واشنطن العاصمة 01:57 PM
الزيدي على مفترق طرق بين واشنطن وطهران

ماغازين · أغسطس 2026

الزيدي على مفترق طرق بين واشنطن وطهران

قد يتمكن علي الزيدي من إيجاد مخرج للعراق من أزمته الراهنة، ولكن فقط إذا ظلت واشنطن مركزة على تحقيق ذلك.

عقيل عباس

عقيل عباس، زميل أول غير مقيم في مبادرة العراق ضمن برامج الشرق الأوسط في المجلس الاطلسي، يركز في أبحاثه على الهويات الوطنية والدينية وقضايا الحداثة ومسارات التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط.

اقرأ بـ English
· 5 دقيقة قراءة

يبدو أن شهر عسل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في المنصب لم يدم طويلاً، إذ يجد نفسه بين مطرقة وسندان: فمن جهة هناك ضغط الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، ومن جهة أخرى، هناك ضغط التعهدات الصعبة التي أعطاها في واشنطن بتفكيك هذه الفصائل التي اعتادت استهداف الشركات والمؤسسات الأميركية. وكانت ذروة شهر العسل الزيارة الناجحة للرجل إلى واشنطن قبل أسبوعين تقريباً. فيها حقق الزيدي مكسباً سياسياً مهماً، إذ تلقى دعماً قوياً وواضحاً من إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي احتفى شخصياً بضيفه العراقي وأثنى عليه كثيراً.

تحولت الزيارة إلى مصدر قلق لأطراف عراقية نافذة متحالفة مع إيران، خصوصاً الفصائل المسلحة، فيما بدا أول شرخ في جدار الدعم العلني للزيدي الذي التزم به الإطار التنسيقي، الكتلة البرلمانية الشيعية الحاكمة.

سبق الاستثمارُ السياسي الأميركي في الزيدي الزيارةَ، فلولا دعم البيت الأبيض لما أصبح الزيدي رئيساً للوزراء في المقام الأول، إذ تبنى ترامب شخصياً دعم توليه المنصب التنفيذي الأعلى في العراق. ورغم أهمية هذا الدعم الأميركي وصلابته حتى الآن لشخصية كانت مجهولة سياسياً قبل أشهر، فإنه ليس دعماً مفتوحاً وبلا شروط. يستند هذا الدعم إلى رؤية طورها ويتولى تنفيذها المبعوث الرئاسي الأميركي، توم باراك، تقوم على ربط العراق اقتصادياً واستراتيجياً بسوريا وتركيا على المدى القصير، وتالياً بدول الخليج، كوسيلة لإخراجه من المحور الإيراني وتطبيع الأوضاع فيه على المدى البعيد، بما يعنيه هذا من تحول العراق إلى دولة مستقرة وحليفة حقيقية للغرب.

بالرغم من صعوبة تنفيذها، لا يمكن لهذه الرؤية أن تتحقق من دون تفكيك الذراع الأمني للنفوذ الإيراني في العراق: الفصائل المسلحة. تضمن تعهد الزيدي في واشنطن تحديد موعد زمني لحل هذه الفصائل، ربطه الرجل بانسحاب العدد القليل المتبقي من القوات الأميركية من العراق (أقل من 200 عسكري حالياً) بنهاية سبتمبر المقبل. وينطوي اختيار الزيدي لهذا الموعد على سعي توفيقي بين تلبية الطلب الأميركي واستيعاب الفصائل عبر إظهار أن الأخيرة قد “أنجزت” المهمة التي كانت تبرر عبرها الاحتفاظ بسلاحها: نهاية “الاحتلال” الأميركي للعراق، في ظل الإصرار الأيديولوجي، والدعائي الغرض، لهذه الفصائل على اعتبار وجود هذه القوات، التي جاءت بطلب رسمي من الحكومة العراقية في عام 2014، احتلالاً أجنبياً للبلد.

من الواضح أن تعهد الزيدي بتفكيك الفصائل أزعجها جداً، ولذلك لم يتأخر ضغطها عليه كثيراً، لينتهي شهر العسل القصير الذي عاشه الرجل. فما إن عاد إلى بغداد من زيارة واشنطن حتى واجهته حملة إعلامية شنتها ضده الفصائل الأشد أيديولوجية وارتباطاً بطهران. وسريعاً انتقلت التحديات من الأقوال إلى الأفعال، إذ منعت قوة مسلحة تابعة لإحدى هذه الفصائل، كتائب النجباء، قوات حكومية من اقتحام مقرها في جرف النداف، في محيط بغداد، لمصادرة مسيرات وصواريخ في المقر. وتبدو حادثة الاقتحام الفاشلة هذه مرتبطة بإيقاف السلطات السورية شاحنة قادمة من العراق هُربت فيها طائرات مسيرة وصواريخ لصالح حزب الله في لبنان، ومصدرها، بحسب مصدر خاص، واعتماداً على تحقيقات سورية نُقلت نتائجها إلى بغداد، هو المقر الذي حاولت القوات الحكومية اقتحامه، ويُشك بوجود ورشة فيه لصناعة الطائرات المُسيرة. وزادت الفصائل من تحديها للحكومة بقصفها منشآت نفطية في السعودية بعد يوم من حادثة الاقتحام، وقبل بدء زيارة للزيدي إلى السعودية تم تأجيلها لاحقاً. وتصاعد هذا القصف تالياً ليصل إلى 30 هجمة بطائرات مسيرة، ما قاد إلى رد عسكري سعودي-أميركي مشترك بقصف مواقع الفصائل التي اتهمتها الولايات المتحدة بأنها مصدر الهجمات ضد السعودية. وتعقد الأمر كثيراً بوجه الزيدي، فقرر تأجيل زيارته إلى السعودية، وأصدر بياناً يدين الهجمات السعودية-الأميركية التي أدت إلى مصرع منتسبين عراقيين في الحشد الشعبي، المؤسسة الرسمية العراقية التي تهيمن عليها الفصائل المسلحة وتستخدمها غطاءً لعمليات القصف ضد دول الخليج والمصالح الأميركية.

يكشف استمرار قصف الفصائل هذا أن زيارة الزيدي إلى إيران، التي أعقبت مباشرةً زيارته الأميركية، فشلت في إقناع الزعامة الإيرانية بالموافقة على نزع سلاح الفصائل، خصوصاً أن الجمهورية الإسلامية تشعر الآن بأنها بحاجة ماسة إلى هذه الفصائل في ظل تصاعد مواجهتها العسكرية مع الولايات المتحدة بعد انهيار وقف إطلاق النار الذي اتفق عليه الطرفان في سياق مذكرة تفاهم كان يُفترض أن تؤدي إلى حل شامل للقضايا الخلافية بينهما.

تستفيد إيران كثيراً من حرب النيابة التي تشنها هذه الفصائل عبر استهدافها البنية النفطية التحتية لدول خليجية سعياً إلى تقليل المعروض من النفط في السوق العالمية والتسبب بزيادة أسعاره، خصوصاً أسعار الوقود في أميركا، نقطة ضعف الرئيس ترامب في موسم الانتخابات النصفية الأميركية المقبلة. والفائدة الثانية التي تجنيها إيران من حرب النيابة هذه هي الضغط السياسي الذي تسلطه على دول الخليج، الحليفة الوثيقة لأميركا، لدفعها إلى الضغط على إدارة ترامب لإنهاء الحرب ورفع الحصار البحري المفروض على إيران.

لا يستطيع الزيدي تغيير الحسابات الإيرانية، لكنه يستطيع تغيير الحسابات العراقية إذا أحسن استخدام أوراقه القليلة، لكن المؤثرة. استندت هذه الحسابات العراقية، التي صاغها الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم المتحالف مع إيران، إلى موازنة ظاهرية بين المصالح الأميركية والإيرانية في البلد، رغم أن حقيقة هذه الموازنة هي خدمة المصالح الإيرانية على حساب المصالح الأميركية والعراقية (مثلاً تحويل العراق إلى مركز للإلتفاف على العقوبات الأميركية على إيران، وتشكيل فصائل مسلحة تابعة لإيران، والسماح بهيمنة إيرانية على السياسة والدولة في العراق). ومع إدراك واشنطن، عبر الإدارات المختلفة في البيت الأبيض، أن بغداد أصبحت ضمن دائرة نفوذ طهران الإقليمي، فإنها لم تبذل جهداً جدياً ومستداماً لتغيير هذه المعادلة. تغير هذا الأمر بمجيء إدارة ترامب الثانية وتصاعد المواجهة الإيرانية-الأميركية وصولاً إلى الحرب الحالية. حينها برزت أهمية العراق في الجهد الحربي الإيراني، في استهداف أميركا وحلفائها الخليجيين في داخل البلد وخارجه، ما سرّع الجهود الأميركية، المدعومة خليجياً بقوة، لتفكيك النفوذ الإيراني في العراق، وفي مقدمته الفصائل المسلحة.

رغم الغضب الرسمي العراقي المُعلن من القصف السعودي-الأميركي الأخير في العراق، يمكن لهذا القصف أن يشكل فرصة نادرة للزيدي للشروع في تفكيك الفصائل المسلحة، على أساس أن أفعالها المناقضة للإرادة الرسمية العراقية، الآخذة بالتصاعد، ستجعل العراق هدفاً مستمراً لضربات عسكرية أميركية-خليجية، وتقود إلى عقوبات أميركية قاسية في ظل وضع اقتصادي ومالي عراقي هش يهدد الدولة بالانهيار، خصوصاً مع الرفض الإيراني السماح بتصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز لممارسة الضغط على أسعار النفط في السوق العالمية.

يحتاج الزيدي إلى الجرأة والتنظيم لتحويل هذه الوقائع السيئة التي صنعتها إيران وحلفاؤها الميليشياويون في العراق إلى مطلب حقيقي، رسمي وعلني، بتفكيك الفصائل، يتولى هو قيادة الجهود لتنفيذه. يعني هذا الاستفادة من خليط من دعم أميركي وإقليمي وقضائي عراقي، وخوف إطاري من انزلاق الأمور إلى الأسوأ بسبب سلوك الفصائل، فضلاً عن غضب شعبي واسع ضد الفصائل.

تقف رئاسة وزراء الزيدي عند مفترق طرق خطير بين أن تكون مجرد تجربة أخرى مخيبة في استمرار التعايش مع الفشل، أو أن تصنع تحولاً إيجابياً في معنى الدولة في العراق: احتكار حقيقي للسلاح، وقرار سياسي موحد ونافذ. وخلال الأشهر القليلة المقبلة سيتضح أي المسارين تمضي فيهما حكومة الزيدي.

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة