في جنازة علي خامنئي، جلس أبناؤه في الصفوف الأمامية إلى جانب رجال دين ومسؤولين وقادة أمن. لكن مجتبى خامنئي، الابن الذي كان الجميع ينتظر ظهوره، لم يكن بينهم.
وكان مجتبى قد تولى منصب المرشد الأعلى بعد مقتل والده، فيما كان يفترض أن تقدم مراسم التشييع أول صورة علنية لقيادة إيران الجديدة.
وجاءت الجنازة في وقت تحاول فيه طهران إظهار أن مؤسسات الدولة ما زالت تعمل، وأن مقتل الرجل الذي قاد البلاد لعقود لم يترك فراغا في قمة النظام. لكن غياب خليفته فتح باب التكهنات بشأن وضعه الصحي، والترتيبات الأمنية المحيطة به، وحجم السلطة التي يمارسها فعليا.
يقدم خبراء تحدثوا إلى “الحرة” تفسيرات متعددة لغياب مجتبى. يرى بعضهم أن النظام لم يتمكن من إظهار قائده الجديد في لحظة كان يحتاج فيها إلى تعزيز شرعيته، فيما يرجح آخرون أن إبعاده عن الأنظار يعكس إجراءات أمنية مشددة بعد الاختراق الذي أدى إلى مقتل والده.
لكنهم ينقلون السؤال من غياب مجتبى خامنئي، إلى كيفية إدارة إيران في مرحلة الحرب، والدور الذي يؤديه كل من مكتب المرشد والحرس الثوري في صنع القرار.
خلافة سريعة في وقت الحرب
يقول إريك لوب، أستاذ السياسة والعلاقات الدولية في جامعة فلوريدا الدولية، إن النظام الإيراني كان مضطرا إلى التحرك بسرعة بعد مقتل علي خامنئي.
فإلى جانب سد الفراغ الدستوري، كان تعيين خلف له يتضمن رسالة إلى إسرائيل والولايات المتحدة مفادها أن اغتيال المرشد لم يؤد إلى انهيار النظام.
ويرى لوب أن اختيار مجتبى خامنئي كان يهدف إلى الحفاظ على استمرارية النظام، وعلى المنظومة السياسية والأمنية التي تشكلت في عهد والده.
لكن تعيين ابن المرشد الراحل وضع الجمهورية الإسلامية أمام مفارقة سياسية. فالنظام الذي أقيم بعد ثورة أطاحت بالملكية اختار لقيادته ابن الرجل الذي سبقه في المنصب، أي بشكل أقرب إلى التوريث السياسي، حتى وإن جرى ذلك من خلال المؤسسات الدستورية القائمة.
وكان ظهور مجتبى في جنازة والده سيمنح عملية الانتقال بعدا رمزيا مهما، ويتيح للنظام تقديمه إلى الإيرانيين بوصفه القائد الجديد.
ولا يرى لوب أن غياب مجتبى دليل على وجود فراغ في السلطة، لكنه يقول إن النظام “لو كان قادرا على إظهاره علنا، لفعل ذلك لأغراض الشرعية”.
اعتبارات أمنية
ويذهب حسين بناي، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة إنديانا، باتجاه آخر في تفسير غياب القائد الإيراني الجديد. إذ يرى أنه قد يكون نتيجة مباشرة للمخاطر الأمنية التي تواجه القيادة الإيرانية.
فإذا كانت الدائرة المحيطة بعلي خامنئي قد اختُرقت قبل مقتله، فمن الطبيعي، بحسب بناي، أن تفرض السلطات قيودا شديدة على تحركات خليفته، وألا تكشف عن مكانه أو جدول ظهوره.
وقد يكون إبعاد مجتبى عن الجنازة، وفق هذه المقاربة، إجراء أمنيا، وليس بالضرورة مؤشرا على ضعف موقعه في إدارة الدولة.
ولا يستبعد بناي أيضا أن يكون للغياب سبب صحي، خصوصا مع وجود تقارير غير مؤكدة عن تعرض مجتبى لإصابات. وقد تتجنب السلطات ظهوره إذا كانت حالته لا تسمح له بتقديم الصورة التي تريدها لقائد جديد في وقت الحرب.
لكن إخفاءه يخلق مشكلة أخرى، إذ يزيد الشكوك بشأن قدرته على ممارسة مهامه، ويترك المجال أمام روايات متضاربة عن حالته وعن الجهات التي تدير شؤون البلاد.
ويعتقد بناي أن السلطة في إيران لا تُختصر في شخص المرشد. فمكتبه يضم شبكة واسعة من المسؤولين والمستشارين والمؤسسات البيروقراطية التي تتولى التنسيق مع الحكومة والحرس الثوري والهيئات الدينية.
ومن ثم، قد تستمر عملية صنع القرار حتى في غياب المرشد عن الأنظار، من خلال جهاز عمل مع والده لسنوات، ويملك خبرة واسعة في إدارة مؤسسات النظام.
دور الحرس الثوري
أما آلان آير، الدبلوماسي الأميركي السابق والخبير في الشأن الإيراني، فيرى أن التركيز على غياب مجتبى قد يحجب قضية أكثر أهمية، تتعلق بعملية صنع القرار.
وقال آير إن رسائل المسؤولين الإيرانيين، العسكريين منهم والمدنيين، ما زالت تبدو منضبطة ومتسقة. وهذا يشير، في رأيه، إلى أن أجهزة الدولة لا تزال قادرة على تنسيق مواقفها، بصرف النظر عن عدم ظهور المرشد الجديد.
وأضاف أن الحرس الثوري ليس مؤسسة تنتظر حدوث فراغ في القيادة كي تتدخل، وإنما هو بالفعل شريك رئيسي في صنع القرار الإيراني.
وحتى في حال كان مجتبى خامنئي بصحة جيدة، يقول آير، فإنه لن يمتلك منذ الأيام الأولى السلطة السياسية والشخصية التي راكمها والده خلال عقود.
وفي وقت الحرب، تتزايد أهمية المؤسسات التي تتولى حماية القيادة، وإدارة الردع، والتعامل مع الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في المنطقة.
وستظهر قوة القيادة الإيرانية الجديدة، بحسب هذه القراءة، في قدرتها على إدارة تلك الملفات، أي ضبط حلفائها، والحفاظ على قنوات التمويل والتوجيه، واتخاذ قرارات التصعيد أو التهدئة.
كان من المفترض أن تظهر جنازة علي خامنئي أن انتقال السلطة تم بسرعة وأن مؤسسات النظام بقيت متماسكة. لكن غياب مجتبى ترك الصورة غير مكتملة.
ويثير غيابه، مجددا، السؤال بشأن حجم سلطته الفعلية، ومدى اعتماده على مكتب المرشد والحرس الثوري والمؤسسات التي ورثها عن والده.