واشنطن العاصمة 02:02 PM

العراق يطارد ناقلات النفط بالخصومات

مخاطر هرمز وتراجع الصادرات يدفعان بغداد إلى التنازل عن جزء كبير من قيمة البرميل للحفاظ على أسواقها الآسيوية.

اقرأ بـ English
· 5 دقيقة قراءة
منصات تحميل عائمة لتصدير النفط في ميناء البصرة النفطي، العراق، 12 مارس/آذار 2026. رويترز/محمد عاطي

عرض العراق خام البصرة بخصومات تصل إلى نحو ثلاثين دولارا للبرميل، في محاولة لإقناع المشترين بتحمل كلفة ومخاطر إرسال ناقلاتهم إلى موانئه الجنوبية وسط اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز.

وقالت مصادر حكومية لـ”الحرة” إن بغداد تأمل من خلال التخفيضات في الحفاظ على صادراتها وإيراداتها النفطية، بعدما أدى إغلاق المضيق والحرب بين أميركا وإيران إلى تراجع عدد الناقلات المستعدة للإبحار إلى منصات البصرة، الواقعة في شمال الخليج.

وتظهر وثائق تسويقية عرضتها شركة تسويق النفط العراقية “سومو” على المشترين هذا الأسبوع أن خام البصرة المتوسط معروض بخصم يتراوح بين 25 و27 دولارا للبرميل عن الأسعار المرجعية، بحسب وجهة الشحنة وموقع التحميل. أما خام البصرة الثقيل، فيتراوح الخصم عليه بين 27.80 و29.80 دولارا.

ودعت الشركة المشترين إلى تحديد كمياتهم التعاقدية على أساس التسليم على ظهر السفينة، أو “FOB”، من ميناء البصرة النفطي ومنصات التحميل الأحادية التابعة له. وبموجب هذه الصيغة، تنتقل مسؤولية الشحنة ومخاطرها إلى المشتري بعد تحميلها، وهو ما يجعل الخصم تعويضا جزئيا عن كلفة التأمين والرحلة عبر الخليج.

وقال الخبير النفطي، المتحدث السابق باسم وزارة النفط العراقية، عاصم جهاد، لـ”الحرة”، إن الخصم “لا يعني بالضرورة أن العراق يمتلك فائضا نفطيا يريد التخلص منه”، بل يعكس ارتفاع المخاطر والتكاليف المرتبطة بتحميل النفط من موانئ تقع داخل المضيق.

ويصف جهاد هذه الخصومات بأنها “علاوة مخاطر سالبة”، فبدلا من أن يدفع المشتري سعرا إضافيا لقاء المخاطرة، يتنازل العراق عن جزء من قيمة نفطه لتعويض المشتري عنها.

وأضاف أن البيع على أساس التسليم فوق ظهر السفينة يعني أن “مسؤولية الشحنة وتكاليفها ومخاطرها تنتقل إلى المشتري بعد التحميل”، ولذلك يصبح الخصم الكبير حافزا للمصافي والشركات القادرة على تأمين ناقلات وقبول المخاطرة.

جغرافيا تكلّف مالا

لكن لماذا يدفع العراق أكثر من جيرانه؟

يقول الخبير الاقتصادي، زياد الهاشمي لـ”الحرة” إن الشركة الوطنية لتسويق النفط العراقي تبرر التخفيض بأن دولا خليجية أخرى تقدم بدورها خصومات لبيع نفطها، لكنه يرى أن هناك سببين جوهريين للتخفيض العراقي:

الأول يعود إلى الانخفاض الكبير في عدد الناقلات المتاحة لنقل النفط الخليجي، بعدما جرى توجيه أغلب الأساطيل إلى وجهات أقل تعرضا للمخاطر الجيوسياسية، على رأسها الولايات المتحدة وروسيا والبرازيل. أما السبب الثاني فهو التكتيك الذي بات ملاّك السفن يعتمدونه في التعامل مع الخليج، والذي يقوم على “دخول سريع وخروج سريع”، بالاستفادة من فترات الهدوء النسبي في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.

هذا التكتيك، كما يشرح الهاشمي، يفرض منطقه على جغرافيا التحميل. إذ “يتطلب الدخول السريع والخروج السريع تحميل النفط من أقرب نقطة توفر بيعا للنفط، وإحنا نتكلم هنا ربما من منصات تحميل رأس تنورة السعودي، وبعدها الخروج خارج الخليج”.

غير أن النفط العراقي، يضيف، “موجود في منصات تحميل البصرة، وهي تقع في أقصى شمال الخليج العربي، وهذا يتطلب من السفن أن تبحر لمسافة أطول حتى تعمل على شراء أو تحميل النفط العراقي”.

الدليل الأوضح على أن الخصم مؤشر أمني لا مؤشر إنتاجي هو تقلّبه نفسه. فبحسب عاصم جهاد، عرض العراق في مايو خصومات تجاوزت ثلاثين دولارا لبعض شحنات خام البصرة، ثم تقلصت في يوليو إلى نحو 14–19 دولارا، قبل أن تتسع مجددا مع تجدد المخاوف على حركة الناقلات. “وهذا يؤكد أن حجم الخصم يتحرك مع مستوى المخاطر، وليس مع وجود فائض إنتاجي دائم،” على حد قوله.

سبعة أشهر أفرغت الميناء

بدأت الأزمة في 28 فبراير، عندما أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز بالتزامن مع الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران.

وتحوّل الممر، الذي تعبره يوميا كميات تعادل نحو خُمس إمدادات النفط والغاز المسال في العالم، من طريق تجاري إلى ورقة ضغط في الحرب.

وخلال الشهر التالي، هبطت صادرات العراق إلى 549 ألف برميل يوميا، مقارنة بـ3.28 مليون برميل في مارس من العام الماضي، بانخفاض بلغ 83 في المئة.

وفي الوقت نفسه، قفزت كلفة استئجار الناقلة العملاقة من الخليج إلى الصين من نحو 220 ألف دولار يوميا قبل الحرب إلى ذروة قاربت 600 ألف دولار.

وبحلول مايو، لم يعد العراق يصدر بحرا سوى 98 ألف برميل من الخام يومياً، بانخفاض بلغ 97 في المئة عن الشهر نفسه من عام 2025.

وفي السابع عشر من يونيو وُقّعت مذكرة تفاهم لوقف الحرب، فتنفّست الملاحة قليلاً. تحسنت الصادرات في مايو ويونيو معاً إلى متوسط 526 ألف برميل يومياً، مقابل 329 ألفاً في أبريل. وقال وزير النفط العراقي باسم محمد خضير إن المتوسط عبر هرمز وخط كركوك – جيهان بلغ نحو 1.5 مليون برميل يومياً في يوليو قبل عودة التصعيد.

في النصف الأول من 2026، بلغ متوسط صادرات العراق النفطية 1.32 مليون برميل يومياً، مقابل 3.32 مليون في الفترة ذاتها من عام 2025، بمعدل انخفاض 60%.

وفي مقابلة خاصة مع قناة “الحرة” قبل أيام، قال مظهر محمد صالح المستشار المالي لرئيس الحكومة العراقية، إن استمرار إغلاق مضيق هرمز، يعني كارثة للعراق، لأن العراق يصدر النسبة الأكبر من نفطه عبر هذا المضيق.

في يونيو الماضي، طرحت “سومو” مناقصة لشحنات يوليو ولم تلقَ إقبالاً كافياً، لأن التجار عجزوا أصلاً عن حجز ناقلات مستعدة لدخول الخليج وهو بالضبط ما يصفه الهاشمي بانحسار الأسطول المتاح.

ومع ذلك، لم تتوقف الصادرات تماما. فقد غادرت الناقلة العملاقة “نوبل” المضيق يوم الجمعة متجهة إلى الصين، بعد تحميلها بخام عراقي في 25 يوليو. كما استأجرت “بتروتشاينا” مبدئيا الناقلة “جامايكا بروسبيري” للتحميل من البصرة قرب الثالث من أغسطس.

وبحسب عاصم جهاد، يتحرك العراق “داخل منافسة إقليمية حقيقية على السوق الآسيوية، خصوصاً مع زيادة صادرات السعودية والإمارات والكويت وعودة كميات أكبر إلى السوق”. أهدافه في هذه المنافسة ثلاثة: استمرار الإنتاج، وإيرادات نقدية عاجلة، والاحتفاظ بزبائنه في آسيا. وثمنها واحد: التنازل عن جزء كبير من قيمة البرميل.

كما أن أدوات المنافسين ليست متساوية. فالسعودية والإمارات تمتلكان خطوط أنابيب ومنافذ تصدير تقلل اعتماد جزء من صادراتهما على مضيق هرمز، بينما يظل العراق أقل مرونة في تصريف إنتاجه.

وتحاول بغداد كسر هذه المعادلة. الحكومة أقرّت في يونيو خطة لرفع الصادرات عبر الأنابيب من 220 ألفاً إلى 770 ألف برميل يومياً وزيادة الشحن البري إلى 420 ألفاً. وخط كركوك–جيهان، الممتد 970 كيلومتراً إلى المتوسط والذي أُعيد تشغيله في أيلول 2025 بعد توقف عامين ونصف، نقل في مايو ويونيو نحو 1.56 مليون برميل إجمالا.

الحساب الأخير

دخل العراق عام 2026 من دون موازنة اتحادية مُقرّة، واعتمد قاعدة الصرف المؤقت في إدارة نفقاته، بينما يتجه البرلمان إلى إعداد موازنة 2027 وسط ديون ومستحقات تقارب 108.7 مليار دولار. وكانت المناقشات التمهيدية لموازنة 2026 تدور حول تسعير البرميل عند نحو ستين دولارا، بحسب المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة