشتدت هذه الضغوط مع اندلاع الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في 28 فبراير الماضي، ووقوف فصائل عراقية إلى جانب طهران في الصراع عبر استهداف منشآت دبلوماسية أميركية في العراق.
كثير من هذه الفصائل تمتلك أجنحة سياسية داخل الإطار التنسيقي ولديها تمثيل برلماني مؤثر بعد انتخابات نوفمبر 2025.
واتخذت واشنطن إجراءات أكثر حزما خلال الأسابيع الماضية عبر وقف تدفق إرسال شحنات الدولار من عائدات النفط العراقي إلى بغداد، وتعليق التعاون الأمني عالي المستوى بين الجانبين، للضغط على الحكومة العراقية من أجل التعامل بجدية أكبر مع الفصائل المسلحة.
شروط واشنطن؟
وقال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية في تعميم أرسل لوسائل الإعلام، إن “هناك حاليا خط فاصل ضبابي جدا بين الدولة العراقية وهذه الميليشيات”.
وتحدث المسؤول عن خطوات “ملموسة” ينبغي للسلطات العراقية القيام بها، وقال إن من شأن تلك الخطوات أن تمنح الولايات المتحدة “الثقة وتؤكد وجود نهج جديد”.
“يمكن أن يبدأ الأمر بطرد الميليشيات الإرهابية من أي مؤسسة تابعة للدولة، وقطع الدعم عنها من الموازنة العراقية، ومنع دفع الرواتب لعناصر هذه الميليشيات،” يشدد المسؤول الأميركي.
وتابع قائلا: “أنا لا أقلّل من خطورة التحدي أو مما قد يتطلبه فكّ هذه العلاقات المتشابكة”، مستدركا “يمكن أن يبدأ ذلك بإعلان سياسي واضح لا لبس فيه يؤكد أن الميليشيات الإرهابية ليست جزءا من الدولة العراقية”.
واتهم المسؤول بعض الجهات داخل الدولة العراقية بمواصلة “توفير الغطاء السياسي والمالي والعملياتي” لهذه الفصائل.
وكشف المسؤول في الخارجية الأميركية أن منشآت أميركية في العراق تعرضت لأكثر من 600 هجوم خلال النزاع الإقليمي الأخير بين واشنطن وطهران.
وأعلن الإطار التنسيقي في 27 أبريل ترشيح علي الزيدي لمنصب رئيس الوزراء، وهو ترشيح قوبل بترحيب من الرئيس الاميركي دونالد الذي تمنى له النجاح “بينما يعمل على تشكيل حكومة جديدة خالية من الإرهاب، وقادرة على تحقيق مستقبل أكثر إشراقا للعراق”.
وحصلت “الحرة” على معلومات من مصادر سياسية وحكومية عراقية، الاثنين، بشأن وجود مساعٍ من جانب أطراف شيعية لحصر سلاح الفصائل المسلحة بيد الدولة، في محاولة منها للتعامل مع الضغوط الأميركية المتزايدة على بغداد، والمتعلقة بتفكيك سلاح الفصائل الموالية لإيران،
وتهدف هذه المساعي، وفقا للمصادر ذاتها، لوضع آلية لإنهاء سلاح الفصائل المسلحة من خلال لجنة ثلاثية تضم رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي ورئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد شياع السوداني، وزعيم منظمة بدر هادي العامري، الذي يمتلك علاقات وطيدة مع قادة فصائل مسلحة منضوية في الحشد الشعبي.
ووفقا للمعلومات، لا تقتصر مهام اللجنة على ملف الفصائل فقط، بل تشمل أيضا تنظيم وضع الحشد الشعبي ومأسسته ضمن إطار الدولة، مع إعداد رؤية شاملة لكل أنواع السلاح خارج السيطرة الرسمية.
ولدى واشنطن ثلاثة مسارات في العراق، يكمن الأول في استبعاد الفصائل من السلطة، إذ ترفض التعامل مع أي حكومة تضم شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة، سواء كانت هذه الشخصيات سياسية أو حتى ضمن واجهات تكنوقراطية، كما أظهرت رسالة بعثها القائم بالأعمال الأميركي في بغداد، جوشوا هاريس، مؤخرا لقادة قوى سياسية شيعية، وفقا لقيادي في الإطار التنسيقي تحدث لـ “الحرة” الأسبوع الماضي.
أما المسار الثاني، فيتعلق بالجانب المالي، إذ تربط الإدارة الأميركية تدفق الدولار إلى البنك المركزي العراقي واستقرار النظام المصرفي بمدى جدية الحكومة في تقليص نفوذ الفصائل وتفكيك أجنحتها العسكرية.
ويتمثل المسار الثالث في الضغط الأمني المباشر، عبر تخصيص مكافآت مالية للقبض على قادة بارزين في الفصائل، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار معقد في كيفية التعامل مع هذه الأسماء.
وخلال الأسبوعين الماضيين، خصصت الولايات المتحدة مكافآت مالية تصل لـ10 ملايين دولار لكل من يدلي بمعلومات عن قادة ميليشيات بارزين في العراق، من بينهم زعيم كتائب حزب الله أبو حسين الحميداوي وزعيم كتائب سيد الشهداء أبو آلاء الولائي وقائد حركة أنصار الله الأوفياء حيدر الغراوي وقائد حركة النجباء أكرم الكعبي. وجميع هؤلاء والفصائل التابعة لهم، مصنفون ضمن قوائم الإرهاب في الولايات المتحدة.
يشار إلى أن الولائي والغراوي لديهما أجنحة سياسية منضوية ضمن الإطار التنسيقي، بالإضافة لفصيل عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي المصنف ضمن قوائم الإرهاب الاميركية ولديه 28 نائبا في البرلمان العراقي.

غسان تقي
صحفي متخصص في الشؤون العراقية، يعمل في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال MBN منذ عام 2015. عمل سنوات مع إذاعة "أوروبا الحرة" ومؤسسات إعلامية عراقية وعربية.


