في غضون أيام قليلة، انتقلت أزمة حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، من المحاكم إلى الشارع.
في 22 مايو، أبطلت محكمة الاستئناف في أنقرة المؤتمر الذي انتخب أوزغور أوزيل رئيسا للحزب عام 2023، وأعادت سلفه كمال كليتشدار أوغلو إلى المنصب مؤقتا. وبعد يومين، اقتحمت الشرطة مقر الحزب في أنقرة، مستخدمة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لإنهاء اعتصام أنصار أوزيل. ويوم الثلاثاء، فرقت قوات الأمن في إزمير تجمعات حاولت الاستماع إلى خطاب لأوزيل.
تقول الحكومة، بقيادة “العدالة والتنمية” الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان، إن القضية بدأت من داخل حزب الشعب الجمهوري نفسه، عبر شكاوى تتعلق بمخالفات تنظيمية وشراء أصوات في المؤتمر. أما المعارضة، فترى في القرارات القضائية والتدخلات الأمنية جزءا من محاولة أوسع لإضعافها قبل الاستحقاقات المقبلة.
لكن الأزمة باتت تتجاوز مصير قيادة حزب معارض. فهي تعيد طرح سؤال أوسع حول مستقبل “الأردوغانية” في تركيا: هل ما زال الرئيس رجب طيب أردوغان قادرا على إعادة تشكيل المجال السياسي كما فعل خلال العقدين الماضيين؟ أم أن الضغط المتزايد على المعارضة يكشف عن نظام أصبح في وضع دفاعي بعد خسائر انتخابية واقتصادية كبيرة؟
تأتي هذه التطورات بعد عام من الانتخابات البلدية التي حقق فيها حزب الشعب الجمهوري مكاسب كبيرة، واحتفظ بإسطنبول وأنقرة ووسع حضوره في مدن أخرى. وكانت تلك النتيجة ضربة سياسية لحزب العدالة والتنمية، وأظهرت أن المعارضة، رغم انقساماتها، قادرة على منافسة أردوغان في المدن الكبرى.
وتصاعد الضغط على المعارضة منذ اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، في مارس 2025. ويُنظر إلى إمام أوغلو بوصفه أبرز منافس محتمل لأردوغان في أي انتخابات رئاسية مقبلة، خصوصا بعد الدور الذي لعبه في تعزيز حضور المعارضة في البلديات في انتخابات 2024.
يواجه إمام أوغلو قضايا تتعلق بالفساد والتجسس السياسي، وهي اتهامات ينفيها. وتقول المعارضة إن الملفات المرفوعة ضده تحمل أبعادا سياسية وتهدف إلى إبعاده عن السباق الرئاسي. وجاء اعتقاله في اليوم نفسه الذي حصل فيه على نحو 15.5 مليون صوت في الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشح المعارضة للرئاسة، قبل أن تُلغى شهادته الجامعية المطلوبة قانونيا لخوض الانتخابات.
بالنسبة إلى هنري باركي، المحلل البارز في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، فإن هذه التطورات لا تعكس قوة مطلقة بقدر ما تكشف مأزقا أعمق.
يقول باركي لـ”الحرة” إن “الأردوغانية في طور التفكك منذ فترة”، معتبرا أن سجن إمام أوغلو كان “العلامة الأولى الحقيقية” على ذلك.
ويرى باركي أن أردوغان “بات يعزز المعارضة لا يضعفها”، في إشارة إلى أن استخدام القضاء والأمن ضد خصومه قد يدفع قطاعات أوسع إلى الالتفاف حولهم، بدلا من تفكيكهم.
منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، بنى أردوغان نظاما سياسيا يتمحور حول شخصه وحزبه ومؤسسة الرئاسة، خصوصا بعد الانتقال إلى النظام الرئاسي عام 2018. ومنح ذلك الرئاسة نفوذا واسعا على القرار السياسي، في وقت تراجعت فيه الضوابط المؤسسية التي كانت تحدّ تقليديا من سلطة الحكومة.
لكن السنوات الأخيرة أضعفت بعض ركائز هذا النظام. فقد واجه الاقتصاد التركي تضخما مرتفعا وتراجعا في قيمة الليرة، ما أثّر في شعبية الحكومة، خصوصا في المدن الكبرى. كما أظهرت الانتخابات البلدية أن المعارضة قادرة على تحويل الغضب الاقتصادي إلى مكاسب سياسية.
وتضع غونول تول، الباحثة الأولى في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، الأزمة في سياق أبعد من انتخابات 2028. وتقول لـ”الحرة” إن ما يجري لا يتعلق فقط بتوطيد السلطة قبل الاستحقاق المقبل، بل بمحاولة إضعاف الرمزية السياسية لحزب الشعب الجمهوري نفسه.
فالحزب، كما تقول تول، ليس حزبا معارضا عاديا. إنه الحزب الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك، ويحمل إرثا جمهوريا وعاطفيا لدى ملايين الأتراك. لذلك، فإن إرباكه لا يعني فقط إضعاف خصم انتخابي، بل المساس برمز من رموز الجمهورية التركية الحديثة.
ولا تنفي هذه القراءة أن حزب الشعب الجمهوري نفسه، يعاني أيضا من مشاكل داخلية حقيقية. فخسارة كمال كليتشدار أوغلو انتخابات 2023 فتحت معركة قيادة داخل الحزب، وجاء انتخاب أوزغور أوزيل لاحقا بوصفه محاولة من جناح جديد لطي صفحة طويلة من الخسائر أمام أردوغان.
لكن هذه المعركة منحت خصوم الحزب فرصة للتدخل. فالطعون القضائية جاءت من شخصيات داخلية تحدثت عن مخالفات في المؤتمر وشراء أصوات، وهو ما تستند إليه الحكومة للقول إن القضية نزاع حزبي انتقل إلى القضاء، لا تدخل سياسي من السلطة.
ويقول الصحفي والمحلل السياسي التركي، علي أسمر، إن حزب العدالة والتنمية وجد في أزمة حزب الشعب الجمهوري فرصة سياسية، حتى لو كانت جذورها داخلية. فالحزب الحاكم، في رأيه، يستفيد من ارتباك خصومه كما كانت المعارضة تحاول الاستفادة من أي أزمة داخل السلطة.
أما جاهد توز، المستشار السابق في رئاسة الوزراء التركية، فيرفض ربط القضية بتدخل السلطة، قائلا إن الشكاوى جاءت من داخل الحزب وتتعلق باتهامات تنظيمية ومالية.
غير أن هذا المكسب المحتمل لأردوغان يبقى تكتيكيا. فالأزمة تكشف في الوقت نفسه أن المعارضة، رغم انقساماتها، صارت أكثر قدرة على تهديد الحزب الحاكم انتخابيا، وأن “الأردوغانية” لم تعد تعتمد فقط على قوة صناديق الاقتراع، بل أيضا على إدارة المجال الذي تتحرك داخله المعارضة.
ويقف القضاء، مرة أخرى، في قلب الجدل. فالحكومة تؤكد أن المحاكم مستقلة وأن القضايا المرفوعة ضد المعارضين تستند إلى ملفات قانونية. أما المعارضة فتقول إن القضاء أصبح جزءا من ميزان قوة يميل لمصلحة السلطة.
لكن هذا الجدل ليس جديدا في تركيا. فمنذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، شهدت البلاد موجات واسعة من الاعتقالات والإقالات، قالت الحكومة إنها ضرورية لحماية الأمن والاستقرار. ورأت المعارضة ومنظمات دولية أنها وسعت نفوذ السلطة التنفيذية على مؤسسات الدولة، وأضعفت استقلال القضاء وحرية التعبير.
ومع ذلك، لا يرى جميع المراقبين أن تركيا تتجه إلى انهيار سياسي أو انسداد كامل. فالدبلوماسي الأميركي السابق جيمس جيفري يقول لـ”الحرة” إن تركيا عرفت عبر تاريخها توترات شديدة بين الدولة والمعارضة، لكنها لا تزال تحتفظ بحياة حزبية نشطة ومؤسسات انتخابية مؤثرة.
ويرى جيفري أن واشنطن لن تجعل ملف الديمقراطية التركية أولوية في المدى القريب، لأنها منشغلة باضطرابات دولية تمتد من أوكرانيا إلى إيران والصين، ولأن تركيا لاعب حاسم في عدد من هذه الملفات. ويضيف أن إدارة ترامب لن تعلن صراحة مخاوفها من تراجع الديمقراطية في تركيا، ولا يرجح أن تفعل الإدارة التي تليها ذلك.
هنا يجد أردوغان هامشا خارجيا مهما. فتركيا تستعد لاستضافة قمة الناتو في يوليو المقبل، في وقت تتزايد فيه المخاوف الغربية من مستقبل الحرب في أوكرانيا والأمن الأوروبي. وتقول تول إن أردوغان يستفيد من “بيئة دولية مواتية بشكل غير مسبوق”، حيث تنظر العواصم الغربية إلى تركيا من زاوية موقعها الاستراتيجي وصناعاتها الدفاعية أكثر من نظرها إلى ملف الديمقراطية.
هذا السياق يمنح “الأردوغانية” فرصة للاستمرار، لكنه لا يحل أزمتها الداخلية. فالنظام الذي بناه أردوغان لا يزال يملك أدوات قوية، وهي الدولة، والحزب، والرئاسة، والأمن، والقضاء. لكنه يواجه في المقابل معارضة أثبتت قدرتها على الفوز في المدن الكبرى، وناخبين متضررين من الاقتصاد، ورموزا سياسية مثل إمام أوغلو قادرة على تهديد احتكار السلطة.

رينغو هاريسون
رينغو هاريسون منسّق محتوى مقيم في واشنطن العاصمة. وهو خريج من جامعة لوند في مجال الدراسات الآسيوية. وقد عمل سابقًا في مجلة American Purpose.
- رينغو هاريسون
- رينغو هاريسون
- رينغو هاريسون

عزت وجدي
عزت وجدي صحفي ومنتج أفلام وثائقية يمني يقيم في العاصمة الأميركية واشنطن، يحمل درجة الماجستير في الدراسات الإعلامية



