تجاوزت إدارة الرئيس، دونالد ترامب حدود السجال الفكري في تعاملها مع جماعة الإخوان المسلمين، لتضع الملف في صميم استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب والأمن القومي. فوثيقة استراتيجية مكافحة الإرهاب لعام 2026 لا تكتفي بوصف الجماعة بأنها “جذر كل إرهاب إسلامي حديث”، بل ترسم خطا يصلها بتنظيمات كالقاعدة وداعش وحماس، باعتبار أن جذور هذه الجماعات تعود إلى الإرث الفكري والتنظيمي للإخوان، وفق قراءة الإدارة.
غير أن حدة اللغة لا تعني تصنيفا شاملا للجماعة كلها، فالمسار الذي اتخذته الإدارة بدأ بأمر تنفيذي في نوفمبر 2025 طلب من وزارتي الخارجية والخزانة النظر في تصنيف فروع بعينها من الإخوان، لا التنظيم العالمي برمته.
وفي يناير 2026، صُنّف الفرع اللبناني، المعروف باسم الجماعة الإسلامية، منظمة إرهابية أجنبية (FTO) و”إرهابيا عالميا مصنفا تصنيفا خاصا” (SDGT) معا. في المقابل، صنّفت وزارة الخزانة الفرعين المصري والأردني “إرهابيين عالميين مصنفين تصنيفا خاصا” (SDGT)، وهو تصنيف يتعلق بالإرهاب أيضا، لكنه أقل درجة من (FTO). وفي مارس، تحركت واشنطن ضد الإخوان المسلمين في السودان، فصنفتهم كيانا إرهابيا عالميا تصنيفا خاصا”، تمهيدا لإدراجهم لاحقا كمنظمة إرهابية أجنبية.
هذا التدرّج في التصنيف يعكس انتقال واشنطن من فكرة التصنيف الشامل إلى مقاربة انتقائية تستند إلى ما تعتبره أدلة أوضح على العنف المباشر أو الصلة العملياتية بحماس وحزب الله.
يفتح إدراج كيان منظمة إرهابية أجنبية (FTO) الباب أمام ملاحقة “الدعم المادي” قانونيا، ويُلزم المؤسسات المالية بتجميد الأموال وإبلاغ الخزانة. أما تصنيف (SDGT) فيسمح بتجميد الممتلكات ويمتد إلى الكيانات المملوكة بنسبة 50 في المئة أو أكثر لأشخاص محظورين.
في لبنان، استند القرار الأشد إلى اتهامات بتنفيذ هجمات ضد إسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023، وإعادة تفعيل الجناح المسلح “قوات الفجر”، والتنسيق مع حزب الله وحماس. وفي السودان، تحدث القرار تحديدا عن “الحركة الإسلامية السودانية” وجناحها المسلح، لواء البراء بن مالك، الذي تقول وزارة الخارجية الأميركية إنه دفع بأكثر من 20 ألف مقاتل إلى الحرب الأهلية، تلقّى كثيرون منهم تدريبا ودعما من الحرس الثوري الإيراني. أما في حالتي مصر والأردن، فقد بنت واشنطن قرارها الأخف على اتهامات بتيسير التمويل والتجنيد لصالح حماس، لا على تورط مباشر في عمليات مسلحة.
فالإخوان ليسوا تنظيما مركزيا، بل حركة عابرة للحدود تتوزع فروعها بين نموذجين: فروع انخرطت في العمل السياسي قبل أن تُحظر، كما في مصر والأردن، وأخرى اتُّهمت بدعم جماعات مصنفة أو بممارسة العنف، كما في لبنان والسودان. وبينهما تبرز حالات ملتبسة كحزب الإصلاح اليمني، الذي يُتَّهم بالانتماء إلى الجماعة وتتصاعد المطالبات بتصنيفه، رغم نفيه المتواصل لأي صلة تنظيمية بها، وبقائه شريكا في المعسكر الحكومي المناهض للحوثيين.
ما الذي تغيّر منذ 2019؟
في عام 2019، تعثرت محاولة إدارة ترامب الأولى لتصنيف الجماعة شاملا، لأن السؤال القانوني كان أكبر من قدرة التصنيف، كيف تُثبت أن حركة واسعة ومتشعبة تستوفي معيار المنظمة الإرهابية الأجنبية؟
ما تغيّر الآن، وفق مدير برنامج التطرف في جامعة جورج واشنطن، لورينزو فيدينو، ليس الإرادة السياسية وحدها، بل طريقة بناء الملف.
يقول فيدينو لـ”الحرة” إن الإدارة الثانية لترامب تبدو “أكثر منهجية” من الأولى، فهي لا تبدأ بالجماعة كلها، بل بالفروع التي ترى أن صلتها بالعنف أوضح. لكن فيدينو يُحذر من أن السؤال الحقيقي هو التنفيذ، لا الإعلان، التصنيف “لا يكون له أثر إلا إذا نُفذ” عبر تحقيقات وموارد وأولوية لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة العدل.
وتعزو أستاذة دراسات الشرق الأوسط في جامعة إيموري كورتني فرير هذا التحرك الأميركي تجاه الجماعة لعاملين اثنين: عودة ترامب للبيت الأبيض، وحظر الأردن للإخوان المسلمين في عام 2025، بما وفر، في رأيها، أرضية سياسية وقانونية أسهل للخطوة الأميركية.
“الجماعة في مصر والأردن كانت تواجه حظرا من حكومتي البلدين، وهما حليفان لواشنطن، ما جعل القرار الأميركي أقرب إلى البناء على مسارات محلية قائمة، لا خطوة منفصلة عنها بالكامل،” تقول فرير لـ”الحرة”. وتضيف أن “حظر أيديولوجيا كاملة أمر بالغ الصعوبة، سواء من الناحيتين القانونية أو العملية”، ولذلك بدت مقاربة تصنيف فروع محددة أسهل تبريراًمن محاولة إدراج الحركة كلها تحت تصنيف واحد.
لكن هذه الأدوات لا تُفكك الشبكات تلقائيا.
فالشبكات المالية والإعلامية والخيرية العابرة للحدود لا تتوقف بمجرد إعلان سياسي، خصوصا إذا مرّت عبر واجهات محلية أو علاقات اجتماعية غير رسمية. وهنا يحذر فيدينو من أن نقص الموارد أو تحول أولويات الأجهزة قد يترك التصنيف “على قطعة ورق”.
ستكون المصارف إحدى ساحات الاختبار الأولى. فالبنوك العالمية المعتمدة على الدولار تميل إلى الحذر الشديد تجاه أي كيان مُدرج على قوائم الإرهاب، ما يجعل أثر التصنيف في غرف الامتثال المصرفي أوسع أحيانا من أثره في البرلمانات.
كما أن القرار يضع واشنطن أمام توتر معروف بين مكافحة الإرهاب ودعم الديمقراطية. فقد شاركت حركات قريبة من الإخوان في انتخابات وبرلمانات في أكثر من بلد، كما في الأردن، حيث حظرت الحكومة الجماعة عام 2025، رغم أن حزب جبهة العمل الإسلامي حقق نتائج لافتة في 2024.
وتُحذر فرير هنا من خطر “أمننة (ما المقصود) التيارات الإسلامية، بل ربما الإسلام عموما”، إذا اعتمدت مقاربة فضفاضة تخلط بين التنظيم والأيديولوجيا والعلاقات الاجتماعية والدعم الفعلي للعنف. وترى أن هذا الخلط قد يغلق باب الحوار مع جماعات غير عنيفة تطالب بإصلاح سياسي.
وفي أوروبا، لا يتوقع فيدينو أن تتبع الحكومات المسار الأميركي بحظر شامل، لكنها قد تكثف الرقابة والتحقيقات المالية دون تبنّي تصنيف رسمي.
كما أن التصنيفات الأميركية تبقى قابلة للمراجعة قانونيا. فالقانون الأميركي يتيح لوزير الخارجية إلغاء تصنيف منظمة إرهابية أجنبية إذا تغيرت الظروف أو إذا اقتضى الأمن القومي ذلك، كما يتيح مراجعات وطعونا قضائية. لكن التراجع السياسي قد يصبح أكثر صعوبة إذا أصبح التصنيف جزءا من منظومة عقوبات، وتحقيقات، وحسابات مغلقة، وبنوك متحفظة.

عزت وجدي
عزت وجدي صحفي ومنتج أفلام وثائقية يمني يقيم في العاصمة الأميركية واشنطن، يحمل درجة الماجستير في الدراسات الإعلامية


