من الوقود إلى الرفوف.. معركة البقاء اليومية في لبنان

عند المساء، تبدو بيروت كأنها تحاول التمسك بإيقاعها المعتاد رغم تصاعد القلق. حركة السير ما زالت حاضرة في الشوارع، ولو بزخم أقل مما كانت عليه في السابق، فيما المقاهي والمطاعم تفتح أبوابها. لكن خلف هذا المشهد، تتغير حياة اللبنانيين تدريجياً تحت ضغط حرب تتمدد يوماً بعد يوم.

داخل المنازل، تُعاد حسابات المصروف أكثر من مرة قبل نهاية الشهر، فيما تتحوّل بعض الحاجيات في السوبرماركت إلى مشتريات مؤجلة، ويصبح السؤال عن السعر جزءاً أساسياً من قرار الشراء.

فالحرب بين حزب الله وإسرائيل لا تنعكس فقط في الغارات والموت والدمار، بل أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية: خزان وقود لا يمتلئ بالكامل، دواء يُؤجَّل شراؤه، ومتجر تبقى أبوابه مفتوحة لساعات طويلة مقابل حركة بيع تتراجع باستمرار.

ومع استمرار الحرب، يواجه لبنان ضغوطاً اقتصادية متصاعدة تثقل كاهل العائلات والقطاعات التجارية والخدماتية، في بلد لم يستعد توازنه بعد منذ الانهيار المالي والأزمات المتلاحقة التي يعيشها منذ سنوات.

اقتصاد يتباطأ… وحياة تنكمش

داخل سوبرماركت في أحد أحياء بيروت، كانت ريان تتنقّل بين الرفوف بهدوء، تحمل هاتفها بيد وآلة حاسبة مفتوحة على شاشته باليد الأخرى. تضيف الأسعار، ثم تعيد بعض الحاجيات إلى أماكنها واحدة تلو الأخرى.

منذ نزوحها مع زوجها وأطفالها الثلاثة، تبدلت حياتها بالكامل، خصوصاً بعدما توقف زوجها عن العمل في كاراج لميكانيك السيارات بسبب الحرب.

توقفت أمام رف الحليب لثوانٍ، تأملت الأسعار، ثم أعادت عبوتين واكتفت بواحدة فقط. وعند صندوق الدفع، سحبَت ابنها الصغير برفق بعدما أشار إلى قطعة شوكولا. “ليس اليوم”، قالت له بصوت خافت.

وعندما سُئلت عن العيد هذا العام، أجابت “لم أشترِ لأولادي ملابس جديدة، ولا حتى حلويات العيد. لم تعد هناك فرحة كما قبل… بالكاد نستطيع تأمين الأساسيات”.

وفي بيروت كذلك، جلس أبو حسن داخل سيارته الأجرة القديمة أمام محطة وقود، يطفئ المحرك بين حين وآخر توفيراً للبنزين.

مسح الرجل الستيني العرق عن جبينه قبل أن يقول “لم يعد ينقصنا سوى إغلاق مضيق هرمز حتى تشتعل الأسعار أكثر. كنت أملأ السيارة بعشرين دولاراً تكفيني يوم عمل كامل، أما اليوم فلم تعد تكفي شيئاً”.

ويشير سائق التاكسي إلى أن الحرب انعكست مباشرة على حياته اليومية، مع ارتفاع كلفة الوقود وتراجع حركة الركاب وتزايد القلق من أي تصعيد أمني.

ويضيف “لدي أولاد وأقساط وديون وإيجار منزل. كل شيء أصبح أغلى، بينما العمل يتراجع”.

ومن جهته، يرى الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق خالد أبو شقرا، في حديث لموقع الحرة”، أن لبنان يعيش “حالة استنزاف اقتصادي متواصلة نتيجة تراكم الأزمات منذ سنوات”، مشيراً إلى أن الحرب وارتفاع كلفة النقل أثّرا بشكل مباشر على قطاعات الإنتاج والتصدير والسياحة والخدمات، ما انعكس على الحركة الاقتصادية والاستهلاك اليومي.

وبحسب أبو شقرا، انخفض استهلاك البنزين بين 20 و35 في المئة، من نحو 400 ألف صفيحة يومياً إلى حوالي 300 ألف، فيما تراجع استهلاك المازوت بنحو 20 في المئة، في مؤشرات تعكس تباطؤ النشاط الاقتصادي.

ويصف ما يعيشه اللبنانيون بأنه “تأقلم سلبي”، حيث تخفّض العائلات إنفاقها تدريجياً على التعليم والصحة وحتى نوعية الغذاء كي تتمكن من الاستمرار.

“الناس باتت تشتري بالحبة”

في الطابق الأول من مبنى قديم في خلدة، جلست سناء قرب مروحة صغيرة متوقفة عن العمل. كانت الكهرباء مقطوعة منذ ساعات.

مدّت المرأة الخمسينية يدها نحو كيس مليء بالأدوية، وبدأت ترتّب العلب واحدة تلو الأخرى.”هذا لزوجي… وهذا دواء الضغط”، تقول بهدوء، قبل أن ترفع شريط دواء شبه فارغ وتضيف “أما هذا فسأؤجل شراءه إلى آخر الشهر”.

وتتابع بابتسامة مرهقة “لم نعد نصرف على بيت واحد فقط. هناك نازحون يعيشون معنا من دون عمل، وكل شيء أصبح يُحسب بدقة”.

أسفل المبنى، كان بائع خضار شاب يعيد ترتيب بضاعته، قبل أن يقول “الناس باتت تشتري بالحبة لا بالكيلو”.

ويقول رئيس جمعية حماية المستهلك، زهير برو، إن الحروب الدائرة في المنطقة تنعكس مباشرة على أسعار المواد الأولية والنقل والمحروقات، “ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية”.

ويعتبر برو، في حديث لموقع “الحرة”، أن الأزمات تتحول في لبنان إلى فرصة لزيادة هوامش الربح لدى بعض التجار.

ويضيف إن “كثيراً من اللبنانيين باتوا يستهلكون مدخراتهم لتغطية نفقات الحياة اليومية”، محذراً من أن استمرار الضغوط الاقتصادية والنزوح الداخلي وارتفاع الكثافة السكانية في بعض المدن يزيد العبء على العائلات والبنية المعيشية الهشة أساساً.

وفي السياق، ذكر برنامج الأغذية العالمي أن أحدث تحليل للأمن الغذائي في لبنان يتوقع أن يؤدي التصعيد الأخير في البلاد إلى مواجهة نحو 1.24 مليون شخص، أي ما يقارب ربع السكان انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وذلك خلال الفترة الممتدة من أبريل وحتى أغسطس المقبل.

مطاعم مضاءة… وطاولات فارغة

في شارع مار مخايل في بيروت، كانت الأضواء تتسلّل من داخل المطاعم والمقاهي، فيما ظلت الطاولات والكراسي في معظم الأماكن خالية.

داخل أحد المقاهي، وقفت نادلة شابة ترتّب الكراسي ببطء، كأنها تؤخر لحظة إقفال المكان. تقول “قبل الحرب كنا نستقبل حجوزات قبل أيام، أما اليوم فننتظر أي زبون يدخل”.

ويقول نائب رئيس “نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري” خالد نزهة لـ”الحرة” إن القطاع السياحي يعيش واحدة من أصعب مراحله، في ظل الحرب والأزمات الاقتصادية المتراكمة منذ عام 2019.

ويلفت نزهة إلى أن “تردد المغتربين والسياح في زيارة لبنان بسبب المخاوف الأمنية انعكس مباشرة على الحركة السياحية، فيما يحاول أصحاب المطاعم الصمود رغم غياب القروض وارتفاع كلفة التشغيل”.

ويكشف أن التراجع في القطاع “وصل إلى ما بين 80 و85 في المئة، مع خسائر يومية تقدّر بين 18 و20 مليون دولار، فيما تصل خسائر الاقتصاد اللبناني إلى نحو 80 مليون دولار يومياً”.

ويضيف “مطاعم كثيرة خفّضت أيام عمل موظفيها بدل صرفهم، في محاولة للحفاظ على العاملين لديها”.

ويحذر من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى “مزيد من الإقفالات وخسارة الوظائف، خصوصاً أن الاقتصاد اللبناني يعتمد بشكل كبير على السياحة وتحويلات المغتربين، معرباً عن أمله بتوقف الحرب وعودة السياح العرب إلى لبنان.

“موت اقتصادي بطيء”

في الشويفات، بمحافظة جبل لبنان، جلس رجل مسن على كرسي بلاستيكي أمام متجر صغير لبيع الأدوات المنزلية.

يقول الرجل “أصبحنا نفتح المحلّ ونغلقه من دون أن نبيع شيئاً”، مضيفاً إن اللبنانيين باتوا يركّزون فقط على تأمين احتياجاتهم الأساسية، فيما تراجعت الحركة التجارية بشكل حاد.

ويحذر الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة من أن لبنان يواجه “موتاً اقتصادياً بطيئاً”، معتبراً أن “الاستنزاف الاقتصادي أخطر من العسكري لأنه يحصل تدريجياً عبر خسارة الوظائف والشركات واستنزاف العملات الأجنبية”.

ويلفت عجاقة في حديث لموقع “الحرة” إلى أن تقديرات دولية ولبنانية تشير إلى أن “الخسائر المباشرة للحرب تجاوزت 7 مليارات دولار، إضافة إلى أكثر من 5 مليارات دولار خسائر غير مباشرة طالت قطاعات الخدمات والسياحة والتجارة، مع توقع انكماش الاقتصاد بأكثر من 12 في المئة بحلول نهاية عام 2026”.

كما يحذر من “خسائر زراعية وبيئية طويلة الأمد بسبب استخدام الفوسفور الأبيض ووجود مخلفات حربية”، مشيراً إلى أن إعادة التأهيل قد تتطلب وفق تقارير دولية أكثر من مليار دولار إضافي.

وكان وزير المال ياسين جابر، حذّر من أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي قد يتكبّدها لبنان نتيجة الحرب قد تصل إلى نحو 20 مليار دولار.

ويؤكد عجاقة أن لبنان “غير قادر على تحمّل حرب استنزاف طويلة”، محذراً من ركود تضخمي عميق يهدد ما تبقى من القدرة الشرائية والقطاعات الإنتاجية.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading