لم يجد علي المحمد منزله مهدما عندما عاد إليه بعد سقوط نظام بشار الأسد. كانت الصدمة من نوع آخر؛ عائلة لا يعرفها تعيش فيه وتؤكد أنها اشترته ودفعت ثمنه.
كان المحمد يعمل في الشرطة المدنية بدمشق، قبل أن ينشق عن النظام عام 2013 ويعود إلى ريف إدلب، مسقط رأسه. وقبل خروجه من العاصمة، كان قد اشترى قطعة أرض في منطقة السيدة زينب بريف دمشق وبنى عليها منزلا من طابقين، وضع فيه، كما يقول، حصيلة سنوات من العمل.
طوال سنوات الحرب، لم يتمكن من العودة إلى المنزل أو تكليف أحد من أقاربه بمتابعته. وبعد سقوط النظام السابق، كان العقار من أول الأماكن التي قصدها.
يروي المحمد لـ “الحرة” تفاصيل عودته إلى منزله ويقول: عندما وصلت سألت العائلة: من أنتم؟ فقالوا نحن أصحاب البيت. قلت لهم كيف يكون بيتكم وهو بيتي؟ فأجابوا بأنهم اشتروه ودفعوا ثمنه.
العائلة، التي تتحدر من بلدة الزهراء بريف حلب، قالت إنها اشترت المنزل من شخص أكد بدوره أنه حصل عليه عن طريق مكتب عقاري في المنطقة. لكن محاولة الوصول إلى صاحب المكتب قادت، بحسب رواية المحمد، إلى طريق مسدود، بعدما تبين أنه كان على صلة بالنظام السابق وغادر سوريا بعد سقوطه.
تمكن المحمد لاحقا من استعادة المنزل بصفته المالك الأصلي، لكن النهاية لم تمنحه شعورا كاملا بالانتصار. فالعائلة الأخرى كانت قد دفعت مدخراتها لشراء منزل، ثم اكتشفت أنها وقعت ضحية عملية بيع غير قانونية.
يقول المحمد: “ليس في القصة رابح حقيقي. أنا خسرت منزلي لسنوات، وهم خسروا المنزل والمال. كلنا كنا ضحايا للفوضى التي عاشتها البلد خلال الحرب”.
1.32 مليون مسكن متضرر
قصة المحمد تختصر جانبا من أزمة سورية أكبر، لا تقتصر على منزل بيع مرتين، بل تشمل عقارات مدمرة وسجلات متضررة وعمليات نقل ملكية جرت في ظل النزوح والاعتقال والتهديد وسيطرة جهات عسكرية مختلفة.
ووفق تحليل حديث للأمم المتحدة، تضرر أو دُمر نحو 31 في المئة من المخزون السكني في سوريا، بما يعادل قرابة 1.32 مليون وحدة. ويشير التحليل إلى أن نزاعات الإرث، وعدم وضوح الحدود العقارية، وفقدان الوثائق، لا تزال تعرقل العودة الآمنة، وأن استعادة حقوق السكن والأرض والملكية تعد شرطا للتعافي الاقتصادي والسلم الأهلي والاستثمار.
كما تظهر بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن ربع اللاجئين العائدين، و15 في المئة من النازحين العائدين، يفتقدون وثائق مدنية. وأفاد نحو نصف اللاجئين السوريين بأنهم يملكون أرضا أو عقارا، لكن واحدا فقط من كل عشرة تقريبا اعتبر أن منزله لا يزال صالحا للسكن.
180 ألف صحيفة عقارية متضررة
الضرر لم يقتصر على المنازل، بل وصل إلى الوثائق التي تثبت ملكيتها.
ويكشف المدير العام للمصالح العقارية، عبد الكريم إدريس، في تصريحات لـ “الحرة”، أن وثائق نحو 180 ألف عقار تعرضت للضرر خلال سنوات الحرب، موزعة بصورة أساسية بين ريف دمشق وحمص وحلب ودير الزور.
وتأتي دير الزور في المرتبة الأولى، إذ تضررت فيها، بحسب إدريس، نحو 120 ألف صحيفة عقارية، فضلا عن وثائق فنية ومساحية ومحاضر للقضاء العقاري لم تنته عملية إحصائها بعد.
ويقول إدريس إن مباني وتجهيزات المصالح العقارية تعرضت للضرر نتيجة القصف، بينما لم تُبذل، خلال حكم النظام السابق، جهود كافية لحماية الوثائق، مضيفا أن مبادرات فردية قام بها موظفون أنقذت كميات كبيرة منها.
وبعد سقوط النظام، بدأت عمليات مكثفة لإعادة تكوين الوثائق، وتم حتى الآن، وفق إدريس، الانتهاء من إعادة تكوين نحو 15 ألف وثيقة عقارية في زملكا بريف دمشق.
لكن فقدان المالك للوثيقة الموجودة بحوزته لا يعني، بالضرورة، فقدان الملكية. ويوضح إدريس أن نظام التسجيل السوري يعتمد على قيود السجل العقاري والوثائق القانونية والهندسية المحفوظة لدى الدوائر الرسمية، إضافة إلى نحو 13 سجلا مكملا للصحيفة العقارية.
وبالتالي يستطيع الشخص الذي فقد سندا صادرا عن المصالح العقارية الحصول على بدل ضائع أو تالف، ما دامت أصول الوثائق محفوظة رسميا. أما المشكلة الأصعب فتظهر عندما تتضرر النسخة التي يحملها المواطن والقيود الرسمية معا، ما يفرض إعادة تكوين الصحيفة اعتمادا على ما يتوافر من وثائق وأدلة.
بيوع عرفية وعمليات مشبوهة
خلال الحرب، أُغلقت دوائر عقارية في مناطق عدة، بينما منعت الإجراءات الأمنية والملاحقات كثيرا من المالكين من الوصول إلى المؤسسات الحكومية. ودفع ذلك سوريين إلى توثيق عمليات البيع بعقود عرفية أو محلية، أحيانا بحضور شهود وأحيانا من دونهم.
ويقول إدريس إن المشترين في هذه الحالات لا يملكون طريقا لتسجيل حقوقهم سوى اللجوء إلى القضاء، لأن تعديل الحقوق العينية يتم إما بحضور الأطراف وموافقتهم، أو بموجب حكم قضائي مبرم.
ويؤكد أن “عددا كبيرا” من عمليات البيع التي جرت خلال سنوات الحرب يخضع حاليا للتدقيق بالتعاون مع الجهات الرقابية، خصوصا في المناطق التي شهدت نزوحا واسعا بعد اجتياحها من قوات النظام السابق.
لكنه لم يقدم رقما محددا للمعاملات التي يجري تدقيقها، أو لعدد العمليات التي ثبت فيها التزوير أو أُحيلت إلى القضاء.
وعند اكتشاف عملية تزوير، يستطيع أمين السجل العقاري، وفق إدريس، اتخاذ إجراءات تحفظية على العقار إلى حين صدور قرار قضائي نهائي.
القانون رقم 10.. تنظيم أم انتزاع للملكية؟
إلى جانب التزوير والبيوع القسرية، يبرز القانون رقم 10، الذي أصدره النظام السابق في أبريل 2018، بوصفه أحد أكثر التشريعات العقارية إثارة للجدل.
يسمح القانون بإنشاء مناطق تنظيمية لإعادة التطوير بمرسوم، وتحويل ملكيات أصحاب العقارات داخل المنطقة إلى حصص أو أسهم في المشروع الجديد، بدلا من احتفاظ كل شخص بالمنزل أو الأرض نفسيهما.
وكانت الصيغة الأولى تمنح مهلة 30 يوما ليقدم مالك العقار ما يثبت الملكية، وإلا تعرض لخسارة حقه في التعويض. وفي نوفمبر 2018، أصدر الأسد القانون رقم 42 الذي رفع المهلة إلى سنة، وسمح بالطعن أمام المحاكم العادية، وأعفى أصحاب الملكيات المسجلة أصولاً من إعادة إثبات حقوقهم.
لكن منتقدي القانون رأوا أن تطبيقه في بلد يضم ملايين النازحين واللاجئين، وبعضهم فقد وثائقه أو كان ملاحقا أمنيا، قد يحرم الغائبين من حقوقهم ويتيح تحويل مناطقهم إلى مشاريع يستفيد منها مستثمرون وشركات مقربة من السلطة.
أما النظام السابق فقدم القانون باعتباره أداة للتخطيط العمراني وإعادة إعمار المناطق المتضررة.
واليوم، لا تقدم الحكومة الجديدة جوابا نهائيا حول إلغاء القانون أو الإبقاء عليه.
ويقول الدكتور سمير جلول، المفتش القضائي في الإدارة المركزية بوزارة العدل السورية، لـ “الحرة”، إن تطبيق القانون والتطورات التي شهدتها البلاد “يفرضان تقييما مستمرا”، وإن الحكومة تدرس النص بالتنسيق مع الجهات التشريعية واللجان المختصة.
وبحسب جلول، قد تؤدي المراجعة إلى تعديل القانون أو إضافة ملاحق تنفيذية، خصوصا فيما يتعلق بمدد الاعتراض ووسائل إثبات الملكية، مع ضمان عدم حرمان أي شخص من ملكيته من دون بديل منصف أو تعويض عادل.
إلا أن المسؤول لم يحدد موعدا لإنجاز المراجعة أو ما إذا كانت ستنتهي بتعديل القانون أم باستبداله أو الاكتفاء بتغيير تعليماته التنفيذية.
من استفاد من المشاريع؟
يقول الخبير الاقتصادي شكري يوسف إن شركات التطوير والاستثمار مرشحة لأن تكون من أبرز المستفيدين اقتصاديا من القانون رقم 10، خصوصا مع انطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وإن أصحاب العقارات قد يستفيدون أيضا إذا ضُمنت حصصهم وقُيّمت ملكياتهم بصورة عادلة.
لكنه يرى أن تطبيق القانون يحتاج إلى التريث وإعادة النظر، من دون أن يعني ذلك تأجيل إعادة الإعمار، مؤكدا ضرورة إعادة حقوق السكان أو تعويضهم أو منحهم ممتلكات بديلة.
ولا ينص القانون رقم 10 على منح العقارات لإيران أو حزب الله. لكن مخاوف واسعة ظهرت خلال حكم الأسد من استفادة رجال أعمال مرتبطين بالنظام أو حلفائه الأجانب من الأراضي والمشاريع الجديدة.
وفي عام 2020، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن مشاريع عقارية، بينها “ماروتا سيتي”، أتاحت لمستثمرين مقربين من النظام الاستفادة من أراضٍ انتُزعت من سكان نازحين. ويخضع ماروتا للمرسوم 66، الذي سبق القانون رقم 10 وشكل نموذجا للمناطق التنظيمية اللاحقة.
كما تحدث معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط عن عمليات استيلاء وبيوع جرت تحت الضغط، واستفاد منها، وفق التقرير، أفراد مرتبطون بميليشيات إيرانية وحزب الله.
لكن هذه التقارير لا تشكل سجلا شاملا يثبت أن عقارات القانون رقم 10 انتقلت مباشرة إلى إيران أو حزب الله. ويتطلب حسم ذلك نشر قرارات المناطق التنظيمية وسلاسل انتقال الملكية، وأسماء الشركات والمساهمين والمستفيدين الحقيقيين منها.
المشتري حسنُ النية؟
تظهر قصة المحمد معضلة أخرى: ماذا يحدث عندما يكون صاحب العقار الأصلي ضحية استيلاء، بينما يكون الشخص الذي اشتراه لاحقا قد دفع ثمنه من دون معرفة ما جرى؟
يقول جلول إن عمليات نقل الملكية خلال الحرب ستُعالج عبر مسارين؛ الأول إداري وفني لتدقيق السجلات والأحكام، والثاني قضائي يتيح للمتضررين إقامة دعاوى لإبطال التصرفات أو السندات غير القانونية.
ويضيف أن الإكراه والتهديد والاستغلال تفسد الرضا في العقود، استنادا إلى المادة 128 من القانون المدني، وأن ثبوت الإكراه أو التزوير يسمح بإبطال التصرف وإزالة آثاره القانونية.
وبالنسبة إلى العقارات التي استولت عليها جهات مسلحة أو أجنبية ثم سجلتها بأسماء مدنيين، يقول جلول إن القضاء سيتتبع سلسلة القيود، وإن التصرفات المبنية على استيلاء غير مشروع يمكن إبطالها وإعادة الملكية إلى صاحبها، بينما يرجع المشتري حسن النية بالتعويض على من باعه ما لا يملك.
لكن الوضع القانوني قد يصبح أكثر تعقيدا عندما يكون المشتري قد اعتمد على قيد صحيح في السجل العقاري. فالمادة 13 من قانون السجل العقاري تمنح حماية واسعة لمن يكتسب حقا بحسن نية اعتمادا على القيود الرسمية، وقد اعتبرت اجتهادات قضائية سابقة أن المشتري حسن النية قد يحتفظ بالعقار، فيما يطالب المالك المتضرر الشخص الذي ارتكب التزوير بالتعويض.
ويعني ذلك أن الحل لن يكون واحدا في جميع الحالات؛ إذ سيعتمد على طريقة انتقال الملكية، وما إذا تم التسجيل رسميا، ومعرفة المشتري بأصل العقار، وقدرة القضاء على إثبات الإكراه أو الغش.
كما يطرح سؤالا لم يُحسم بعد: من يعوض المشتري حسن النية إذا كان البائع قد هرب، كما حدث في رواية المحمد، أو كان عاجزا عن دفع التعويض؟
إعادة العقار أم التعويض؟
يقدر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، منها 75 مليار دولار لإعادة بناء المساكن، بينما تقترب الكلفة الإجمالية من عشرة أضعاف الناتج المحلي السوري المقدر لعام 2024.
ويرى يوسف أن إعادة العقار إلى صاحبه الأصلي، عندما تكون ممكنة، أفضل اقتصاديا من التعويض المالي، لأن التعويض، وفق تعبيره، يمثل “خسارة مرتين”: خسارة العقار ثم تحميل الخزينة العامة كلفة مالية إضافية.
وفي الحالات التي تتعذر فيها إعادة العقار، يقترح يوسف تعويض المتضرر أو منحه ملكية بديلة، مع إقراره بأن تنفيذ ذلك سيكون معقدا في ظل ضعف موارد الدولة واتساع حجم الضرر.
ويحذر من أن استمرار النزاعات ومنع أصحاب الحقوق من العودة يعكسان غياب الاستقرار، ويعرقلان الوصول إلى تعافٍ اقتصادي مستدام.
فالمصرف لن يكون قادرا على تمويل عقار مشكوك في ملكيته، والمستثمر لن يغامر في مشروع يمكن أن يُطعن في ملكية أرضه بعد سنوات، كما أن اللاجئ لن يعود إذا لم يكن واثقا من قدرته على دخول منزله واستعادة حقه.
متى تصبح الملكية محمية؟
يرى جلول أن الوصول إلى الأمان العقاري يحتاج إلى ثلاثة مسارات متوازية: رقمنة الصحائف العقارية لحمايتها من التزوير، وإعادة توثيق الملكيات في المناطق التي تضررت سجلاتها، وتسريع الفصل في النزاعات عبر قضاء عقاري متخصص.
لكن الأرقام والمواعيد ما تزال غائبة. فلا توجد حتى الآن حصيلة معلنة لجميع عمليات نقل الملكية التي يجري تدقيقها، ولا قائمة شاملة بالمناطق والعقارات التي تأثرت بالقانون رقم 10، ولا موعد محدد لإنهاء مراجعة القانون أو إعادة تكوين السجلات المتضررة.
وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن كل حالة ستُدرس بصورة منفردة، يثير اتساع الملف تساؤلات حول قدرة المحاكم العادية على معالجة عشرات الآلاف من الدعاوى، والحاجة إلى هيئة وطنية مستقلة وصندوق للتعويض، بما يحمي المالك الأصلي والمشتري حسن النية ويمنع طرد عائلات جديدة إلى الشارع.
بالنسبة إلى المحمد، انتهت المعركة باستعادة منزله، لكنها لم تنته بتحقيق العدالة لجميع الأطراف.
فخلف كل باب متنازع عليه قد يوجد مالك فقد منزله، وعائلة دفعت ثمنه، ووسيط اختفى بالأموال. ولهذا، كما يقول المحمد، “لا يوجد رابح حقيقي” حتى الآن.