هل دخلت الكويت بنك الأهداف الإيراني؟

يتفقد مسؤولون كويتيون الأضرار داخل إحدى صالات مطار الكويت الدولي، عقب هجوم بطائرات مسيرة وصواريخ، في مدينة الكويت، 3 يونيو 2026. وكالة الأنباء الكويتية/نشرة عبر رويترز

للمرة الثالثة في أقل من أسبوع، وجدت الكويت نفسها ضاجة بإنذارات جوية مرتبطة بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية، في تطور بدد جزءا من أجواء التهدئة التي أعقبت المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

وعلقت الكويت، الأربعاء، حركة الطيران في مطارها الدولي بعد هجوم قالت هي والولايات المتحدة إنه نُفذ بطائرات مسيرة إيرانية، وأصاب منشآت مدنية وحيوية، بينها مبان دبلوماسية، وأسفر عن مقتل شخص وإصابة أكثر من 60 آخرين.

وقالت السلطات الكويتية إن الرحلات عادت لاحقا إلى مطار الكويت الدولي بعد تطبيق إجراءات السلامة، لكن الهجوم فتح أزمة سياسية ودبلوماسية مع طهران. فقد نفت إيران استهداف المطار، وقالت إن الأضرار نجمت عن صاروخ دفاعي أميركي أخفق في اعتراض أهدافه. في المقابل، رفضت القيادة المركزية الأميركية هذه الرواية، مؤكدة أن المطار تعرض لهجوم مباشر بطائرات مسيرة إيرانية.

وردت الكويت باستدعاء القائم بالأعمال الإيراني، وأمهلت اثنين من أعضاء البعثة الدبلوماسية الإيرانية لمغادرة البلاد. كما أكدت أن أراضيها وأجواءها لم تُستخدم في أي أعمال عدائية ضد دول أخرى، واعتبرت أن الاتهامات الإيرانية لا تستند إلى أدلة ولا تبرر استهداف منشآت مدنية.

وكشف الجيش الكويتي أن دفاعاته تعاملت خلال الفترة الأخيرة مع 13 صاروخا باليستيا و17 طائرة مسيرة، فيما دوت صفارات الإنذار خمس مرات في يوم واحد. وتحدثت القيادة الأميركية أيضا عن صاروخين أُطلقا باتجاه الكويت قبل أن يسقطا أو يتفككا في الجو.

جاءت هذه التطورات بعد هدنة يفترض أنها خففت حدة المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. لكن تكرار الهجمات على الكويت أعاد طرح سؤال عن موقعها في خريطة التصعيد، خصوصا بعد إدانات خليجية وعربية اعتبرت أن ما يجري يهدد الاستقرار الإقليمي ويضعف فرص تثبيت التهدئة.

وتجد الكويت نفسها في موقع معقد. فهي قريبة جغرافيا من إيران، وتستضيف ترتيبات دفاعية مع الولايات المتحدة، لكنها تؤكد أن أراضيها ليست منصة لأي عمل عسكري ضد دول أخرى. ومع ذلك، أصبحت خلال أيام قليلة هدفا متكررا لهجمات تقول طهران إنها لم تكن موجهة إليها، بينما تحملها الكويت وواشنطن مسؤوليتها.

يرى وزير الإعلام الكويتي الأسبق، سامي النصف، أن الهجمات الأخيرة لا يمكن فصلها عن سجل طويل من الاتهامات الموجهة لإيران بالتدخل في شؤون دول عربية. ويصف ما جرى بأنه “سقوط جديد للأقنعة”، قائلا إن طهران استخدمت خلال السنوات الماضية أدوات مختلفة لبسط نفوذها، من دعم جماعات مسلحة إلى استغلال الأزمات الداخلية في دول أخرى.

ويعتقد النصف أن دول الخليج أكثر تماسكا مؤسسيا، وأصعب اختراقا بالوكلاء، ما قد يدفع إيران، برأيه، إلى استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة لإيصال رسائل سياسية وأمنية مباشرة.

ولا يرى النصف أن الروايات الإيرانية بعد كل هجوم ما زالت تقنع كثيرا من المراقبين، خصوصا مع تكرار نفي المسؤولية أو تحميل أطراف أخرى ما يحدث. ويقول إن الخلافات السياسية أو التحالفات العسكرية لا تمنح أي دولة حق ضرب منشآت مدنية داخل دولة ذات سيادة.

أما النائب السابق في مجلس الأمة علي الدقباسي، فيربط تكرار الهجمات بموقع الكويت القريب من إيران، وباستمرار طهران في استخدام الوجود العسكري الأميركي في الخليج كمبرر للتصعيد. لكنه يقول إن هذه القواعد موجودة ضمن ترتيبات دفاعية معلنة بين دول الخليج وحلفائها، ولا يمكن أن تكون ذريعة لاستهداف المدنيين أو المرافق العامة.

من جهته، يقول النائب السابق عبدالله الكندري إن التبريرات الإيرانية المرتبطة بالوجود الأميركي لا تنسجم مع طبيعة المواقع التي تعرضت للهجوم. فالأهداف المتضررة، كما يقول، شملت مطارات ومنشآت خدمية ومرافق مدنية لا يمكن تصنيفها أهدافا عسكرية.

ويرى الكندري أن نمط الاستهداف في الأشهر الأخيرة ركز بصورة لافتة على الكويت والبحرين، معتبرا أن أحد أهدافه الضغط على النشاط الاقتصادي وتعطيل مرافق حيوية. ويشير إلى أن الكويت تأثرت مباشرة بالتوترات الأمنية، بما في ذلك تراجع صادراتها النفطية إلى مستويات حادة وغير مسبوقة.

وتربط إيران، في خطابها، بعض التطورات بالوجود الأميركي في الخليج. لكن هذا التفسير لا يقنع النصف، الذي يقول إن البوارج والطائرات الأميركية المشاركة في العمليات العسكرية موجودة في مواقع أقرب إلى إيران من الكويت ودول خليجية أخرى. ويضيف أن “الأهداف العسكرية المباشرة كانت أولى بالاستهداف” إذا كانت الغاية الحقيقية ضرب القوات الأميركية.

ويشير النصف إلى أن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة ليس جديدا. فقد بقيت القوات الأميركية في أفغانستان نحو عقدين، واستمرت في العراق بعد عام 2003، من دون أن يؤدي ذلك إلى نمط مماثل من الهجمات على منشآت مدنية خليجية. كما يلفت إلى وجود قواعد أميركية وأخرى تابعة لحلف شمال الأطلسي في مواقع أقرب إلى إيران، بينها قاعدة إنجرليك في تركيا.

لكن القلق في الكويت لا يتوقف عند تفسير الهجمات. فهناك خشية أوسع من أن تتحول دول الخليج إلى ساحات لتبادل الرسائل العسكرية، كما حدث في العراق خلال سنوات طويلة، أو كما جرى في دول أخرى دفعت كلفة صراعات لم تكن دائما طرفا مباشرا فيها.

ويقول النصف إن تجارب العراق وسوريا ولبنان وغزة تعزز المخاوف من دفع دول جديدة إلى مسار الحروب بالوكالة. وبرأيه، لا ينبغي للكويت أو غيرها من دول الخليج أن تكون جزءا من هذا المسار، لأن حماية سيادة الدول وأمنها الوطني يجب أن تبقى خارج حسابات الرد والرد المضاد.

ومع تكرار الهجمات، عاد الحديث في الكويت إلى الدفاع الخليجي المشترك. فعلى الرغم من وجود اتفاقيات أمنية وعسكرية بين دول مجلس التعاون، فإن التعامل الميداني مع التهديدات يبدو في أغلب الأحيان مسؤولية كل دولة على حدة، بينما يتركز التحرك الجماعي في بيانات الإدانة والمواقف السياسية.

ويرى النصف أن أي اعتداء على الكويت أو البحرين أو السعودية أو الإمارات أو قطر أو عمان يجب أن يُقرأ بوصفه اعتداء على المنظومة الخليجية كلها. ويقول إن الوقت حان لتفعيل قاعدة واضحة: “أي اعتداء على دولة خليجية هو اعتداء على الجميع”، حتى لا تتمكن إيران، كما يقول، من الضغط على دولة بعد أخرى.

أما الكندري فيرى أن السياسة الإيرانية لا تستهدف الكويت وحدها، بل دول الخليج عموما، مع تركيز الضغط بين فترة وأخرى على دولة معينة بحسب الظروف السياسية والأمنية. ويقول إن استمرار هذا النهج يطرح أسئلة جدية حول مستقبل الثقة والاستقرار في المنطقة.

وقد لا تبقى الإجراءات الكويتية، بحسب الكندري، عند حدود استدعاء القائم بالأعمال أو تقليص مستوى التمثيل الدبلوماسي. فإذا تواصلت الهجمات والسياسات العدائية، فقد تصل الخطوة التالية إلى “طرد السفير الإيراني”.

سكينة المشيخص

كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading