اختطاف لجنة حقوق الإنسان داخل البرلمان العراقي

مدخل مبنى البرلمان العراقي خلال جلسة برلمانية في بغداد، العراق، 11 أبريل 2026. رويترز/أحمد سعد.

تثير لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي انتقادات مع وجود نواب، يقول ناشطون، إن بعضهم يرتبط سياسيا أو تنظيميا بقوى متهمة بارتكاب انتهاكات.

تبدو تركيبة اللجنة، في الدورة السادسة للبرلمان 2025 – 2029، والدورات السابقة كذلك، كأنها انعكاس لتركيبة النظام السياسي العراقي نفسه، توازنات حزبية، نفوذ سياسي، وأسماء تحيط بها علامات استفهام كثيرة.

بين أعضاء لجنة حقوق الإنسان، مثنى التميمي، محافظ ديالى السابق، القيادي المرتبط بمنظمة بدر، وهي جماعة وجهت لها على مدى سنوات اتهامات تتعلق بارتكاب انتهاكات حقوقية، خصوصا خلال سنوات الصراع الطائفي والحرب على تنظيم “داعش”. وإلى جانبه، يحضر أحمد الموسوي، المنتمي إلى حركة “عصائب أهل الحق”، التي طالما ارتبط اسمها بتقارير محلية ودولية تحدثت عن انتهاكات رافقت عمليات “تحرير” المدن العراقية بين عامي 2016 و2017.

لكن الاسم الذي أثار أكبر قدر من الجدل لم يكن قائدا ميدانيا ولا مسؤولا أمنيا؛ إنه نائب عُرف بحضوره الصاخب داخل البرلمان وخارجه: مصطفى سند.

سند، الذي أعلن لاحقا انسحابه من لجنة حقوق الإنسان، لم يكن شخصية برلمانية عادية. إذ اشتهر بخطابه الحاد، ودخوله في معارك علنية مع ناشطين وصحافيين ومدافعين عن حقوق الإنسان. وخلال السنوات الماضية، ارتبط اسمه بعدد من الدعاوى القضائية ضد ناشطين ومنتقدين للسلطة، ما جعله، بالنسبة إلى كثيرين، أحد الوجوه البرلمانية التي ساهمت في تضييق مساحة التعبير، بدلا من الدفاع عنها.

في هذا الفيديو، يقول سند بأنه لا يعترف بمجلس النواب ولا بحصانته. في إشارة إلى رفضه أي آليات تسمح للآخرين بانتقاده، أو “إهانته” بحسب تعبيره، في مواقع التواصل الاجتماعي.

ازداد الجدل حول سند حين وجّه تعليقا إلى أحد منتقديه الإيزيديين من سنجار، قال فيه: “أنت من سنجار كنت مسبيا سابقا”. وجاءت العبارة، بالنسبة إلى كثيرين، كاستدعاء مهين لذاكرة الجرائم التي ارتكبها تنظيم “داعش” بحق الإيزيديين عام 2014. وأثار التصريح موجة غضب، خصوصا بين النواب الإيزيديين الذين طالبوا باعتذار رسمي، قبل أن يعتذر سند لاحقا تحت ضغط الانتقادات.

تواصلت “الحرة” مع سند للحصول على تعليق بشأن الانتقادات الموجهة له وللجنة، لكنه اكتفى بالقول: “لقد انسحبت”.

لكن انسحاب نائب واحد من اللجنة لم يحسم الجدل حول تركيبة أعضائها.

فالسؤال الذي بقي مطروحا لا يتعلق بسند وحده، بل بطبيعة لجنة يُفترض أن تراقب الانتهاكات وتدافع عن الحقوق، فيما هي تضم في صفوفها شخصيات مرتبطة سياسيا أو تنظيميا بقوى تتهمها منظمات حقوقية وناشطون بالضلوع في تلك الانتهاكات.

كيف يمكن للضحايا أن يثقوا بلجنة يُنظر إلى بعض أعضائها بوصفهم جزءا من المشكلة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالأفراد وحدهم، بل بطريقة بناء مؤسسات الدولة بعد عام 2003. فغالبا ما تُمنح مقاعد اللجان وفق المحاصصة والتفاهمات السياسية، لا على أساس الاختصاص أو الخبرة.

يصف عضو “تحالف الدفاع عن حرية التعبير”، علي الحبيب، المشهد بأنه “تجسيد صارخ للتناقض البنيوي في الدولة العراقية”، معتبرا في تصريح لـ”الحرة” أن وجود شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة داخل لجنة حقوق الإنسان يثير شكوكا جدية بشأن استقلاليتها ومصداقيتها، خصوصا مع ارتباط بعض تلك الفصائل بملفات تتعلق بقمع الاحتجاجات والاعتقالات التعسفية والتصفيات خلال السنوات الماضية، بما فيها أحداث تشرين 2019.

ولا تبدو الانتقادات مقتصرة على ملف الفصائل المسلحة فقط. فبحسب ناشطين ومدافعين عن حقوق الإنسان، يواجه بعض أعضاء اللجنة اتهامات تتعلق باستخدام النفوذ السياسي أو ملاحقة ناشطين وصحافيين قضائيا، ما يجعل وجودهم داخل اللجنة مثيرا للريبة بالنسبة للمدافعين عن الحريات.

رئيس “مركز المعلومة” في العراق، علي صاحب، يرى أن الخلل يبدأ من طريقة تشكيل اللجان نفسها. فدمج ملفات حقوق الإنسان والمرأة داخل لجنة واحدة يعكس، بحسب رأيه، نظرة ثانوية لهذه القضايا، في وقت تُمنح فيه لجان أخرى أهمية أكبر بسبب ما توصف بـ”المصالح السياسية والمادية” المرتبطة بها.

في اللجنة أيضا، النائبة وحدة الجميلي عن حزب تقدم بزعامة محمد الحلبوسي، التي ظهرت في أوقات سابقة في مقطع فيديو وهي تطلق النار في الهواء في الشارع. وبحسب أحد الناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان، فإن الجُميلي وزميلها أرشد الصالحي الذي كان رئيسا للجنة في دورات سابقة، وهو نائب تُركماني، كانا يدفعان باتجاه وضع فقرات تقييدية في قانون حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي.

الناشط الذي تحدث لـ”الحرة” طالبا عدم ذكر اسمه خشية على حياته، أشار إلى أنه حضر في الأعوام السابقة اجتماعات مع لجنة حقوق الإنسان، وكان فيها الجُميلي والصالحي.  وسعى النائبان، وفق قول الناشط، إلى وضع فقرة تشترط الحصول على إذن للتظاهر، بينما يرى المدافعون عن حقوق الإنسان أن على المتظاهر إبلاغ السُلطة فقط وليس أخذ إذنها، مستندين في ذلك إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والدستور العراقي.

ومنذ سنوات يسعى ناشطون في مجال حقوق الإنسان إلى تشريع قانون يُنظم حق التظاهر لكنهم لم ينجحوا بسبب إصرار القوى السياسية، خاصة الإسلامية منها، على وضع فقرات تقييدية لحق التظاهر.

ولم يرد النائبان وحدة الجميلي وأرشد الصالحي على طلبي تعليق حول الموضوع أرسلتهما “الحرة” عبر واتساب.

بالنسبة للناشط الحقوقي، ميثم أحمد، فإن ما يجري داخل اللجنة يمثل “سابقة خطيرة”، إذ إن بعض الأسماء الموجودة فيها “عُرفت بملاحقة المنتقدين والمدافعين عن الحقوق عبر دعاوى كيدية هدفها إسكات الأصوات المعارضة”.

ويضيف أحمد أن تحويل لجنة حقوق الإنسان إلى “محطة لمن لم يجد مكانا في اللجان الأقوى نفوذا” يكشف حجم الأزمة الحقيقية داخل المؤسسة التشريعية، ويعكس غياب إرادة سياسية جادة للتعامل مع ملف الحريات بوصفه أولوية.

تبدو لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي السادس عالقة بين وظيفتين متناقضتين؛ فهي جزء من السلطة السياسية، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بمراقبة هذه السلطة ومحاسبتها. وبين النفوذ الحزبي، والسلاح، والتوازنات، تضيع أحيانا وظيفة اللجنة الأساسية في مراقبة قضايا حقوق الإنسان، في بلد لا تزال فيه ملفات الاختفاء القسري، وقمع الاحتجاجات، واستهداف الصحافيين، والاعتقالات خارج القانون حاضرة بقوة.

مصطفى سعدون
مصطفى سعدون صحافي عراقي عمل في مؤسسات إعلامية دولية وعربية عديدة. يُركز في كتاباته على السياسة وحقوق الإنسان.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading