بين الشفافية والتحفظ.. كيف تدير دول الخليج رواياتها الاقتصادية؟

منذ بدء المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير 2026، تواجه اقتصادات دول الخليج ضغوطا متزايدة بفعل اضطراب أسواق الطاقة والشحن الإقليمي.

وزادت هذه الضغوط بفعل التعطّل شبه التام لحركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.

ورغم تشابه التحديات الجيوسياسية التي تواجهها دول الخليج، فإن مستويات الإفصاح عن التداعيات الاقتصادية بدت متفاوتة بصورة واضحة، خصوصا في ما يتعلق بالعجز المالي، وتباطؤ النمو، وتأثير الحرب على الإيرادات النفطية وحركة التجارة.

في السعودية، أظهرت بيانات وزارة المالية تسجيل عجز في الميزانية بلغ 125.7 مليار ريال (33.5 مليار دولار) خلال الربع الأول من 2026، وهو ما يقترب من تقديرات العجز السنوي البالغة نحو 44 مليار دولار، في ظل ارتفاع الإنفاق الحكومي لدعم الاقتصاد واحتواء آثار التوترات الإقليمية على الأسواق وسلاسل الإمداد.

كما أظهرت البيانات الرسمية تراجع الإيرادات النفطية السعودية بنحو 3% على أساس سنوي، رغم ارتفاع أسعار النفط العالمية، في مؤشر على أن تداعيات الأزمة تجاوزت مسألة الأسعار إلى اضطرابات مرتبطة بالشحن والتأمين وقدرة المنتجين الخليجيين على إيصال الإمدادات إلى الأسواق العالمية.

في قطر جاءت المؤشرات أكثر حدة؛ فقد سجل الميزان التجاري القطري عجزا بنحو 4.39 مليار ريال خلال مارس 2026، في أول قراءة سلبية شهرية منذ سنوات، وذلك وفق بياينات لـ”بلومبيرغ” صدرت في أبريل الماضي. كذلك، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو القطري بصورة حادة بلغت 14.7 نقطة مئوية، متوقعا انكماش الاقتصاد بنسبة 8.6% خلال العام الجاري.

وتعرضت قطر لضربة مباشرة بعد استهداف منشأة راس لفان العملاقة للغاز الطبيعي المسال، التي تمثل أحد الأعمدة الرئيسة للاقتصاد القطري، وأفادت السلطات بأن الهجمات الإيرانية ألحقت أضرارا بنحو 17% من الطاقة الإنتاجية للمنشأة، مع توقعات بأن تستغرق أعمال الإصلاح بين ثلاث وخمس سنوات.

بدورها، أعلنت الكويت مشروع موازنة العام المالي 2026-2027 بعجز متوقع يبلغ 9.8 مليار دينار كويتي (32.1 مليار دولار)، مع تراجع الإيرادات الإجمالية بنسبة 10.5%.

وأظهرت بيانات وزارة المالية الكويتية أن الإيرادات النفطية، التي تمثل نحو 79% من إجمالي الدخل الحكومي، ستنخفض إلى 12.8 مليار دينار مقارنة بـ15.3 مليار دينار في العام المالي السابق، في انعكاس مباشر لتقلبات الأسواق النفطية وتداعيات الحرب على الصادرات والطاقة.

لكن الصورة بدت مختلفة في الإمارات والبحرين، اللتين لم تعلنا عن تسجيل عجز مالي خلال الربع الأول، رغم أن صندوق النقد الدولي خفض توقعاته للنمو فيهما. وتوقع الصندوق انكماش اقتصاد البحرين بنسبة 0.5% خلال 2026، وخفض توقعات نمو الاقتصاد الإماراتي إلى 3.1%، وفق تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” الصادر عن صندوق النقد الدولي، الثلاثاء.

ورغم ذلك، سجلت مجموعة الإمارات أرباحا قبل الضريبة بلغت 24.4 مليار درهم خلال السنة المالية 2025-2026، بزيادة 7% مقارنة بالعام السابق. كما أعلنت أدنوك للإمداد والخدمات تحقيق أرباح قبل الفوائد والضرائب بقيمة 1.35 مليار درهم خلال الربع الأول من العام، مع ارتفاع هامش الأرباح إلى 34%..

ويعكس هذا التباين اختلاف مقاربات الحكومات الخليجية في عرض البيانات الاقتصادية خلال فترات الاضطراب الجيوسياسي، ففي حين ركزت بعض الدول على الإعلان عن العجز والتباطؤ الاقتصادي بصورة مباشرة، فضلت دول أخرى إبراز مؤشرات الربحية والنمو في قطاعات معينة، مثل الخدمات والنقل والطاقة، وذلك وسط منافسة إقليمية متزايدة على جذب الاستثمارات الأجنبية والحفاظ على صورة الاستقرار المالي.

ويرى الاقتصادي العماني الدكتور علي الحامدي أن إعلان بعض الدول الخليجية عن خسائرها المالية لا يتعارض بالضرورة مع محاولاتها جذب الاستثمار الأجنبي، بل قد يعكس مستوى أعلى من الشفافية المالية.

ويوضح الحامدي لـ”الحرة” أن دولاً خليجية اختارت ضخ إنفاق رأسمالي واسع ضمن مشاريع تحوّل اقتصادي طويلة المدى، ما يولد عجوزات مؤقتة، مقابل اقتصادات أخرى وصلت إلى مرحلة أكثر نضجا من التنويع الاقتصادي وبدأت تجني عوائد مستقرة من قطاعات غير نفطية.

وبحسب الحامدي، فإن السعودية وقطر تنفذان برامج توسع رأسمالي واسعة تشمل البنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية، ما يعني أن جزءا كبيرا من السيولة يجري تحويله إلى أصول ومشاريع إنتاجية طويلة الأجل،  في المقابل تعتمد الإمارات وخاصة دبي، على نموذج اقتصادي قائم على الخدمات والتجارة والسياحة، وهو ما سمح لقطاعها الخاص بتحقيق نمو أكثر استقلالا عن تقلبات النفط.

وتتبع السعودية سياسة مالية توسعية تعتمد على ضخ استثمارات كبيرة في قطاعات السياحة والترفيه والصناعة والخدمات اللوجستية ضمن رؤية 2030.

ويشير المستشار الاقتصادي وأستاذ المحاسبة والتمويل الدكتور عواد النصافي إلى أن “هذا الإنفاق يولد ضغوطا على الميزانية عندما تنخفض الإيرادات النفطية عن مستويات التوازن المالي، لكنه في الوقت نفسه يؤسس لاقتصاد أكثر تنوعا على المدى الطويل.

ويضيف النصافي، في حديث لموقع “الحرة”، إن الإمارات تختلف هيكليا عن بقية الاقتصادات الخليجية بسبب اتساع مساهمة القطاعات غير النفطية في اقتصادها، خصوصا السياحة والخدمات المالية والتجارة والعقارات والاقتصاد الرقمي، ما يجعلها أقل حساسية لتقلبات أسعار النفط وأكثر قدرة على تحقيق فوائض مالية مستدام.

من جانبه، يرى الاقتصادي السعودي جمال بنون أن التباين الاقتصادي بين دول الخليج لا يمثل تناقضا بقدر ما يعكس اختلاف مراحل التحول الاقتصادي بين هذه الدول، مشيراً إلى أن “قطر، رغم تسجيلها عجزا يقدر بنحو 21.8 مليار ريال أو ما يعادل 1% من الناتج المحلي، ما تزال تمتلك احتياطيات قوية وصندوق ثروة سيادي تتجاوز أصوله 500 مليار دولار، بينما تعاني الكويت من تحديات تشريعية مرتبطة بتأخر إقرار قانون الدين العام، الأمر الذي ساهم في تراكم العجز المالي”.

وتشكل الشفافية عاملاً مهماً في جذب الاستثمارات الأجنبية لأي دولة. ويرى خبراء اقتصاديون أن طريقة عرض الحكومات الخليجية لبياناتها المالية خلال الأزمات باتت عاملا مؤثرا في تقييم المستثمرين للأسواق الإقليمية، خصوصا في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة.

وفي هذا السياق، يقول بنون إن “المستثمرين العالميين يفضلون الاقتصادات التي تعلن بياناتها المالية بوضوح حتى في حالات العجز، طالما أن هذا العجز قابل للإدارة ومدعوم باحتياطيات وأصول سيادية قوية”.

ولطالما قامت دول الخليح بالتنسيق فيما بينها بشأن إدارة عدد كبير من الملفات السياسية والاقتصادية.

لكن بعض المحللين يرون أن التباينات التي ظهرت بين اقتصادات الخليج خلال الأزمة الحالية لا تعكس فقط اختلاف حجم التأثر بالحرب، بل تكشف أيضا عن تحولات أعمق في طريقة إدارة السياسات الاقتصادية والمالية داخل المنطقة.

وفي هذا الإطار، يعتبر الحامدي أن المنطقة تشهد ما يصفه بـ”الفردية الاقتصادية الجريئة”، وأن كل دولة باتت تدير أولوياتها الاقتصادية وفق مسار مختلف.

أما النصافي، فيرى أن طريقة عرض البيانات الاقتصادية ومستوى الإفصاح المالي أصبحت جزءا من أدوات المنافسة على الثقة والاستثمار، مشيرا إلى أن بعض الدول تفضل إعلان العجز والضغوط بصورة تفصيلية لبناء صورة قائمة على الحوكمة والمصداقية، بينما تركز دول أخرى على قصص النمو والفوائض والاستقرار لتعزيز جاذبيتها الاستثمارية.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading