هل يقترب حزب الله من الخيار الانتحاري؟

مع تصاعد المواجهة في جنوب لبنان، عاد إلى الخطاب المرتبط بحزب الله مصطلح يحمل واحدة من أكثر صفحات الصراع دموية وإثارة للجدل: العمليات الانتحارية.

ونقلت وسائل إعلام عربية وتقارير صحفية لبنانية عن قياديين عسكريين في حزب الله قولهم إن الحزب يستعد للعودة إلى “تكتيكات الثمانينيات”، بما في ذلك خيار العمليات الانتحارية.

كما روّج إعلاميون محسوبون على الحزب لهذا الطرح عبر منصات إعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي.

لكن إعادة استحضار هذا الخيار يطرح أسئلة حول مدى جديته وواقعيته في ظل تغيّر المعطيات في أرض المعركة، فضلاً عن احتمال أن يكون مجرّد فصل في حرب نفسية وإعلامية.

الإجابة على هذه الأسئلة تبدأ بالتوقّف عند البنية الفكرية التي رافقت نشأة حزب الله في مطلع الثمانينيات، حين تداخلت السرديات الدينية المستمدة من كربلاء وعاشوراء مع البعد العسكري والتنظيمي. في تلك المرحلة، لم تُقدَّم “التضحية بالنفس” بوصفها فكرة رمزية فقط، بل تحوّلت تدريجياً إلى أداة تعبئة، ثم إلى خيار قتاليّ ارتبط بواقع ميداني في ظل مواجهة غير متكافئة مع إسرائيل.

في هذا السياق، شكّلت عملية أحمد قصير عام 1982 أولى العمليات من هذا النوع، ونقطة الانطلاق في مسار العمليات الانتحارية المرتبطة بحزب الله. حينها، قاد قصير سيارة من نوع “بيجو 504” محمّلة بكميات كبيرة من المتفجرات نحو مبنى الحاكم العسكري الإسرائيلي في مدينة صور، قبل أن يفجّر نفسه داخله. وأسفر الهجوم عن مقتل 76 شخصاً وإصابة 118 آخرين، إضافة إلى تدمير المبنى المؤلف من ثمانية طوابق بالكامل.

بعدها بوقت قصير، شهد لبنان سلسلة هجمات انتحارية شكّلت منعطفاً في طبيعة المواجهة. ففي 18 أبريل 1983، فجّر انتحاري شاحنة محمّلة بنحو 900 كيلوغرام من المتفجرات داخل مجمع السفارة الأميركية في بيروت، ما أسفر عن مقتل 63 شخصاً وإصابة نحو 120 آخرين. وفي 23 أكتوبر من العام نفسه، وقعت عمليتان متزامنتان استهدفتا مقري القوات الأميركية والفرنسية في بيروت، فيما عُرف لاحقاً بـ”تفجيرات ثكنة بيروت”، وأدّتا إلى سقوط مئات القتلى والجرحى. وفي 20 سبتمبر 1984، تعرّضت السفارة الأميركية في عوكر لهجوم آخر.

اعتمدت تلك العمليات بشكل أساسي على سيارات مفخخة يقودها منفذون نحو أهداف محصّنة. ومع الوقت، جرى إدراج الانتحاريين ضمن بنية تنظيمية أكثر تماسكاً. وبحلول عام 1985، ومع انسحاب إسرائيل إلى الشريط الحدودي، تشكّلت وحدة خاصة لهذا النوع من العمليات، من دون معرفة دقيقة بأعداد المنخرطين فيها.

وبحسب بيانات منشورة في ذا ناشيونال إنترست، نفّذ حزب الله 36 عملية انتحارية بين عامي 1982 و1986، قبل أن تتراجع وتيرة هذا النوع من العمليات بشكل ملحوظ، ومن ثم تتوقف مع نهاية التسعينيات.

التوقف عن تنفيذ عمليات انتحارية عكس تحولاً في طبيعة القدرات العسكرية، فمع مرور الوقت، انتقل حزب الله من نموذج حرب العصابات إلى قوة تمتلك ترسانة صاروخية، وقدرات استخبارية، وطائرات مسيّرة.

مع ذلك، لم تختفِ الفكرة من الخطاب. بل استمر تمجيد هذا النوع من العمليات حاضراً في تصريحات قادة الحزب، ومنهم الأمين العام السابق حسن نصر الله، الذي أشار في أكثر من مناسبة إلى فعالية هذا النوع من العمليات في سياقات معينة.

ويرى خبراء أن إعادة طرح هذا الخيار اليوم لا تعكس تحولاً عملياً بقدر ما ترتبط بسياق الضغوط التي يتعرض لها حزب الله.

يقول الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية الدكتور مصطفى أمين إن “الفكرة لا تزال قائمة داخل الإطار العقائدي للتنظيم، لكنها غير مطروحة كخيار تنفيذي في ظل تطور قدراته العسكرية”، معتبراً أن استحضارها “يندرج ضمن أدوات الردع النفسي والتصعيد الإعلامي”.

ويرى أمين في حديث لموقع “الحرة” أن أي لجوء فعلي إلى هذا التكتيك “سيوسّع تصنيف الحزب ضمن قوائم الإرهاب، وهو ما يتعارض مع سعيه إلى تقديم نفسه كفاعل سياسي وعسكري ضمن السياق اللبناني”.

كذلك يشير الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد جورج نادر إلى أن العمليات الانتحارية في الثمانينيات اعتمدت على إمكانية الوصول إلى أهداف داخل مناطق مأهولة، حيث كان انتشار القوات الإسرائيلية يسمح بالاقتراب وتنفيذ هجمات مباشرة. أما اليوم، فقد تغيّر الواقع جذرياً حيث باتت القوات الإسرائيلية تعتمد نمط انتشار يقوم على إخلاء المناطق التي تتمركز فيها من السكان، ما يُفقد هذا النوع من العمليات شروطه الأساسية”.

في ظل هذه المعطيات، يعتبر نادر في حديث لموقع “الحرة” أن “تنفيذ عملية انتحارية، سواء عبر حزام ناسف أو سيارة مفخخة، بات مستحيلاً نتيجة صعوبة الوصول إلى الأهداف العسكرية”.

في مقابل تراجع هذا التكتيك، برزت بدائل جديدة، أبرزها اليوم، كما يقول نادر، “المسيّرات الانقضاضية الموجّهة عن بُعد، والتي تؤدي وظيفة مشابهة من حيث التأثير، لكن من دون الحاجة إلى العنصر البشري المباشر”، مشدداً على أن “هذه الوسائل تواجه بدورها إجراءات مضادة من قبل إسرائيل للحدّ من فعاليتها”.

ويرى مراقبون أن استحضار الحديث عن العمليات الانتحارية يرسم جزئياً صورة عن قدرات حزب الله الحالية.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي الصحفي يوسف دياب في حديث لموقع “الحرة” أن التلويح بالعمليات الانتحارية “يعكس حالة ضعف وتضاؤلاً في الخيارات المتاحة، ويشكل محاولة لإرباك الخصم وبثّ الخوف في صفوفه”.

وبحسب دياب، فإن هذا الخطاب يعكس أيضاً “تحوّلاً في الرسائل الموجّهة إلى جمهور الحزب، إذ يسعى إلى إعادة تقديم نفسه كقوة قادرة على الحماية، مع الإيحاء بإمكانية استعادة المناطق التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي بشكل تدريجي”، كما يعكس في الوقت نفسه “تراجعاً في القدرة على الحفاظ على الصورة التي روّج لها الحزب لسنوات، كقوة قادرة على تغيير موازين القوى في المنطقة”.

ويلفت دياب إلى أن هذا “التكتيك يواجه تحديات ميدانية كبيرة، في ظل التفوق التكنولوجي الإسرائيلي وأنظمة المراقبة المتطورة برّاً وبحراً وجوّاً، ما يجعل تنفيذه أكثر صعوبة وأقل تأثيراً مقارنة بالماضي”.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading