تجد الإمارات نفسها في وضع حساس داخل المواجهة مع إيران، بعد أسابيع شهدت هجمات مسيّرة على منشآت داخل الإمارات، واستهدافا لمحيط محطة براكة للطاقة النووية، واتهامات إيرانية مباشرة لأبوظبي بالمشاركة في عمليات عسكرية ضد طهران.
في 19 مايو، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أنها اعترضت، خلال 48 ساعة، ست طائرات مسيّرة حاولت استهداف مناطق مدنية ومنشآت حيوية داخل الدولة. وجاء الإعلان بعد يومين من هجوم بثلاث مسيّرات على محيط محطة براكة للطاقة النووية، أصابت إحداها مولدا كهربائيا خارج النطاق الداخلي للمحطة.
وقالت أبوظبي، وفق المعلومات المعلنة، إن المسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية، في إشارة إلى احتمال ضلوع جماعات مسلحة مرتبطة بإيران. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجمات.
تضع هذه الوقائع الإمارات في موقع مختلف عن بقية دول الخليج خلال هذه المرحلة من التصعيد. فبينما حاولت عواصم خليجية أخرى إبقاء مسافة من الحرب أو أداء دور الوسيط، دخلت أبوظبي في مواجهة أكثر وضوحا مع طهران، سياسيا وأمنيا.
هذا لا يعني أن الحرب تحولت إلى مواجهة إماراتية ـ إيرانية خالصة. لكنه يجعل الإمارات إحدى أكثر الدول الخليجية تعرضا للضغط المرتبط بالحرب مع إيران.
من الهجمات إلى الاتهامات
بدأ التوتر يأخذ منحى أكثر حدة مع اتساع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وخلال تلك المرحلة، اتخذت الإمارات واحدا من أكثر المواقف الخليجية صرامة تجاه طهران، إذ أغلقت سفارتها في العاصمة الإيرانية، وسحبت سفيرها وكامل بعثتها الدبلوماسية.
وفي الخامس من أبريل، قالت وزارة الدفاع الإماراتية إن دفاعاتها الجوية اعترضت، منذ بداية الهجمات الإيرانية، 507 صواريخ باليستية، و24 صاروخا جوالا، و2191 طائرة مسيّرة. ثم جاءت هجمات مايو لتشكل منعطفا آخر، خصوصا بعد استهداف محيط محطة براكة.
على المستوى السياسي، اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الإمارات، خلال قمة “بريكس” في الهند في 14 مايو، بالمشاركة المباشرة في العمليات العسكرية ضد بلاده. ونقلت وسائل إعلام رسمية إيرانية قوله إن طهران لم تذكر الإمارات سابقا “حرصا على الوحدة”، لكنها تعتبر أن أبوظبي “شاركت بشكل مباشر في العدوان” على إيران.
وبحسب ما نقلته وكالة “رويترز”، قال عراقجي إن القواعد الأميركية والتحالف مع إسرائيل “لن يوفرا للإمارات الأمن”، داعيا أبوظبي إلى إعادة النظر في سياساتها تجاه طهران.
وردت الإمارات برفض الاتهامات الإيرانية “غير المقبولة”.
وفق هذه الوقائع، تجاوزت العلاقة بين الطرفين مستوى التوتر الدبلوماسي المعتاد، وباتت أبوظبي إحدى ساحات الضغط الرئيسية في هذه المواجهة الإقليمية.
هدف ذو صدى واسع
أحد التفسيرات يركز على قيمة الإمارات نفسها. فهي ليست هدفا عسكريا عاديا. إنها مركز مالي وتجاري، ومقر لشركات ومصالح دولية واسعة، ولديها موانئ ومنشآت طاقة ومرافق استراتيجية، بينها محطة براكة للطاقة النووية.
لذلك، فإن أي هجوم عليها، حتى لو بقي محدود الأثر الميداني، يترك صدى يتجاوز الحدود الإماراتية. فهو يرسل رسالة إلى الأسواق، وشركات الطاقة، وشركاء أبوظبي الدوليين، ودول الخليج الأخرى.
يرى الباحث والمحلل السياسي الإماراتي، سالم الكتبي، أن الإمارات تمثل “مركز ثقل اقتصاديا واستراتيجيا” في المنطقة، وأن استهداف منشآتها أو ممرات التجارة والطاقة المرتبطة بها يخلق أثرا سياسيا واقتصاديا واسعا.
هذا التفسير لا يكفي وحده. فالسعودية وقطر والكويت والبحرين كلها تملك أهميات استراتيجية بدرجات مختلفة. في الحالة الإماراتية، يتداخل الموقع الاقتصادي مع موقف سياسي بدا أكثر حدة تجاه إيران.
يربط الباحث والكاتب الإماراتي، محمد خلفان الصوافي، التصعيد بالموقف الإماراتي نفسه. فهو يرى أن أبوظبي كانت أكثر وضوحا من غيرها في رفض السلوك الإيراني، وأن طهران تحاول استغلال التباينات الخليجية في لحظات التصعيد.
وتشير التقارير الغربية، إلى جانب آراء عدد من الخبراء، إلى أن الموقف الخليجي لم يكن واحدا خلال التصعيد. فبينما رفضت السعودية وقطر، وفق تلك التقارير، الانخراط في رد عسكري منسق ضد إيران، بدت الإمارات أكثر استعدادا لاتخاذ موقف حاد من طهران. ويقول خبراء إن إيران حاولت استثمار هذه الفروق، سواء للضغط على أبوظبي أو لإرسال رسالة أوسع إلى بقية العواصم الخليجية.
ضغط محسوب
لا تبدو الهجمات والتهديدات ضد الإمارات، وفق الخبراء الذي تحدثوا إلى “الحرة”، مقدمة تلقائية لجبهة جديدة بقدر ما تبدو جزءا من محاولة إيرانية لرفع الكلفة على أبوظبي، وإرسال رسالة إلى بقية الخليج.
يرى الخبير العسكري والاستراتيجي السعودي، العميد الركن حسن الشهري، أن الصراع لا يزال في جوهره بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. لكنه يقول إن بعض الأطراف الإقليمية، بينها الإمارات، باتت تدفع كلفة تموضعها السياسي والأمني.
ويعتبر الشهري أن إيران تستخدم “رسائل محسوبة” من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة مع دول الخليج، لأن التصعيد المفتوح ستكون له كلفة عالية.
بهذا المعنى، يدخل الضغط على الإمارات ضمن منطق الردع، لا ضمن إعلان حرب منفصلة. فطهران، وفق هذه القراءة، تضغط على أبوظبي لأنها تعرف أن أي اضطراب فيها سيكون مرئيا ومؤثرا، لكنها لا تسعى بالضرورة إلى حرب مباشرة معها.
في المقابل، يرى المستشار السياسي والدولي أحمد الخزاعي أن تركيز إيران على الإمارات يوحي بأن طهران باتت تتعامل مع أبوظبي كطرف فاعل في الحرب، لا مجرد حليف بعيد للولايات المتحدة أو إسرائيل. ويقول إن الرسالة الإيرانية موجهة أيضا إلى بقية دول الخليج: الانخراط في المواجهة لن يبقى بلا ثمن.
بين القراءتين، تظهر صورة أكثر تعقيدا من تفسير واحد. فإيران قد لا ترى الإمارات وحدها عدوا مستقلا، لكنها تستخدم الضغط عليها لاختبار حدود الرد الخليجي، وإرسال تحذير إلى العواصم الأخرى، ومحاولة إظهار أن بعض دول الخليج أكثر تورطا من غيرها.
خليج بمواقف مختلفة
تكشف الأزمة أيضا اختلافا في طريقة تعامل دول الخليج مع الحرب. فالموقف الخليجي لا يبدو موحدا بالكامل، لا في مستوى الخطاب ولا في مستوى الانخراط.
إيران تدرك هذه الفروق. فهي تتعامل مع السعودية بحذر أكبر بسبب وزنها السياسي والإقليمي. وتتعامل مع قطر من خلال حسابات مرتبطة بدورها في الوساطة. أما الإمارات، فتمثل بالنسبة إليها هدفا ذا صدى عال: دولة صغيرة نسبيا، لكنها ذات حضور اقتصادي عالمي، وبنية تحتية حساسة، وموقف سياسي حاد تجاه طهران.
هذا لا يضع بقية دول الخليج خارج دائرة الخطر. لكنه يجعل الإمارات، في هذه اللحظة، نقطة اختبار مبكرة لما قد يحدث إذا اقتربت الحرب من البنية الخليجية نفسها: الموانئ، المطارات، منشآت الطاقة، المدن الاقتصادية، والمرافق المدنية الحساسة.
يرى الصوافي أن إيران لا تفرّق جوهريا بين دول الخليج، بل تغير نبرتها بحسب موازين الضغط. حين تكون طهران تحت ضغط دولي كبير، تميل إلى التهدئة. وحين تشعر بهامش أوسع للحركة، تعود إلى التصعيد.
لهذا، فاستهداف الإمارات قد يكون مرتبطا بموقف أبوظبي، لكنه أيضا جزء من نمط إيراني أوسع في التعامل مع الخليج بوصفه مجالا للضغط والمساومة.
رسالة تتجاوز أبوظبي
الضغط على الإمارات لا يقتصر على أبوظبي وحدها. فهو يحمل رسالة أوسع إلى دول الخليج، وإلى واشنطن وتل أبيب أيضا.
قد تكون طهران تريد معاقبة الإمارات على موقفها السياسي. وقد تكون تريد ردع دول خليجية أخرى عن الانخراط في الحرب. وقد تكون تحاول شق الموقف الخليجي عبر تصوير الإمارات كطرف أكثر تورطا من غيرها. وفي كل هذه الحالات، يصبح استهداف أبوظبي وسيلة لرفع ثمن الاصطفاف ضد إيران.
حتى الآن، لا تكفي الهجمات والاتهامات للقول إن الحرب أصبحت إماراتية ـ إيرانية. لكنها تكفي للقول إن الإمارات أصبحت واحدة من أكثر ساحات الضغط وضوحا في المواجهة الحالية مع إيران.
فاستهداف محيط محطة نووية مدنية، والعدد الكبير من الصواريخ والمسيّرات التي تقول أبوظبي إنها اعترضتها، والاتهامات العلنية من وزير الخارجية الإيراني، كلها وقائع تضع الإمارات في موقع متقدم داخل الأزمة.
سكينة المشيخص
كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية


