تبدأ القصة في الطابق الرابع من فندق رامادا بلازا، في منطقة الروشة في بيروت. ضربة دقيقة في الرابع من مارس، نفذتها إسرائيل، استهدفت خمسة ضباط إيرانيين تابعين للحرس الثوري الإيراني، قُتل أربعة، وأُصيب خامس، إلى جانب تسعة مدنيين لبنانيين.
والقصة لا تنتهي مع الانفجار.
بحسب مصادر قضائية اطّلعت على الملف وكشفت لـ”الحرة” تفاصيله، فإنه وبعد وصول الأجهزة الأمنية إلى موقع الاستهداف، تبيّن أن الضباط الإيرانيين دخلوا الفندق مستخدمين جوازات سفر لبنانية أصلية صادرة بأسماء مزورة. وتكشف المعلومات نفسها، التي حصلنا عليها، أنه عُثر داخل الغرفة على جوازات إضافية وحجوزات في فندق الموفنبيك تعود لمجموعة أخرى من الحرس الثوري.
ما كشفته التحقيقات اللاحقة، يشير إلى أن العملية لم تكن مجرد استهداف أمني، بل نافذة على منظومة تزوير معقّدة تعمل داخل مؤسسات رسمية. فكيف دخل إيرانيون إلى لبنان بجوازات سفر لبنانية؟ هذا هو السؤال الذي قاد تحقيقنا.
تؤكد مصادر أمنية لـ”الحرة” أن شركة تُدعى “باور” تولّت حجز الإقامات لهؤلاء
من خلال بحثنا في بيانات السجلات التجارية، تبيّن أن “باور” شركة من نوع توصية بسيطة، وهو نوع لم يعد يعتمد في لبنان، وهو أمر قد يثير الشبهات، خاصة أن تاريخ تأسيس الشركة يعود لعام 2012، ونشاطها المعلن تجارة السيارات، إلا أن المعلومات التي حصلنا عليها تظهر أنها لا تمارس أي نشاط فعلي، مقرها في زحلة شرقي لبنان، وتتألف من شريك واحد يدعى “ب. ش”.
هذا التناقض بين طبيعة الشركة ودورها في حجز إقامات لأشخاص بهويات مزورة، دفعنا إلى فرضية أنها استُخدمت كواجهة لتجاوز آليات التدقيق الأمني.
وفق ما وثّقناه، تعتمد الفنادق في لبنان نظاماً إلكترونياً يرتبط بالمديرية العامة للأمن العام اللبناني، وتُرسل بيانات النزلاء عبره فور تسجيلهم، وتتولى المديرية التدقيق الأمني. كما باتت هذه البيانات تُرسل أيضاً، وفق ما أكدته مصادرنا، إلى مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، خصوصاً في ظل الحرب الأخيرة.
في السياق نفسه، قدّمت النائبة غادة أيوب إخباراً إلى النيابة العامة التمييزية، سلمتنا نسخة منه، بلغت فيه عن “إصدار جوازات سفر لبنانية بأسماء مستعارة أو خلافاً للأصول”.
وفي حديثها مع “الحرة”، أكدت أيوب أن لديها “قرائن وأدلة” على استخدام هذه الجوازات من جانب عناصر في الحرس الثوري وقياديين في حزب الله لتسهيل تنقلهم، مشيرة إلى أنها زوّدت القضاء بكل التقارير التي تمكنت من جمعها، وتتابع الملف “لمنع الإضرار بسمعة لبنان ووقف ما وصفته بشبكات الدولة العميقة”.
قضية تزوير جوازات السفر في لبنان ليست جديدة، بل تأتي ضمن سلسلة من الملفات التي كُشف عنها خلال السنوات الماضية بعد تفكيك أكثر من شبكة متورطة في هذا النوع من العمليات داخل المديرية العامة للأمن العام اللبناني. وكان أحدث هذه الملفات في أكتوبر الماضي، حين أُعلنت عملية تزوير شملت نحو عشر جوازات سفر لبنانية، قديمة وبيومترية، نُسبت إلى شبكة ضمّت عناصر من الأمن العام، وقد مُنحت هذه الجوازات لأشخاص مطلوبين للعدالة، وصدرَت شكلياً عن مركز بعلبك الإقليمي.
يؤكد مصدر رسمي من الأمن العام تحدث لـ”الحرة”، دون أن يسمح بالكشف عن هويته، بأن عمليات تزوير جوازات السفر المرتبطة بالإيرانيين حصلت خلال أزمة الجوازات، بين عامي 2022 و2023. وبحسب هذه المصادر، لم يتركّز التلاعب على الجوازات نفسها، بل انصبّ على المستندات التأسيسية للعملية، أي الهويات والأوراق الثبوتية وإفادات القيد، إضافة إلى طلبات صادرة عبر مخاتير محليين. هذه المستندات شكّلت البوابة التي عبرت منها الطلبات إلى داخل النظام الإداري الرسمي للأمن العام.
وتكشف المعلومات التي حصلنا عليها من مصادر أمنية أخرى، أن الجوازات المضبوطة تحمل أرقاماً متسلسلة، ما يعني أنها صدرت من مركز واحد وفي توقيت واحد، ووفق مصدر في الأمن العام تحدث إلينا، فإن ذلك “يحدد بدقة اسم الموظف والمركز المسؤول”.
وتضيف المصادر أن هذا النمط من التزوير يُرجّح أنه نُفّذ داخل أحد المراكز الإقليمية، ما سمح بمروره إلى مركز بيروت الرئيسي ضمن المسار الروتيني، وأعاق اكتشافه في مراحل التدقيق الأولى.
وهنا يطرح المصدر نفسه سؤالاً أكثر إلحاحاً: كيف تمكّن أشخاص لا يتقنون اللغة العربية ولا يحملون ملامح لبنانية واضحة من المرور أمام رئيس المركز من دون أن يثيروا أي شكوك، رغم أن مهمته الأساسية تقوم على التدقيق في هوية المتقدّم وبياناته، عبر سلسلة أسئلة تفصيلية تتعلق بمحل إقامته وسبب طلب الجواز ووجهة سفره؟ كما يتساءل المصدر ذاته عن سبب عدم استدعاء أو التحقيق مع رئيس المركز حتى الساعة من قبل النيابة العامة، رغم أن دوره يُعدّ محورياً في مسار التحقق من صحة الطلبات.
بحسب مصادر مطّلعة، تكشف المعطيات عن وجود شبكة خفية تنشط عبر تداخل أدوار بين جهات رسمية وعناصر يُشتبه بارتباطها بحزب الله، داخل مؤسسات على صلة بالمخاتير ومراكز إقليمية تابعة للأمن العام في عدد من المناطق ذات النفوذ الكامل لحزب الله. ويؤكد مصدر من داخل الأمن العام أن رؤساء هذه المراكز يمتلكون معرفة شخصية واسعة بأبناء مناطقهم، على غرار المخاتير، ما يعزّز الشبهات حول وجود تنسيق غير معلن بين هذه الأطراف، يُستغل لتسهيل عمليات التزوير ضمن إطار شبكة واحدة متماسكة.
مصدر أمني آخر أكد لنا أن هذا الأسلوب في التزوير بدأ بعد الحرب في سوريا، مع تعقّد حركة تنقل الإيرانيين إلى لبنان عبر المعابر البرية. وبحسب المصدر، استُخدمت بيانات لعناصر من حزب الله لم يُعلن عن وفاتهم رسمياً، خصوصاً ممن قُتلوا في سوريا، لإصدار جوازات جديدة بهوياتهم. ولأن قسماً منهم لم يستصدروا جوازات سابقاً، ما يسهل تزوير الجوازات.
ويضيف المصدر أن وجود عناصر مرتبطة بحزب الله داخل بعض مراكز الأمن العام الإقليمية، في مواقع حساسة، ساهم في تمرير هذه العمليات، لأن إصدار الجواز البيومتري يتطلب حضور الشخص وأخذ بصماته.
تحليل البيانات، إضافة إلى معلومات من مسؤول سابق في الأمن العام، يظهر أن الأزمة بين 2022 و2024 شكّلت بيئة خصبة لهذه الممارسات. خلال تلك الفترة، بقي نحو 300 ألف جواز قديم (إصدار 2003) مخزّناً في مصرف لبنان، رغم وجوب إتلافه منذ 2016. هذه الجوازات، غير البيومترية، يسهل تزويرها، بحسب المصادر، وقد استُخدمت فعلياً عام 2023، عقب أزمة إصدار الجوازات وقُبلت في السفر الدولي، من دون توضيح سبب الإبقاء عليها دون إتلافها.
على جانب آخر، نفت مصادر من داخل المديرية العامة للأمن العام اللبناني لـ”الحرة” فرضية سرقة جوازات سفر بيومترية من المخزون وتزويرها، مشددة على أن مسار إنتاج الجوازات ونقلها وتخزينها يخضع لسلسلة إجراءات دقيقة تجعل أي اختراق من هذا النوع شبه مستحيل.
وبحسب هذه المصادر، تبدأ عملية نقل الجوازات بداية من شركة إنكريبت، المكلّفة بتصنيع الجوازات البيومترية في لبنان، حيث تُطبع وتُجهّز وفق معايير أمنية عالية ومن ثم شحنها إلى مصرف لبنان. هناك، تُحفظ الجوازات داخل مخازن مخصصة ومبرّدة، إلى حين طلبها رسمياً من قبل الأمن العام.
عند الحاجة، تُنقل الجوازات من المصرف المركزي في منطقة الحمرا إلى مقر الأمن العام في منطقة المتحف، ضمن صناديق محكمة الإغلاق، وبمواكبة أمنية مشددة. وتوضح المصادر أن عملية التسليم لا تكتمل إلا داخل المديرية، حيث تفتح الصناديق بحضور ما يقارب أربعين موظفاً من مختلف المستويات الإدارية، ويتم عدّ الجوازات وتوثيقها رسمياً في محاضر داخلية، ما يخلق سلسلة رقابة متعددة المستويات تمنع التلاعب أو الفقدان.
ضمن هذا المسار، تضيف مصادر الأمن العام، بأنه لا يمكن إخراج أي جواز أو إدخال تعديلات عليه خارج الأطر الرسمية من دون أن يترك أثراً واضحاً في السجلات. وهو ما يدفع، وفق هذه المصادر، إلى تأكيد أن الخلل، يقع في مرحلة إدخال البيانات والمستندات، لا في مرحلة تصنيع الجواز أو تخزينه.
كما أكدت هذه المصادر أن الجوازات تُطبع بتوقيع رقمي مُسبق لمدير عام الأمن العام، وليس توقيعاً يدوياً كما يُشاع.
تواصلنا مع المديرية العامة للأمن العام لطلب تعليقها على هذه الاتهامات، فأفاد أحد المسؤولين الإداريين، مفضّلًا عدم الكشف عن هويته، بأن ما يُتداول “مبالغ فيه”، وأقرّ بوقوع حالات تزوير في جوازات السفر، مرجّحًا تورّط عدد من المخاتير الذين تقاضوا مبالغ مالية لقاء تسهيل هذه العمليات، مشددًا في المقابل على أن المديرية تتابع الملف بجدية.
وأكد المصدر صعوبة اختراق النظام المعتمد داخل المديرية، لافتًا إلى نفاد كميات جوازات السفر من طباعة عام 2003، وكشف أن العمل جارٍ على اتخاذ إجراءات جديدة، من بينها استبدال الجوازات البيومترية الحالية بأخرى أكثر حداثة تعتمد على مادة البوليكاربون، بهدف تعزيز معايير الأمان والحد من عمليات التزوير.
في جهاز يضم مئات الموظفين، ترى مصادر مطّلعة أن تحديد المسؤوليات ليس مستحيلاً، بل ممكن تقنياً من خلال تتبّع سلاسل التوقيع وأرقام الإصدارات، غير أن ذلك يبقى رهناً بقرار واضح وصريح بالمحاسبة. وتلفت هذه المصادر إلى أن عمليات تزوير جوازات السفر لم تقتصر على منحها لإيرانيين، بل طالت أيضاً، وفق معطيات أمنية، شخصيات قيادية في النظام السوري السابق، يُقال إنها حصلت بعد سقوط نظام بشار الأسد على جوازات سفر لبنانية بالآلية نفسها، لتسهيل خروجها عبر الأراضي اللبنانية.
أمام هذه الوقائع، لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية حصول التزوير، بل يتقدّم سؤال آخر أكثر إلحاحاً: لماذا لم تبدأ المحاسبة حتى الآن؟ لأن استمرار الصمت هنا لا يعني إلا أمراً واحداً، وهو أن الجريمة مستمرة، وأن وقفها يبدأ بمحاسبة من سمح بها، أياً كانت مواقعهم.

رندة جباعي
رندا جباعي صحافية استقصائية تتمتع بخبرة مهنية تزيد على عشرين عامًا في العمل الإعلامي. انضمت عام 2020 إلى فريق التحقيقات في قناة الحرة كمراسلةاستقصائية، حيث نال عملها في شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN) جوائز عدة في مسابقات دولية مرموقة، من بينها AIB وNew York Festivals TV & Film Awards وTelly Awards. شغلت سابقًا مناصب متعددة، منها منتجة في تلفزيون المستقبل، ومراسلة في صحيفة السفير، ورئيسة تحرير لعدة مواقع إلكترونية ومجلات ومقدمة برامج في إذاعة صوت لبنان. تحمل درجتي ماجستير في الحقوق من الجامعة اللبنانية وفي الصحافة من جامعة باريس 2 بانتيون–أساس.


